على الفصائل الفلسطينية أن تبحث عن المصالحة بعيداً عن سلطة أوسلو وأن تضع في اهتماماتها "إسقاط سلطة أوسلو".

كنت أتمنى أن تنعقد لجنة المتابعة العربية لبحث ما يجري في القدس والخليل من انتهاكات ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومن محاولات "إسرائيلية" لضرب ما تبقى من سمات الوجود العربي هناك.. لكن هيهات.. فالمتابعة العربية وجدت أصلاً لمتابعة تنفيذ وتطبيق المخططات والسياسات الأمريكية.. وجدت من أجل إعطاء الشرعية لممارسات (إسرائيل) والتغطية على انتهاكاتها.. لأن هذه التغطية من شأنها أن تغطي عورة النظام الرسمي العربي الذي بات مكشوفاً تماماً وشريكاً بالجريمة التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته..

القبول باستئناف المفاوضات دون شروط مسبقة.. لا يعني إلا القبول "بالاستيطان" وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وضم المقدسات وفي النهاية القبول العلني بكل الجرائم التي يرتكبها حكام (إسرائيل) وإقرار رسمي بشرعية وجواز هذا الإجرام! وإلا كيف بإمكاننا تفسير قبول العودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط تذكر؟!

استقبال "إسرائيلي" لائق!

تماماً كما توقعنا.. (فإسرائيل) استقبلت قرار الدول العربية ومعه ميتشيل بإقرار بناء المزيد من الوحدات "الاستيطانية" وهي تريد إيصال رسالة للعرب بأنها لن ترضخ لأي شرط قد يضعه الطرف الفلسطيني مستقبلاً وهي ستمضي قدماً بالمزيد من "الاستيطان" والمصادرة والهدم.. وعليكم القبول بالأمر الواقع... في ظل هذه الإجراءات تواصل السلطة الفلسطينية الزحف على الركب باتجاه (إسرائيل) مؤمنة لها غطاءً فلسطينياً رسمياً لارتكاب المزيد من الجرائم مغطية على أزماتها الدبلوماسية والسياسية.

بالله عليكم.. ماذا يعني القبول بالتفاوض في ظل ممارسات "إسرائيلية" تهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي للقدس والأراضي المحتلة؟ وماذا يعني القبول في ظل هجمة شرسة تتعرض لها الأماكن المقدسة.. وماذا يعني في ظل اغتيال أحد قادة الشعب الفلسطيني؟ ألا يعني هذا إعطاء غطاء شرعي (لإسرائيل) لارتكاب المزيد من الجرائم والاغتيالات؟!

(إسرائيل) تسعى من وراء تحريك المفاوضات الفارغة المضمون حصد مكاسب إقليمية إستراتيجية وفي مقدمتها التغطية على أي عدوان محتمل على إيران أو سوريا أو حزب الله أو غزة وقد تستغل هذه الأشهر الأربعة للتجهيز لمثل هذا العدوان.

القرار العربي مذلة ومهزلة:

أصبنا بالقرف والاشمئزاز من هذا الاجتماع الذي توافدت إليه الدول العربية مجتمعة ودون غياب، ليس لنقاش ما يحصل بالقدس والأقصى ومحاولة إيجاد السبل لحمايتهما.. بل من أجل إعطاء فرصة للمقترحات الأمريكية.. وكأن المقترحات الأمريكية تأتي بالجديد!

ستون عاماً ونحن نعطي الفرصة تلو الأخرى (لإسرائيل) وأمريكا.. ستون عاماً نجر ذيول الخيبة والهزيمة.. وتأبى الأنظمة اليوم إلا أن تجرجر ذيول التبعية والخيانة والغدر.. وتدجن نفسها من جديد في حظيرة أمريكا وإسطبلات (إسرائيل).. تأبى الأنظمة العربية إلا أن تسجل حلقة سوداء جديدة في سجلها الأسود غير آبهة بتداعيات خطوتها هذه على هيبتها المفقودة وكرامتها الضائعة.

النظام الرسمي العربي ما زال يراهن على (إسرائيل) وجديتها وأبو مازن يهرع إلى حسني مبارك من أجل إقناعه بتمرير قرار استئناف المفاوضات! ويمرر القرار بفضل النذالة العربية التي تجاوزت كل الحدود وبفضل الإصرار "العباسي" على العودة إلى حضن نتنياهو وليبرمان غير آبه بإجماع الشعب الفلسطيني وموقف قواه المتعددة والرافضة للذل والخنوع والزحف على الركب تجاه عدو لا يعرف إلا لغة القوة والبطش والقمع.

يوم بعد القرار العربي تقتحم القوات "الإسرائيلية" باحات الأقصى وتجرح العشرات من المصلين هناك.. كل هذا بفضل الإجماع العربي على إعطاء (إسرائيل) الفرصة حتى لو هتكت أعراضنا وقتلت شبابنا وصادرت أقصانا.. أعطوها الفرصة! لقد كان الرد "الإسرائيلي" العنجهي واضحاً تماماً.. ففي نفس اللحظات التي يتم فيها اقتحام المسجد الأقصى وجرح العشرات من المصلين.. في نفس الوقت الذي تستباح فيه حرمات شعبنا.. يخرج قرار الذل عن القادة العرب.. وكأن شيئاً لم يحصل!

على السلطة أن ترحل:

بات واضحاً تماماً مدى تواطؤ السلطة الفلسطينية.. والتي اختارت أن تكون خاتماً مطاطياً بيد أمريكا.. وبات واضحاً أكثر، أن هذه سلطة لم تعد تمثل الشعب الفلسطيني وتوجهاته وخياراته وهي تمضي إلى المفاوضات بخلاف وجهة نظر الفصائل الفلسطينية الأخرى وحتى بخلاف وجهة نظر الشعب الفلسطيني الذي يرفض المفاوضات بأي ثمن وبهذه الطريقة المهينة البعيدة عن تقاليده النضالية.

في الوقت الذي يتوجب عليها العمل على إنجاح عوامل المصالحة والحوار نراها تنسف كل إمكانيات المصالحة والوحدة بضربها عرض الحائط رؤية وتوجه الفصائل الأخرى.. فممارسات السلطة وسلوكها وضع المصالحة في موضع أبعد مما كانت عليه سابقاً.. ووضع سلطة أوسلو في موضع بعيد جداً عن رؤية الشارع وتوجهه.. لا بل إن هذا التوجه يثير التساؤلات حول جدوى بقاء السلطة الفلسطينية وقيادتها للشعب الفلسطيني كما تدعي! وجدوى المصالحة الفلسطينية!

ابحثوا عن المصالحة بعيداً عن السلطة:

نحن نتوق إلى الوحدة والمصالحة لكن هذه المصالحة يجب أن تستند إلى قاعدة الثوابت الوطنية والأهم الكرامة الوطنية.. لكن سلطة أوسلو أبعد ما يكون عن اعتماد الثوابت والمحافظة عليها.. ومن هنا على الفصائل الفلسطينية أن تعيد النظر بالمصالحة والوحدة.. وألا تفصل هذه المصالحة على مقاس (إسرائيل) وسلطة أوسلو.. إيهود باراك أعلن بالأمس أنه يؤيد المصالحة التي تقوي السلطة الفلسطينية! بكلمات أخرى يريد تفصيل المصالحة على مقاسه ومقاس سلطة أوسلو طبعاً تحت ثوابت المنهج "الإسرائيلي" ومصالحها التوسعية والاحتلالية.

لا أرى بالمصالحة الفلسطينية في هذه الظروف جدوى ووسيلة لإخراج الشعب الفلسطيني من أزماته إذا لم تعتمد على أسس واضحة وشفافة وسليمة وأهم ركائزها الثوابت الوطنية وعدم التفريط بها والتنازل عنها.

المصالحة في ظل هذا السلوك السلطوي من شأنها أن تزيد السلطة غطرسة وتمادياً وليس بإمكانها تغيير نهج أصبح نمطاً حياتياً لسلطة أوسلو.. وعلى الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حماس أن تبحث عن المصالحة بعيداً عن سلطة عباس.. عليها أن تغير شعارها من "الوحدة واجب وطني" إلى إسقاط السلطة واجب أخلاقي وإنساني ووطني.

اليسار الفلسطيني!

يؤسفنا جداً موقف اليسار الفلسطيني الجديد والذي لم يعد يساراً حقيقياً... الموقف الرافض لبعض القوى المحسوبة على اليسار لا تكفي بل يتوجب ترجمة هذه المواقف إلى أفعال وتجميد عضويته في اللجنة التنفيذية كورقة ضاغطة على السلطة.. فمجرد البقاء في إطار "سلطة الزحف" يعني المشاركة الفعلية بكل ما تمارسه.

مؤلم جداً ما وصل إليه الواقع الفلسطيني.. والمؤلم أكثر صمت الشارع الفلسطيني وقول اليسار الجديد والذي من واجبه تحريك الشارع الفلسطيني احتجاجاً على نهج السلطة وعلى ممارسات (إسرائيل) في نفس الوقت.. وعدم الاكتفاء بالبيانات التوضيحية والتحفظات التي لا تسمن ولا تغني.

أمجاد يا عرب: dradnanb@gmail.com



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك