الوطنية ليست مجرد مشاعر الإيمان بالوطن وحبه فقط، بل هي أيضاً التضحية من أجله ليكون كله مستقلاً وحراً وكريماً، والمنتمي إلى الوطن والعروبة لن تتناقض أيديولوجيته مع ذاك الانتماء.
وفي بلادنا العربية كما في العراق ولبنان وفلسطين المحتلة.. تياران التيار الوطني الجذري المقاوم للمشاريع الأمريكية الصهيونية، والتيار المستسلم والمرحب بها وهو درجات وصل معظمه إلى درجة الخيانة!

إن فلسطين كلها كجزء من الوطن العربي ما زالت محتلة؛ صحيح أن العدو اندحر مطروداً من قطاع غزة وفشلت كل مؤامراته واعتداءاته لاحتواء القطاع أمام صخرة المقاومة، ولكن القطاع ما زال تحت الاحتلال فهو محاصر براً وبحراً وجواً واقتصاده مرتبط بالاحتلال، والعدو يتربص به الشر في كل لحظة.. والمناطق التي تخضع لسلطة أوسلو في الضفة الغربية أوضاعها أسوأ من القطاع لأنها من جانب مقطعة الأوصال وتنتشر فيها مئات الحواجز التي تراقب كل داخل وخارج وهي مباحة يجتاحها العدو متى شاء ويقتل من يشاء ويعتقل من يشاء ويبتلع من أراضيها ما يشاء.. والسلطة ساكتة لأن الأمر لا يعنيها، فما يسمى السلطة الوطنية ليست أكثر من بلدية أمن مقيدة الصلاحية، ومهمتها الأساسية حماية الكيان من المقاومة وبمعنى أدق مخفر شرطة مأجور لصالح الكيان، ومن جانب آخر تمارس السلطة وأجهزتها الأمنية أبشع الانتهاكات بحق شعبنا من اضطهاد وقمع واعتقالات وملاحقات وبالتنسيق مع العدو الصهيوني!

لذلك معيب أن يتحدث البعض عما يسمونه "إمارة حماس الإسلامية" للطعن في حماس وبأنها تريد الاستقلال ويحرضون الناس والعالم على الحكم الإسلامي الإرهابي الرجعي.. فعن أي استقلال يتحدثون، وعمن؟! أعن إمارة مخفر شرطة أوسلو، أم عن العدو الصهيوني؟!
القطاع مستقل عن المشروع الأمريكي الصهيوني ومتمسك بالمقاومة، ولو امتلك الأوسلويون ذرة ضمير وطني لكانت الصورة أفضل من كل التهويش والثرثرة الصبيانية التافهة. وشبيه بهؤلاء الذين يظهرون بمظهر المعلم الحكيم فيدينون الطرفين (المقاوم والمستسلم) مدعين أن الصراع بينهما هو صراع على السلطة، وأيضاً شبيه بأولئك الذين يدعون بسذاجة إلى الوحدة الوطنية دون التفكير بكيفية اتحاد تيارين متناقضين بينهما مئة وثمانون درجة، وهم يغضون الطرف عن شروط تيار أوسلو للمصالحة القائمة على التخلي عن المقاومة والاعتراف بالكيان الصهيوني!

ولو حرك أولئك جميعاً أدمغتهم قليلاً وحكموا ضميرهم لاعترفوا أنه صراع بين التيار المقاوم والتيار المستسلم لا غير، ويجب ألا يلتقيا إلا إذا تخلى تيار أوسلو عن الارتباط بالعدو الصهيوني ووضع مصلحة الوطن فوق كل شيء، ومصلحة الوطن والشعب تعني تحرير الوطن كله وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني المستعمر.

أمام تلك الأوضاع المؤلمة والرؤى العمياء وقلب الحقائق وعدم تحليل الواقع على حقيقته، كيف ننظر إلى الأيديولوجيات والمذاهب المختلفة في التيارين، سواء أكانت قومية أو دينية أو مادية أو علمانية أو ماركسية أو اشتراكية..؟!

التحليل العلمي لا يرى تناقضاً بين الوطنية والخلفية الأيديولوجية؛ فالخلفية الأيديولوجية سواء أكانت قومية أو إسلامية (سنية أو شيعية أو درزية أو علوية...) أو علمانية أو ماركسية أو شيوعية أو اشتراكية و.. وعدد ما شئت من المذاهب والأيديولوجيات فكلها لا تنفي الإيمان بالوطن وحبه والتضحية من أجله، ولا تدعو إلى وضع الأيديولوجيا فوق الوطن، لذلك يجب أن نميز على الصعيد الفكري بين الفكرة وادعائها كالقومية وادعاء القومية الكاذب والمزيف والمخادع أي بين القومي والقومجي، بين الإسلامي والإسلاموي، بين العلماني والعلمانوي، بين الماركسي والماركسوي..
فالشخص (أو الحزب أو الفصيل أو النظام..) قد يكون وطنياً وقد يكون خائناً. وقد يكون الوطني إسلامياً (مسلماً ملتزماً) أو علمانياً أو ليبرالياً أو ماركسياً.. وبالمقابل قد يكون الخائن إسلامياً أو علمانياً أو ليبرالياً أو ماركسياً..
وليس المسلم وحده قد يكون وطنياً أو خائناً فكذلك المسيحي.. والنماذج لا تحصى في البلاد العربية!

ونحب هنا أن نوضح أن تسمية مسلم أو إسلاميّ كلمة عامة تشمل أفراد العالم الإسلامي وهي لا تعني الالتزام، لأن المحسوب على المسلمين قد يكون مسلماً ملتزماً أو قد يكون لا دينياً أو ملحداً أو ماركسياً.. لذلك تسمية مسلم لا تعني بالضرورة المنتمي إلى الإسلام عقيدة وعبادة وفكراً، وهذا أيضاً ينطبق على المسيحي وعلى كل تصنيفات المذاهب والفكر والأيديولوجيات..!
فليس مجرد ادعاء شخص ما نظرياً بأنه ينتمي إلى مذهب ما أو دين أو فكر.. كافياً للحكم عليه لأنه قد يكتسب ذاك بالمظاهر أو الانتماء بالوراثة، وفي عصرنا الوراثة لا قيمة لها، فالمواقف والممارسات تجاه قضايا الوطن والشعب هي الأساس التي تكشف الحقيقة.
وقضية انحراف قسم من العرب عن الخط الوطني ضمن ذاك المفهوم يرينا أن المنحرفين قسم من اليمين العربي والفلسطيني ضمنه، وكذلك قسم من اليسار العربي والفلسطيني ضمنه!

والدين الإسلامي يحض على الوطنية، وكون الكثير من المسلمين يصلون ويصومون (السادات لم يكن يقطع صلاة، ومشايخ الإفتاء المثير للغثيان مشهورون، والخونة الذين نراهم يصلون ويصومون لا حصر لهم..) وفي الوقت نفسه يخونون القضية الوطنية والقومية ويعترفون بشرعية الكيان الصهيوني رامين خلفهم الوطن والبعد القومي والإسلامي، تجعلنا نسخر من ادعائهم للإسلام وممارستهم للعبادة، فالطعن فيهم كأشخاص منافقين ومدعين ومزيفين، وليس الطعن في العقيدة الدينية لأن العقيدة تطلب منهم التحرير وعدم الاعتراف بالعدو الصهيوني!!

وبالمقابل كون بعض اليساريين والماركسيين العرب (ومن ضمنهم الفلسطينيون) انحرفوا باتجاه الاعتراف بالكيان الصهيوني.. لا يعني أن الماركسية تدعو للخيانة والانحطاط، ومثل ذلك إن تبنى علمانيون الاعتراف بالعدو الصهيوني والدعوة إلى التعايش والسلام والتطبيع معه.. فالعلمانية لا تدعو للخيانة والانحطاط!
وقد سمعنا بعض الإسلاميين غير الواعين يطعنون بيساريين أو علمانيين.. انحرفوا باتجاه المشاريع الصهيونية، فهم يعللون خيانة أولئك كونهم ماركسيين أو علمانيين أو يساريين.. وذاك غباء وحماقة، لأنهم يدركون تماماً أن تصنيف بعضهم محسوب على المسلمين، وأن خيانة السادات (الرئيس المؤمن) ومبارك وعبد الله (حامي الحرمين) هي نفسها خيانة عبد ربه أو العفيف الأخضر المحسوب على اليساريين الماركسيين!!
فهل يصح أن نقول السادات ومبارك وعبد الله خونة لأنهم مسلمون؟!
فقد يكون الماركسي أو العلماني أو اليساري.. أكثر وطنية من المسلم الذي يصلي ويصوم أو المسيحي الذي لا ينقطع عن الكنيسة وقراءة الإنجيل، والعكس أيضاً صحيح! وكذلك يمكن الموازنة بالأخلاق والقيم والالتزام.

ومناقشة الماركسية أو العلمانية أو الرأسمالية أو الليبرالية أو الأديان ليس مكانها خندق المقاومة لأولوية توحد الجميع ضد العدو الواحد، بل ساحة الفكر لمناقشة الأطروحات المادية والمثالية والمذاهب الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والفكرية وقضية الحرية.. وهذا يكون أفقه أسلم في ساحة دولة متحررة ولها كيانها المستقل وتبحث عن تكوينها المستقبلي في جو ديموقراطي، وعلى الرغم من ذلك لا مانع من الحوار على ألا يؤثر على خندق المقاومة الجامع، بل لتوظيفه لصالح القضية الوطنية.

فالعلمانية تناقش ضمن إطار قبول أو رفض تدخل رجال الدين في شؤون الحياة الدنيوية ليفرضوا عليها الرؤية الدينية (فصل الدين عن الدنيا)، والماركسية كفلسفة مادية وأيديولوجيا تطرح العدالة الاجتماعية وإنصاف طبقة الفقراء أمام توحش الرأسمالية، تناقش ضمن إطار فلسفي واقتصادي واجتماعي وسياسي.. ولكن لا بد هنا من القول وبين قوسين (لأن هذا ليس مجال مناقشته) إن ماركس أفضل من حلل المسألة اليهودية في عصره فقد طلب من اليهودي التخلي عن عالم التجارة والجشع وعبادة المال والاندماج في مجتمعه والعيش فيه كواحد منهم، ولينين لم يعترف بشيء اسمه الأمة اليهودية وطالب اليهود بالاندماج في مجتمعاتهم وهو أهم من كشف حقيقة الإمبريالية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة المستعمر. وجاء ستالين بحماقته وبراغماتيته فأخرجتاه من الماركسية اللينينية ودفعتاه لارتكاب جريمة قبول قرار التقسيم عام 47 والاعتراف بكيان العدو عند قيامه، وهذا مناف للماركسية اللينينية، وقد سار قادة السوفييت على نهج ستالين وتبعهم في تلك الجريمة غالبية الشيوعيين العرب (ومن ضمنهم الفلسطينيون). لذلك هؤلاء في الحقيقة ستالينيون وليسوا ماركسيين لينينيين (ونحن هنا لا نناقش الفلسفة ولا الأيديولوجيا الماركسية والاشتراكية)!

فالخيانة التي نراها عند الكثيرين هي نتيجة موت الضمير والجهل التاريخي والغباء وضحالة الثقافة وقصور التحليل والرؤى، أو نتيجة المصالح أو دونية خلقت عند بعضهم عقد النقص تجاه الغربي (عقله وفكره وعلومه وتكنولوجيته ونمط حياته ومتعه الرخيصة) فانسلخوا عن عروبتهم وتغربوا، لأنهم يريدون لأنفسهم ومصالحهم ومتعهم مكاناً ولو عند قدم الخواجة الغربي السوبر ولا سيما الإمبريالية الأمريكية!

تلك بشكل عام ومختصر أسباب خيانة اليسار وهم بالوراثة مسلمون ومسيحيون، وخيانة اليمين وهم بالوراثة مسلمون ومسيحيون أيضاً؟!
إذاً لنستخدم التسميات ذات الدلالات الدقيقة، ولنميز الوطنية عن الأيديولوجيا والفكر، ولتكن المقاييس الصحيحة هي الأرضية الجامعة للوطنيين: الإيمان بتحرير فلسطين كلها وعدم التنازل عن ذرة رمل واحدة وهذا يعني لا اعتراف ولا صلح ولا سلام ولا تعايش مع الكيان الصهيوني القاعدة الاستعمارية للإمبرياليات الغربية.. وتلك الأرضية مرتبطة بالمصداقية والممارسة والتي أهم تجلياتها الالتحاق بثقافة وخندق المقاومة قولاً وفعلاً.
لنجعل القضية الوطنية بثوابتها الجذرية والمصداقية والإخلاص الأرضية التي تجمع كل الوطنيين الشرفاء مهما كانت أيديولوجياتهم، والقضية الوطنية هي المقياس في نقد الآخرين ولا شيء آخر حتى نكون بمستوى القضية والفكر والوطن والإنسان.


Creative Commons License

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك