* كتب الأستاذ / محمد سيف الدولة مقالا بعنوان ( وعد بلفور أم ثورة 1919م ) تناول فيه خطورة وعد بلفور على الأمتين العربية والإسلامية منذ عام 1917م وحتى وقتنا الحاضر ، فما تحصده الشعوب اليوم من مآسٍ ومعاناة ، ما هو إلا حصاد هذا الوعد المشؤوم من ضياع فلسطين ، وانقسام امتنا العربية إلى دويلات ، والاهم في هذا المقال ما ركز عليه الباحث العظيم الذي اجله واقدره لعمق كتاباته وأفكاره المبدعة ، وقدرته على تحليل أحداث التاريخ برؤية تستشرف المستقبل مبنية على فهم جيد للتاريخ ، مستخدما أسلوبه البسيط في طرح القضايا وتحليلها ، هو ربطه بين الفترة التي صدر فيها هذا التصريح لوزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور عام 1917م ، وبين توقيت ثورة 1919م في مصر ، والخطأ الذي ارتكبه المصريون عندما اهتموا بصراعهم مع المحتل البريطاني داخل مصر ( تمصير القضية ) على حساب القضية الفلسطينية في ذلك الوقت وقبل قيام ما يسمى بدولة (إسرائيل) عام 1948م .

* الباحث محمد سيف الدولة رأى في مقاله أن الثورة كان يجب أن توجه إلى بريطانيا والكيان الصهيوني والعمل على التصدي لوعد بلفور ، ويرى أن خطأ ما ارتكب عندما دافع المصريون عن مسألة نفى سعد زغلول ، ولم يلتفتوا لخطر أبشع ألا وهو تصريح بلفور الذي جلب للأمة كل ما تعانيه اليوم .. وهذا صحيح لو كان الشعب المصري يعلم الغيب كما قال الكاتب .. ولكن بما انه كان لا يعلم الغيب في الماضي.. فهل يعلم الحاضر اليوم بكل ما فيه من دمار وخراب حل على الأمة بسبب وجود هذا الكيان الصهيوني في منطقتنا؟

* الكيان الصهيوني الذي زرعه وفرضه الغرب علينا في فلسطين بهدف تفتيت عضد الأمة واستنزاف ثرواتها في حروب لا أول لها ولا آخر، هو إفراز لتصريح بلفور وتكريس لوجود الغرب بيننا حتى يومنا هذا ..رغم أننا تصورنا نحن المصريين انه بجلاء آخر جندي بريطاني عن مصر إننا حررنا الأرض وامتلكنا السيادة على أراضينا ، ولم يبق لنا سوى تحرير فلسطين من هذا الكيان الصهيوني .. ليس من اجل عيون الفلسطينيين كما يدعى المتخاذلون ، بل من اجل أمن مصر وشعبها فلا يستقيم الأمن والاستقرار في مصر إلا بأمن جيرانها ومحيطها من حولها ، وفلسطين ليست فقط الجار لمصر بل هي بوابة مصر الشرقية ومصدر أمنها ، وهذا ما نجهله اليوم عن حاضرنا وواقعنا الذي يسعى دعاة القطرية إلى تكريسه في نفوسنا وعقولنا من أن مصر بلد وفلسطين بلد آخر لا علاقة لنا بها ، والحقيقة التي يحاول البعض إخفاء معالمها هي أن الأمة العربية لن تقوم لها قائمة طالما الأرض الفلسطينية محتلة ، وستظل أوضاعنا من سيئ إلى أسوأ طالما وجد بها هذا الكيان المغتصب .

* والدليل أمامنا واضح وضوح الشمس مصر منذ عام 1973م توقفت عن محاربة (إسرائيل) ، واعتبر أصحاب كامب دافيد والمهللين لها أن حرب أكتوبر آخر الحروب بيننا وبين هذا الكيان المغتصب ، فما هي النتائج التي ترتبت على اتفاقية السلام بيننا وبين هذا العدو ؟ ما هي الثمار التي جنيناها من تلك الاتفاقية ؟ هل يشعر كل مصري اليوم بالأمن والأمان والاستقرار ؟ هل خرجت مصر من أزماتها ومحنها السياسية والاقتصادية ؟ هل حال المصري اليوم أفضل من حاله قبل ثلاثة عقود مرت ؟ بل لنقل هل كف الصهاينة أياديهم عن تدمير مصر وشعبها ؟ هل مصر اليوم بلد تتمتع بالاستقلال والسيادة على أراضيها ؟ وماذا عن محيط مصر الملتهب بنيران تشعلها (إسرائيل) بين الحين والآخر خدمة لمصالحها ورغبة في إبادة تلك الأمة ، والتوسع على حساب شعوبها ونهب ثرواتهم ؟ الكيان الصهيوني يهرول لتحقيق حلمه في مشروع (من النيل إلى الفرات ) ولا أظنه لم يحقق الجزء الأكبر منه .. فالعراق الشمالي بات منطقة نفوذ له ومشروع ( كركوك – حيفا ) أخشى يوما أن تعلن (إسرائيل) عن افتتاحه في غفلة من العرب ... ومصر ليست بعيدة عن الصهاينة وباتت أرضا مباحة ومستباحة لهم وسوقا رائجة لمنتجاتهم في الخفاء بواسطة ثلة رجال الأعمال الموالين لهذا الكيان ، الذي ينتهج سياسة التخريب في كل مؤسسات مصر .. فماذا لو كنا تصدينا لهذا الكيان الغاصب قبل استفحال أمره ؟

* الكاتب سلط الضوء على جذور مشكلة الشعوب العربية بطريقة ذكية حينما أشار بقلمه نحو أصل البلاء في امتنا ، ووجه أبصارنا تجاه قضيتنا الرئيسية والتي يحاول المتنطعون والمطبعون إلهائنا عنها بقضايا فرعية .. فأصل البلاء هو وجود هذا المغتصب الذي كبل شعوبنا بقيود اتفاقيات لم يحترم بنودها ، واستقوى علينا بغرب يسانده ويدعمه ماديا وسياسيا وعسكريا .. فاختلت موازيين القوى في ظل نظم الدول القطرية العربية والإسلامية التي تشبه (عصر ملوك الطوائف بالأندلس ) ، بينما أوربا تسعى لتوحيد نفسها و يحرم العرب والمسلمون من توحيد أنفسهم في ظل النظام العالمي الجديد ، وعالم تحكمه أمريكا حتى لا تقوم للعرب قائمة .

* وإذا كنا أخطأنا في الماضي ولم ننتبه إلى خطورة تصريح بلفور على الشعوب العربية ، فهل يمكن لنا تصحيح هذا الخطأ اليوم ؟ وإذا قلنا اليوم أن حال الأمة العربية لن يستقيم إلا بحل قضية فلسطين ( جرح الأمة الغائر ) واستخدام كل الوسائل لردع هذا الكيان الصهيوني وتحجيمه .. فهل سنجد صدى لدى الشعوب العربية والإسلامية لتلك الدعوة ؟ أم سنجد من المتخاذلين من ينعتنا بالجنون ؟ ، وربما سنسمع منهم ما سمعناه من السيد احمد عز صراحة ( ملل القاهرة من القضية الفلسطينية التي أصبحت ترهقها و جلبت لها الكثير من المشاكل مع الدول العربية، داعيا المصريين إلى الاهتمام ببلدهم قبل النظر إلى الفلسطينيين، وقال" قبل أن نبكى على المواطن الفلسطيني يجب عليه هو أن يبكى على نفسه، ومصلحتنا المصرية هي المصلحة الأولى والمواطن المصري يأتي في الترتيب الأول وحتى الترتيب رقم مائة، وأي جنسية تأتى في الترتيب رقم 101" )... دعوة أطلقها احمد عز للمصريين معناها (انكفوا في همومكم.. وخليكوا ساكتين).

* هذا هو التوجه المصري الجديد " مصر أولا وقبل كل شيء " مصر المعزولة ، المحاطة بجدران عازلة من الشرق ، وبعداوة خلقها النظام المصري الحالي مع جيران مصر غربا وجنوبا ونحو سورية وقطر والجزائر ، فأصبحت مصر مرتبط أمنها بأمن الجار الشمال الشرقي (إسرائيل) .. ورغم ذلك فنرى ما تفعله (إسرائيل) على الحدود المصرية من قتل جنودنا وأطفالنا ، ومن تخريب للاقتصاد المصري وتلوث مياه النيل وتدمير الزراعة والصناعة ، وتحويل مصر لسوق رائجة لمنتجاتها ، وشفط البترول والغاز وحرمان أهل مصر من ثرواتهم .. فهل امن مصر القومي حمته تلك البوابة الصهيونية المفتوحة على مصراعيها؟

* المصري محاصر بهموم الداخل والخارج ، ففي الداخل نجده غارقاً حتى أذنيه في هموم حياته اليومية بداية من مشكلة غلاء الأسعار التي فاقت كل حد ووصل كيلو اللحمة في مصر إلى 70 جنيه ، ومرورا بمشكلة طوابير الخبز والسولار واسطوانات الغاز التي طحنت عظام كتفيه ، ونهاية بكارثة الدروس الخصوصية في كل بيت مصري .. ورغم ذلك لديه الوقت لمشاركة الفلسطيني المحاصر همومه ، وهموم العراقي الذي احتلت أرضه ، فالكل في الهم سواء .. والغريب أن تلك الأزمات التي يعانى منها المواطن المصري لا تظهر إلا كلما انتاب الشعب المصري حالة غليان وغضب ورفض للواقع الذي يعيشه .. فنجد الأزمات تظهر فجأة ، وما هى بصدفة وإنما هي سياسة مدروسة وممنهجة ينتهجها النظام المصري كلما شعر بصحوة الشعب المصري .. والدليل أمام أعينهم .. تزامنت أزمة ارتفاع أسعار اللحمة ، وأزمة السولار ، وأزمة اسطوانات الغاز مع عودة الدكتور البرادعى واستقبال الناس له في المطار ، ومن قبل تزامن أزمة رغيف الخبز وشح القمح مع غضب المصريين على ضرب (إسرائيل) لغزة !!

* في كل مرة يحاول فيها الشعب المصري التعبير عن غضبه تلجأ الحكومة المصرية إلى عقابه بخلق أزمة هنا أو هناك .. سياسة عقاب جماعي تنتهجها الحكومات المصرية لإغراق المصري في ذاته وهمومه ، وعزله عما يدور حوله تماما كما فعلت بريطانيا عام 1919م عندما خلقت أزمة " نفى سعد زغلول" لإلهاء المصري عن مؤامرة بلفور... هذه اللعبة تعلمها النظام المصري من المحتل سواء البريطاني من قبل أو الصهيوني والامريكي اليوم .

* الحكومة المصرية هي التي تفرض على الإعلام ما يتناوله من موضوعات وهى التي توجه بوصلته دائما للداخل ( بصورة غير مباشرة ) ، وعزله عن الخارج وعما يدور فيه ، وهي التي تقطع صلة الرحم بين الشعب المصري والشعوب العربية الأخرى المنكوبة بالغزو والعدوان ، وما من أزمة بالداخل المصري إلا ولها علاقة بما يدور خارجها ، حتى تصريحات احمد عز تصريحات ليست وليدة الصدفة ، وما هي إلا خطة هدفها تحويل أنظار الشعب المصري عن عملية هدم الأقصى وتهويد القدس ، وتوجيه الإعلام المصري إلى جهة داخلية تتحدث عن كلام أبو العز وترك الحديث عن هدم الأقصى وتهويد القدس ومطالبة الإخوان بطرد السفير "الاسرائيلي" من مصر .. لتتحول حالة الغضب من غضب ضد (إسرائيل) إلى غضب ضد ابو العز ، وهناك الكثير من الأدلة التي تفضح أساليب النظام المصري في هيمنته وسيطرته على عقل ووجدان المواطن الغلبان الذي لا حول له ولا قوة ... فهل هو غباء منا ام طيبة زيادة عن اللزوم عندما ننساق وراء أشخاص استمتعوا بعذاباتنا وتاجروا بمشاعرنا وقضايانا لصالحهم هم اولا ثم لصالح كيان مغتصب محتل ؟ وهل هناك فرق بين المحتل البريطاني الذي شغل المصريون بأزمة نفي سعد زغلول عن التفكير بمؤامرة بلفور ، وبين سياسة حكوماتنا الغراء التي شغلتنا بالأزمات الداخلية لننسى بها مؤامرة تهويد القدس وهدم المسجد الأقصى ؟

* ما الحل ؟ نلتفت لمشاكل الخارج وهمومه أم نبقى محصورين بالداخل وأزماته ؟ علينا الربط بين الداخل والخارج ولننظر من هو الطرف المستفيد من عزلنا عن الخارج ، وإغراقنا بهموم الداخل .. تحديد هذا الطرف هو قمة الوعي ، ومن ثم عزله قبل أن يعزلنا ، وإذا كانت (إسرائيل) ووكلاؤها في مصر قد جنوا إرباحا طائلة من إغراق السوق المصري بمنتجاتهم فعلينا مقاطعة كل منتجاتهم ( تماما كما فعل غاندي في الهند ) ، الأمر لا يحتاج إلا لإرادة وعزيمة .. والشعب المصري لديه تلك الإرادة وتلك العزيمة ، وأسأل كل مصري هل تعلم أن مصر هي اكبر سوق لمنتجات (إسرائيل) والفضل كله يرجع لطبقة رجال الأعمال الموالين لها ؟ هل قرأت يوما على اي منتج صهيوني انه صنع (بإسرائيل) ؟ بالطبع لا .. لأنني أتحدى أن يكتب اي رجل أعمال مستورد لتلك المنتجات اسم (إسرائيل) على منتجاتها التي أغرقت بها السوق المصري في غفلة من المصريين !! على كل مصري أن يبحث في بيته سيجد (إسرائيل) موجودة فيه ، ومنتجاتها لا حصر لها يروج لها الإعلام الزائف الكاذب ، دعونا نخرج هذا الكيان من بيوتنا أولاً ونكبد وكلاءه الخسارة !!

* أمامنا فرصة لن تتكرر يا شباب مصر ورجالها للتغيير والإصلاح والسعي نحو تطبيق الديمقراطية ، وبها لن تزور إرادة الشعب ، ولن يتم عزل مصر ، ولا نحتاج إلا للعمل الجماعي والتوحد ، الأمل دائما في شباب مصر إذا نجح بتغيير الأوضاع في مصر فان خارطة المنطقة كلها ستتغير .. لأنه إذا صلحت مصر صلح حال الأمة كلها ، لأنها دوما كانت الرائدة.. وريادتها لن تعود إلا بكم .

wafaaesmail@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك