الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
مختارات لتأسيس الوعي
حجم الخط: + -
التداعيات الإستراتيجية للتقارير الدولية على (إسرائيل)
|
11 - 04 - 2010
د. ليلى نقولا الرحباني |
مقدمة:
بعد صدور تقارير دولية عدة تدين (إسرائيل) وتتهمها بارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية والى "ما يقارب" الإبادة الجماعية، يبدو من المفيد دراسة التداعيات الإستراتيجية على سابقة في تاريخ العلاقات الدولية منذ إنشاء (إسرائيل)، فلأول مرة تقوم تقارير رسمية أممية بـ"محاولة" مساءلة (إسرائيل) على ما اقترفته من فظائع.
وبالرغم من أن غولدستون حاذر اعطاء التوصيف الفعلي والقانوني للاعمال "الاسرائيلية"، وخفف كثيراً من حدة تقريره، كما اعترف، فلم يذكر سوى "جرائم الحرب" واحتال على التوصيف القانوني لجريمة الابادة، فاعتبر ان هناك "نيات متعمدة "اسرائيلية" لفرض عقوبة جماعية"، الا أن تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة "ريشارد فولك"، المنوي مناقشته خلال الشهر الحالي يعدّ أهم وأخطر من تقرير غولدستون [1] وستكون لمناقشته العلنية وعرضه أمام الرأي العام تداعيات أكبر وأخطر على (اسرائيل)، فيما لو عُرض.
لن ندخل في التفاصيل القانونية للتقارير وعلى توصيف الجرائم "الاسرائيلية" وتفنيدها بموجب القانون الدولي العام، فهذا الموضوع قد أشبع درساً منا ومن كثر الحقوقيين والمهتمين بالشأن [2]. لكننا سنعالج في هذه الورقة التداعيات الإستراتيجية التي خلّفتها هذه التقارير على (اسرائيل) عالمياً، وعلى القاعدة الاجتماعية اليهودية في العالم، لاعتقادنا أنه حتى لو لم تتم محاكمة مجرمي الحرب "الاسرائيليين"، ستكون (اسرائيل) أمام تداعيات مستقبلية خطيرة لن تتخلص منها بسهولة.
ماذا في هذه التداعيات؟
أولاً: انهيار صورة "التفوق النوعي".
ثانياً: تقويض شرعية (اسرائيل) على الساحة الدولية.
ثالثاً: بداية تحولات في القاعدة الاجتماعية لليهود حول العالم.
أولاً- انهيار صورة "التفوق النوعي":
يمكن القول أن الخطر الأكبر الذي تواجهه (اسرائيل) حالياً بعد صدور التقارير الدولية التي تدينها وأهمها تقرير غولدستون هو تحطيم "الصورة" التي رسمتها لنفسها خلال عقود من الزمن، وكلّفتها الكثير من الجهد الدبلوماسي والسياسي والمالي والإعلامي وجهد اللوبيات اليهودية في العالم.
عملت (اسرائيل) منذ ما قبل تأسيسها وبالتحديد منذ نشوء الحركة الصهيونية على انتاج صورة عن نفسها وعن شعبها مستندة في ذلك الى معتقدات دينية توراتية، وصولاً الى مرحلة قيام "الدولة" وما رافقها من استعمال "الصور المتناقضة" التي تصلح للاستخدام السياسي والدولي.
عمل المنظّرون الأوائل للحركة الصهيونية على استجلاب العديد من مفردات الخطاب الديني اليهودي بهدف إدخالها ضمن النسق الفكري الداعي الى أحقية بناء وطن قومي لليهود في فلسطين، بحيث أدرج هذا الأمر ضمن "قيم معيارية ونسق متكامل" من صور "الأنا" و"الآخر"، والتي سرعان ما أضيف إليها صور أخرى بعد تأسيس الدولة.
مستمدة من مفاهيم توراتية وتلمودية، عمل "الاسرائيليون" على تكريس صورة "الشعب المختار والمتفوق"، وذلك في كتابات المفكرين الصهاينة الأوائل، وبالتحديد، تيودور هرتزل الذي قال في كتابه: "فلسطين هي الوطن التاريخي لليهود، ومن هناك سوف نشكّل جزءاً من استحكامات أوروبا في مواجهة آسيا كموقع أمامي للحضارة في مواجهة البربرية" [3].
في هذه العبارة، نجد صورة رسمها هرتزل وعملت الصهيونية العالمية على ترسيخها لغاية اليوم، وهي ترتكز على معايير ثلاث:
1- التركيز على تمجيد الذات ورفع "الأنا" الى مستوى أعلى من البشر الآخرين، وهي صورة تتلاءم مع الصورة التي تقدمها النصوص الدينية اليهودية.
2- العمل على تشويه صورة الآخر، فالآخر هو "البربري العنيف" مقابل "الحضارة والرقي والتمدن".
3- صاغ هرتزل لليهود وللدولة الموعودة، وظيفة ودوراً هامين جداً تتجلى في حيازة "موقع أمامي متقدم" لأوروبا في مواجهة "العدو"، بغض النظر عن الصفات التي يتخذها هذا "العدو" والتي تتبدل بتبدل اللحظة التاريخية، فقد يكون البربري في لحظة تاريخية معينة لينتقل إلى الإرهابي في فترتنا الحاضرة.
فيما بعد أضيفت الى هذه الصورة، صورة أخرى تتلاءم مع مرحلة تاريخية مختلفة أي مرحلة تأسيس الدولة، وهي صورة "الضحية المظلومة" التي تأتي لتبرر للمتفوقين أخلاقياً وقيمياً ما يقومون به من مجازر وعدوان وتعديات، ويمكن أيضاً أن نقتبس من بن غوريون في احدى رسائله عبارة معبرة يقول فيها: "مَن يَعلم لمن ستكون الكفة الراجحة، هل هي لعدالة وحضارية انجازاتنا في فلسطين، والمحنة الرهيبة لليهود في المهجر من ناحية، أم لقنابل العصابات العربية وألغامها، وتهديدات وسلطة الحكومات العربية، والعداء المتزايد لليهود في العالم" [4].
إذاً، بالإضافة الى الصور السابقة التي أرساها المفكرون والإعلاميون والسياسيون الصهيونيين، أضيف إليها صورة أخرى هي "صورة الضحية المظلومة المهددة في وجودها وكينونتها" والتي تعاني الأمرّين في المهجر وتعيش تجارب رهيبة وقاسية، وهي صورة لازمة من المنظور الصهيوني لاستدراج العطف اللازم لتأسيس الدولة، واستجلاب اليهود من أنحاء العالم إلى فلسطين لتخليصهم من العداء والمآسي التي يعانون منها.
في هذه المرحلة، انتقل الفكر الصهيوني إلى تحديد أكثر للعدو فلم يعد مجرد "بربري" بل بات له اسم وهوية: إنه العربي الذي يحمل "قنابل وألغام" ويهدد اليهود في وجودهم وحياتهم هو وسلطاته وحكوماته.
ولأن بحثنا اليوم لا يتسع لشرح تفاصيل إنتاج البناء المعرفي والصوري عن النفس والآخر في الفكر الصهيوني، يمكن أن نلخّص الصورة التي كانت قد أنتجتها (اسرائيل) عن نفسها وركّزتها في ذهن الرأي العام العالمي عشية حرب لبنان عام 2006 بالصفات التالية:
- تفوق أخلاقي وحضاري مقابل أعداء إرهابيين منحطّين أخلاقياً ومتخلّفين حضارياً، وهم بالمجمل "معادين للسامية".
- (اسرائيل) هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في "الشرق الأوسط".
- (لاسرائيل) دور ووظيفة تؤديهما، ووجودها ضروري لحماية المصالح الأميركية والغربية في المنطقة.
- الضحية المظلومة التي تقاتل للدفاع عن نفسها ضد أعداء يريدون إلغاءها.
- الجيش "الاسرائيلي" هو الجيش الأقوى الذي لا يُقهر، وأي حرب يخوضها يخرج منها منتصراً بسهولة.
وبالرغم من تناقض صورة الضحية مع صورة القوة التي لا تقهر، فقد استطاعت (اسرائيل) ان تجعل العقل الغربي يقبل صورتين متناقضتين بدون تفكير: صورة الضحية المغلوب على أمرها المهددة في وجودها وصورة القوة العاتية التي لا تقهر.
لكن، ما رسمته الدعاية الصهيونية خلال ما يزيد عن قرن من الزمن وكل الجهود التي بذلتها إعلامياً وسياسياً وفكرياً لترسيخ صورة (اسرائيل) هذه في العقل اليهودي والغربي والعالمي، بدأت ملامحه الحقيقية تنكشف منذ حرب تموز 2006 ولغاية اليوم. وبدأت ألوان الصورة المزيفة تتحلل، وتتكشف يوماً بعد يوم وذلك على الشكل التالي :
1- في صورة القوة العاتية ووهم الوظيفة والدور:
بلا شك، كان لحرب لبنان 2006 تأثيرات هامة على صورة الجيش "الاسرائيلي" "الذي لا يُقهر"، فقد ظهر بشكل جلّي وواضح ان القوة والهيبة "الاسرائيلية" والردع الذي امتلكته منذ عقود وبالتحديد منذ عام 1967، جميعها قد سقطت بالضربة القاضية.
وبحسب الخبراء العسكريين، تعد حرب غزة «نكسة» للجيش "الاسرائيلي"، فقد كشفت الوهن الذي أصابه والذي لم يستطع تفاديه بعد حرب تموز 2006، بالرغم من ملاحظات «فينوغراد» ونصائحه في كيفية استعادة الهيبة والردع. لقد كان لما حصل في غزة من عدم قدرة "الاسرائيليين" على تحقيق انتصار ساحق على مقاومة لا تملك العمق الاستراتيجي الذي يملكه حزب الله في لبنان ولا المقومات العسكرية نفسها، تداعيات على الجيش "الاسرائيلي" الذي أثبت عجزه عن حسم أية معركة يخوضها بعدما كان «الجيش الذي لا يقهر» والذي انتصر على دول عربية مجتمعة واحتل أجزاء من أراضيها في ستة أيام.
لقد أثبتت الحرب التي شنّها "الاسرائيليون" على لبنان عام 2006 وبعدها الإبادة التي مارسوها في غزة، نظرية «عجز القوة»، بل لعلها أعطت الدليل القاطع على ان قرار الحرب لم يعد بأيدي "الاسرائيليين" منفردين، بل صار ملك منظومة توازن عسكري استراتيجي في المنطقة، وهو ما تثبته التهديدات "الاسرائيلية" المتتالية للبنان والتي تبقى في إطار التلويح والتهديد لغاية الآن.
أما الوظيفة والدور التي حددتها (اسرائيل) لنفسها كموقع متقدم للجبهة الغربية في حربها واستعمارها للمنطقة، فقد أتت التطورات التي حصلت منذ مجيء الأميركيين عسكرياً الى المنطقة واحتلالها العراق، وبعدها هزيمة الذراع العسكرية للغرب في حرب تموز 2006، لتكشف ان (اسرائيل) لم تعد مصدر ثقة للغرب وغير قادرة لأسباب بنيوية جوهرية أن تضطلع بالوظيفة والدور المنوطين بها وأهمها أن تكون "شرطي المنطقة".
2- في صورة الضحية وادعاء التفوق الأخلاقي:
بشكل لا يقل عن أهمية تهاوي "صورة القوي الذي لا يُقهر" تتهاوى الآن أمام أعين "الاسرائيليين"، صورة "اسرائيل" الضحية الخيّرة المظلومة" التي "تدافع عن نفسها" ضد أعداء شريرين يحاولون القضاء عليها وإبادتها و"رميها في البحر".
لقد كان للصور التلفزيونية التي بثّتها وسائل الإعلام والتي أظهرت وحشية الحرب التي شنّتها (اسرائيل) على قطاع غزة، تأثيرها الكبير في كشف صورة (اسرائيل) العدوانية والعنصرية وجعلت الإعلام الغربي المسخّر لخدمة الصهيونية عاجزاً أمام هول الصورة الحقيقية، ما جعل التعاطف المبني على أسباب تاريخية في الغرب تجاه (اسرائيل) يتراجع في أذهان الشعوب. وهكذا شهدت عواصم العالم مظاهرات حاشدة ضد الهجوم العسكري "الاسرائيلي" على شعب أعزل محتلة أرضه ولإدانة الحصار "الاسرائيلي" المفروض على غزة باعتباره "عقابا جماعياً" لشعب بأكمله.
أما الصور القيمية الأخلاقية الزاهية التي روّجتها (اسرائيل) عن نفسها، والتي استمرت في رسمها أكثر من قرن من الزمن، فقد لطختها دماء الأطفال الفلسطينيين والشواهد الدامغة التي أتت بها التقارير الدولية التي أثبتت بالدليل القاطع أن الجيش "الاسرائيلي" "استخدم الأطفال دروعاً بشرية" وانه قصف المناطق الآهلة والمدارس والمستشفيات ومقرات الأمم المتحدة "بشكل متعمد"، بينما لم يثبت أن حماس قامت بأي من هذه الأعمال الوحشية أو الإجرامية التي لا تقيم وزناً لا لضمير إنساني ولا أخلاقي ولا ديني.
واستكمل تحطيم الصورة الأخلاقية الحضارية الراقية "الاسرائيلية"، بالتقارير التي كشفتها الصحافة الأوروبية حول قيام القوات "الاسرائيلية" بسرقة الأعضاء البشرية للشهداء الفلسطينيين والمتاجرة بها، وتتابعاً مع الكشف الخطير حول انتهاك (اسرائيل) لسيادات الدول الأوروبية من خلال تزوير جوازات سفر لمواطنيها واستخدامها في عملية اغتيال المبحوح في دبي.
بالإضافة إلى مصداقية المنظمات التي أدانت (اسرائيل)، كان تعيين القاضي الجنوب إفريقي غولدستون، ضربة قاصمة لمقولة "معاداة السامية" التي يلصقها "الإسرائيليون" بكل معارض لهم او منتقد لسياساتهم، فالقاضي المذكور هو من اليهود المؤيدين (لاسرائيل) وتاريخه وتصريحاته تشهد له بذلك [5]، بالإضافة الى أن عدداً من المظاهرات التي انطلقت في العالم ضد الحرب على غزة قادها يهود أو كانوا من المشاركين الأساسيين فيها وفي انتقاد الممارسات "الاسرائيلية" [6].
3- ادعاءات "الدولة الديمقراطية الوحيدة" في "الشرق الأوسط":
أما صورة "الدولة الديمقراطية الوحيدة" في "الشرق الأوسط"، والتي نظّر لها الغرب وبعض العرب من مفكرين ومحللين سياسيين، فقد بدأت بالاهتزاز أيضاً، بعد تهم الفساد التي تواجه معظم القيادات "الاسرائيلية"، وآخرها محاكمة اولمرت على ضلوعه بالفساد خلال فترة توليه منصبه والتي استؤنفت في شباط الماضي [7].
واليوم تتعالى أصوات يهودية من الداخل "الاسرائيلي" وخارجه لتكشف زيف هذه الصورة بعد التداعيات التي فرضتها التقارير الدولية ومنها تقرير غولدستون، والأنباء التي تتحدث عن سياسات حكومية "اسرائيلية" "مكارثية" كرد على تقرير غولدستون، حيث تقوم الحكومة "الاسرائيلية" بالتضييق على منظمات حقوق الإنسان وعلى وسائل الإعلام بسبب "مساهمتها في تشويه صورة (اسرائيل) دولياً، بحسب الادعاء "الاسرائيلي".
بسبب دور مزعوم لهذه المنظمات الإنسانية في الحقائق التي استند اليها تقرير غولدستون والحملة الدولية التي استتبعها ضد (اسرائيل)، تحاول الحكومة "الاسرائيلية" تمرير قانون يضيق هامش الحريات التي تتمتع بها المنظمات غير الحكومية، ويضع عليها شروطاً تعجيزية سيؤدي في حال تصديقه الى سجن معظم رؤساء منظمات حقوق الإنسان الداعية للسلام، وهذا ما يدفع بعض "الاسرائيليين" الى التشاؤم واعتباره توجهاً "اسرائيلياً" نحو الديكتاتورية.
هكذا إذاً، تهاوت أجزاء الصورة التي رسمتها الصهيونية عن (اسرائيل) وشعبها المختار المتفوق أخلاقياً، الى حد وصف كثير من اليهود لدولة (اسرائيل) بانها تشبه نظام "الفصل العنصري في أفريقيا".
ويبقى على العرب من جهتهم والقيّمين عليهم أن يرسخوا هذه الصورة إعلامياً وسياسياً وثقافياً، ليس في العالم العربي فحسب بل في العالم أجمع، لا أن يندفعوا لمد اليد والقبلات ومحاولات التطبيع مع العدو لإخراجه من "أزمته الوجودية" التي بدأت تلوح في الأفق.
ثانياً- تقويض "شرعية" "اسرائيل" على الساحة الدولية:
1- توتر علاقات (اسرائيل) مع حلفائها التقليديين (أوروبا وأميركا):
لعل أي مطّلع على الدعم غير المسبوق والتحالفات الدولية التي عقدتها (اسرائيل) خلال ما يزيد عن ستين عاماً على تأسيسها، يعلم أنه بالرغم من كل الانتهاكات التي قامت بها للقانون الدولي وكل المجازر التي ارتكبتها، بقي الأميركيون والأوروبيون مستمرين في دعم (اسرائيل) وإعلانهم الالتزام بازدهارها وحقها في الأمن والسلام، كما في "حقها في الدفاع عن نفسها" فهي "دولة تحارب من أجل السلام"، وتتعرض بشكل دائم لخطر "الإرهابيين من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والإيرانيين"، بحسب زعمهم.
إن مراجعة المواقف الحديثة للقادة الأوروبيين التي استفاضت في دعم (اسرائيل)، كبراون وبرلسكوني وساركوزي، على سبيل المثال، الذي اعتبر ان "اسرائيل" هي معجزة القرن العشرين التي تتقدم بالرغم من كل التحديات والأخطار التي تحيط بها"، بالإضافة الى تصريحات مسؤولي الاتحاد الأوروبي كنائب رئيس اللجنة الأوروبية السيد فرانكو فراتيني، الذي أعلن خلال مشاركته في مؤتمر هرتسيليا الثامن، باسم الاتحاد الأوروبي: "الالتزام التزاماً عهدياً بدولة "اسرائيل" اليهودية، وبحقها في العيش بسلام... وعدم التسامح مع معاداة السامية أبداً..." [8]. ان من يراجع هذه المواقف يعلم حجم الخسارة الإستراتيجية التي يمكن أن تتكبدها (اسرائيل) في حال بدأت دول العالم تتخلى عن الدعم المفرط لها والتعهد بنموها واستقرارها وأمنها.
لإدراكها لخطورة تداعيات تقرير غولدستون عليها في علاقاتها الدولية، طالبت (اسرائيل) في ردها على التقرير بتغيير قوانين الحرب والتي تعتبر من أهم قواعد القانون الدولي الإنساني [9].
وفي هذا الإطار، لا يمكن لأي مراقب موضوعي أن يغفل عن الدلالات السياسية والرمزية لإعلان البرلمان الأوروبي خلال الأسبوع المنصرم [10] تأييده لتقرير غولدستون ومطالبته بالعمل على تطبيق التوصيات الواردة فيه، والدعوة إلى إجراء تحقيقات للكشف عن الحقائق وتحديد المسؤوليات عن الانتهاكات التي حصلت خلال العمليات العسكرية "الإسرائيلية" على قطاع غزة. بلا شك، يعتبر هذا الإعلان ضربة مهمة للعلاقات "الاسرائيلية" مع أوروبا والتي تراهن عليها (اسرائيل) اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً.
وكان تصاعد السخط العام الأوروبي ضد الفظائع "الاسرائيلية" في قطاع غزة أدى خلال عام 2009 إلى تعليق الاتحاد الأوروبي تنفيذ اتفاق مقرر لرفع مستوى العلاقات مع (اسرائيل). وقال دبلوماسي رفيع في الاتحاد الأوروبي ان "الحرب في غزة واستمرار بناء "المستوطنات" اليهودية واستمرار الحصار على غزة تجعل من الصعب أن تمضي العلاقات بين "اسرائيل" والاتحاد الأوروبي بالصورة المعتادة" [11].
وربما يكون من ظواهر التحول في العلاقات الأوروبية "الاسرائيلية"، إصدار محكمة بريطانية في كانون الأول من عام 2009 أمراً بالقبض على وزيرة خارجية (اسرائيل) السابقة تسيبي ليفني على خلفية دعوى قضائية بشأن تورطها في ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، ما دفعها الى إلغاء زيارتها المقررة الى بريطانيا. ورغم أن قرار المحكمة دفع رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون الى الإعلان عن حاجة لتغيير النظام القضائي البريطاني، وبالرغم من تقليل بعض وسائل الإعلام من شأنه، لكن يبقى أن مثل هذه الخطوة من جانب محكمة بريطانية ما كان يمكن تصورها قبل عقد من الزمان.
أما العلاقات الأميركية "الاسرائيلية"، وبالرغم من بعض التشنجات الصغيرة التي تحصل الآن خلال عهد الرئيس الجديد باراك اوباما، وأهمها التوتر الذي حصل خلال زيارة بايدن "لتل ابيب" [12]، الا انه يبقى من الصعب على تقرير غولدستون أو غيره، أن يهز العلاقات الإستراتيجية بين البلدين والدولتين بالرغم من التبدل "المحدود" الذي يحصل في الرأي العام الأميركي وتساؤلاته حول مشروعية ما تقوم به (اسرائيل) في قطاع غزة.
وفي هذا الإطار، أظهر استطلاع للرأي في الولايات المتحدة الأميركية، ان الأميركيين الذي يعدّون أنفسهم داعمين (لاسرائيل) تراجع من 69% قبل حرب غزة الى 49% في حزيران 2009، بينما تناقص عدد المستطلعين الذين يعتبرون ان على الولايات المتحدة الأميركية دعم (اسرائيل) من 69% الى 44% في الفترة نفسها [13].
ونورد فيما يلي بعض النماذج التي تؤشر الى "بدايات" خجولة، لفقدان (اسرائيل) قوة الدعم العالمي التي تمتعت به في العقود المنصرمة، لكنها كما سنلاحظ أنها تأتي في إطار المجتمعات المدنية أكثر مما هي سياسيات رسمية:
في الميدان القانوني:
- أصدرت محكمة بريطانية مذكرة اعتقال في حق تسيبي ليفني على خلفية اتهامها بجرائم حرب بوصفها وزيرة خارجية إسرائيل أثناء عملية الرصاص المصبوب [14].
- أثار قرار القاضي الإسباني فرنندو أندراو، محاكمة سبعة من القادة السياسيين والعسكريين "الإسرائيليين" بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ضجة كبرى في (إسرائيل). وقامت وزارت الخارجية والعدل والاتصالات "الاسرائيلية" بتجنيد مجموعة من كبار السياسيين ورجال القانون في إسبانيا وأوروبا عموماً لإجهاض هذا القرار وإلغاء المحاكمة، خوفاً مما وصفوه ب "تسونامي من المحاكمات" قد تحصل في أوروبا بسبب حربهم على غزة [15].
- رفعت منظمات فرنسية دعوى قضائية إلى محكمة الجنايات الدولية ضدّ الرئيس "الإسرائيلي"، ووزيرة الخارجية ووزير الحرب "الاسرائيلي" بسبب جرائم الحرب التي حصلت في غزة [16].
- قدم نشطاء أتراك في مجال حقوق الإنسان بتقديم دعوى تتهم أيهود باراك بالإبادة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الحرب التي شنتها (إسرائيل) على غزة، وطلبوا من المدعي العام إصدار مذكرة اعتقال بحق وزير الجيش "الإسرائيلي" بتهمة الإبادة في حرب غزة، لدى زيارته تركيا [17].
ميدان الأمن:
- إثر حرب غزة، وبسبب المشاهد التي بثت، أصدرت الحكومة البلجيكية قراراً بحظر تصدير أسلحة الى (اسرائيل) "يمكن أن تقوّيها عسكرياً" [18].
- صوتت نقابات العمال البريطانية لصالح قرار فرض حظر على البضائع المستوردة التي تنتجها (إسرائيل) في "المستوطنات غير الشرعية" ووقف الاتجار بالأسلحة مع (إسرائيل) [19].
منظمات المجتمع المدني:
- رُفع في المظاهرات التي نُظمت في تشرين الثاني 2009 في شوارع البرازيل ومدريد وبيونس آيرس، لافتات تشبه القادة "الإسرائيليين" بالنازيين وتتهمهم الإبادة الجماعية.
- اتهمت ماريد ماغواير الحائزة على جائز نوبل للسلام (إسرائيل) بانتهاج سياسة "تطهير عرقي" في القدس الشرقية [20].
- أعلن المنتدى الاجتماعي العالمي وهو مظلة تضم المئات من الجماعات الاجتماعية، والمناهضة للعولمة، والحقوقية من شتى أرجاء العالم - عن إطلاقه حملة تدعو كافة المنتسبين إليها إلى مقاطعة (اسرائيل) [21].
الميدان الأكاديمي:
- في احد أكبر المعاهد الأكاديمية في النرويج، عزمت جامعة بيرغين على فرض مقاطعة أكاديمية رسمية على (إسرائيل) لما وصفته بسلوك (إسرائيل) الشبيه بالتفرقة العنصرية في افريقيا الجنوبية [22].
- عقد مجلس إدارة جامعة ترودنهايم في النرويج جلسة تصويت على إقرار حملة مقاطعة أكاديمية (لإسرائيل). وأقامت الجامعة سلسلة ندوات حول استخدام (إسرائيل) لمعاداة السامية كأداة سياسية [23].
- أطلقت مجموعة من أساتذة الجامعات الأميركية حملة لحث الأكاديميين الأميركيين على "المقاطعة الأكاديمية والثقافية (لإسرائيل) بسبب الفظائع التي ارتكبتها في لبنان وغزة [24].
- إثر بثّ صور المجازر في غزة، رفعت مجموعة من الأساتذة الجامعيين الكنديين إلى الحكومة اقتراحاً يطالب بفرض مقاطعة أكاديمية على (إسرائيل) [25].
- وقّع 400 أكاديمي في بريطانيا بينهم يهود، رسالة نشرتها صحيفة الغاريان، تدعو الى وقف الحرب في غزة وتحثّ على مقاطعة (إسرائيل) وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها فيما لو لم تلتزم [26].
- وجّه أكثر من 400 أكاديمي رسالة الى متحف العلوم في بريطانيا يطالبونه فيها بإلغاء ورش العمل التي تروّج للمنجزات العملية "الإسرائيلية" في أوساط طلاب المدارس [27].
ميدان السينما:
- اضطرت إحدى شركات الأفلام الى الانسحاب من مهرجان تورونتو الدولي للأفلام السينمائية بسبب الضجة التي أثيرت لاختيارها "تل أبيب" موضوعاً بحثياً [28].
- بعد احتجاجات كبيرة وتهديدات بالانسحاب، اضطر مهرجان إدينبورغ الدولي للأفلام السينمائية الى إعادة منحة بقيمة 300 جنيه إسترليني كانت السفارة "الإسرائيلية" قد قدمتها [29].
2- توتر علاقات (اسرائيل) مع الحلفاء الإقليميين:
كما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، كذلك بالنسبة لتركيا التي شهدت علاقاتها مع (اسرائيل) خلال عام 2009 وعلى أثر حرب غزة، أسوأ مرحلة منذ التحالف الاستراتيجي الذي قام بين الدولتين.
لطالما نظرت (اسرائيل) الى تركيا بوصفها حليفها الأهم والأكثر تأثيراً في "الشرق الأوسط"، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2008 ثلاثة مليارات دولار، وشمل شراء أنقرة أسلحة "إسرائيلية" وطائرات من دون طيار بقيمة 183 مليون دولار.
وقد وفرت تركيا ولفترة طويلة جسراً بين (إسرائيل) ودول عربية خليجية، كما لعبت دور الوسيط بين سوريا و(اسرائيل) تمهيداً لإجراء مفاوضات غير مباشرة خلال عام 2008، وقد أوقف العدوان "الإسرائيلي" على غزة هذه الاتصالات من الجانب السوري، في حين أن الحرب نفسها زادت من تدهور العلاقات "الإسرائيلية" مع تركيا.
وقد شهد العام المنصرم الكثير من الأزمات الدبلوماسية والسياسية بين تركيا و(اسرائيل)، بدأ بالموقف التركي الشهير في «دافوس» في كانون الثاني عام 2009 حينما انسحب رئيس الوزراء التركي رجب اردوغان من الجلسة احتجاجاً على السلوك "الاسرائيلي"، ومخاطباً بيريز بقوله «صوتك العالي يثبت أنك مذنب لأن الجيش "الإسرائيلي" يقتل الأطفال على شواطئ غزة»، في حين أن معظم العرب الحاضرين لم يحركوا ساكناً. ثم أتى قرار أنقرة إلغاء مشاركة (اسرائيل) في مناورات "نسر الأناضول" الجوية في تشرين الاول 2009 وأزمة المسلسل التلفزيوني التركي "الوداع" الذي يعرض التنكيل "الاسرائيلي" بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة، والأزمة الدبلوماسية الكبيرة التي حصلت بعد أن قام نائب وزير الخارجية "الاسرائيلي" داني ايلون بإهانة السفير التركي في (اسرائيل)، لكن تركيا خرجت منتصرة ومرفوعة الرأس بعد الاعتذار "الإسرائيلي" الرسمي.
دفعت هذه المواقف والأزمات المتتالية العلاقات بين البلدين الى التباعد أكثر فأكثر، مع تأكيد اقتناعنا بأن تركيا في حركتها لن تصل الى مستوى القطيعة أو الجفاء مع (اسرائيل) التي تحرص هي بدورها على تلك العلاقة الإستراتيجية. وقد عبّر أحد مسؤولي الخارجية "الإسرائيلية" لصحيفة هآرتس "الإسرائيلية" عن تشاؤمه بمستقبل عودة العلاقات التركية "الاسرائيلية" الى سابق عهدها بقوله "الواقع ربما تغير وربما أصبحت علاقتنا الإستراتيجية بتركيا في مهب الريح".
قد لا تكون الجرائم "الاسرائيلية" المرتكبة في غزة بحد ذاتها هي المحفز لتغيير الإستراتيجية التركية في "الشرق الاوسط"، ولا شك أن تركيا تتحرك للتعويض عن دور فقدته في المنطقة منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، ولم تستطع ان تجد ما يناسبها من دور إقليمي في موقعها اللصيق بالغرب، كما باتت على قناعة تامة بأن أوروبا لن تقبل بها عضواً في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة الى إدراكها للتبدلات الإستراتيجية التي فرضتها حروب (اسرائيل) على لبنان وغزة وتأثيرها على هيبة (اسرائيل) وقوتها ودورها ووظيفتها في المنطقة... لذا عمدت الى استغلال حرب غزة وما تلاها وما قامت به (اسرائيل) خلالها من فظائع والتقارير الدولية التي ادانتها، لرسم مسار آخر لسياستها الخارجية بالعمل على تحقيق مصالحة على نطاق واسع مع أعداء تركيا التقليديين كالأرمن والسوريين واليونانيين والأكراد، والدخول كلاعب إقليمي مهم في "الشرق الأوسط" من بوابة دعم القضايا العربية المحقة، ولعب دور الوسيط الذي يجعل من التحالف مع (إسرائيل) يغدو عبئاً أكثر منه ورقة رابحة في ظل تبدل المعطيات وبروز توازن استراتيجي جديد في المنطقة.
أما بالنسبة للدول العربية التي توصف "بالاعتدال"، فان تقرير غولدستون والمجازر التي حصلت في غزة وبالرغم من أنها عرّت الأنظمة العربية المذكورة، فان التغيير في علاقاتها (باسرائيل) لم يحصل، ولو حصل (فاسرائيل) لن تهتم بسبب استتباع هذه الأنظمة وعدم امتلاكها لقرارها المستقل.
ثالثاً- بداية تحولات في القاعدة الاجتماعية لليهود حول العالم:
بالفعل لقد شهد عام 2009 تحوّلاً ملموساً في مواقف اليهود من (إسرائيل)، وخاصة الأميركيين منهم. وكان لافتاً بروز الكثير من المنظمات اليهودية التي تعارض السياسات "الاسرائيلية" ومنها منظمات "جي ستريت" التي تبدو الآن كمنافس مستقبلي حقيقي لمنظمة آيباك، بالاضافة الى منظمات أقل قوة مثل منظمة "يهود أميركيون من أجل سلام عادل"، و"يهود ضد الاحتلال" الخ... وقد قام هؤلاء بمظاهرات حاشدة جداً للمطالبة بوقف العدوان على غزة، وأيدوا التحقيقات التي دعا اليها تقرير غولدستون.
تبدو "جي ستريت" التي تأسست عام 2008، كمنظمة يهودية جديدة تقتحم النفوذ التقليدي والمتجذر لآيباك، مطوّقة من اليمين واليسار على حد سواء. فخلال نزاع غزة، أصدرت المنظمة بياناً أدانت فيه حماس و(إسرائيل) لأنها "عاقبت مليون ونصف مليون غزاوي يعانون أصلاً من ممارسات المتطرفين في وسطهم"، بحسب البيان. كان موقفاً شجاعاً من منظمة يهودية مبتدئة تحاول كسب الدعم في أوساط الاتجاه السائد، وقد أثار البيان غضب المسؤولين في الجالية اليهودية.
بعد حرب غزة، بدأت طلبات الانتساب الى المنظمات اليهودية المعادية للسياسات "الاسرائيلية" تزداد. وقد تضاعفت لائحة المشتركين برسائل البريد الإلكتروني على موقع منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام" التي تتّخذ من أوكلاند مقراً لها، لتصل إلى 90 ألفاً مع تسجّل ستة آلاف شخص كل شهر. وتقول المديرة التنفيذية للمنظمة إن المنظمة تجد دعماً يهودياً في أماكن غير متوقّعة مثل هاواي وأتلانتا وجنوب فلوريدا وكليفلاند، وهو أمر لم يكن ممكناً قبل حرب غزة والتقارير التي أتت لتكشف الانتهاكات "الاسرائيلية".
إن دراسة تطور التوجهات السياسية لليهود الأميركيين تفيد انه كان حرب 1967 التأثير الأبرز في صعود اللوبيات اليهودية الداعمة (لاسرائيل)، وقد وجد المدافعون عن (اسرائيل) و"حقها في الوجود والدفاع عن نفسها في بيئة تريد رميها في البحر" في الانتصار السريع الذي حققته (اسرائيل) دافعاً لهم للتعبير عن أنفسهم بقوة.
وفي السنوات التي أعقبت حرب 1967، اكتشفت الثقافة الأميركية "المحرقة" وبدأ الحديث عنها في المناهج التربوية وفي اللقاءات المنظّمة وفي الإعلام، ما أدى الى طغيان شعور عارم بوجوب عدم السماح بتكرار الأمر، الأمر الذي أدى تصاعد قوة اللوبي اليهودي "الإسرائيلي" الحديث. ببساطة، تنظّم اليهود الأميركيون في سياسات دعم (اسرائيل) بدون قيد أو شرط انطلاقاً من اقتناعهم بأنهم الوحيدون الذين يقفون بين (إسرائيل) والنسيان [30].
بهذا المعنى، غزة هي بمثابة الخط الفاصل الذي يُطلق مرحلة جديدة مختلفة عن مرحلة ما بعد حرب 1967 في الوعي اليهودي.
ويبدو التحوّل أكثر وضوحاً في القواعد الاجتماعية اليهودية في الجامعات، حيث أصبح تأييد الفلسطينيين الاختبار الحاسم للالتزام التقدّمي بين الطلاب والأكاديميين اليهود. ويؤدي الشباب اليهودي دوراً رئيسياً في الحركات المناوئة للسياسات "الاسرائيلية" وفي الدعوات الى المقاطعة وسحب الاستثمارات.
في تحليل الظاهرة هذه علمياً واجتماعياً، يمكن القول أن الشباب اليهودي الجديد ليس متأثراً بدعايات حرب 1967 والخوف من محرقة أخرى، بل إنهم بمواقفهم الآن يطبّقون على (إسرائيل) ما تعلّموه عن حقوق الإنسان والمساواة والديموقراطية والقيم الأميركية الليبرالية. لذا تتقدّم المسألة "الإسرائيلية"- الفلسطينية لتحتلّ المركز في عالمهم السياسي، ويبدون رأيهم فيها من هذا المنظار [31].
وكما في أميركا كذلك في بريطانيا، فخلال العدوان على غزة قامت مجموعة من المنظمات اليهودية، وبالإضافة الى فاعليات يهودية بارزة ومرموقة بإصدار بيان دعوا فيه "إلى وقف النار فوراً، والى مراقبة دولية لاتفاقية وقف النار". واعتبروا " ان من حق (اسرائيل) الدفاع عن نفسها ولكن ردها العسكري المفرط سيقوض الاستقرار في المنطقة".
قويت المنظمات اليهودية المعادية للصهيونية في بريطانيا خلال عام 2009 بعد ما حصل في غزة. وقد نظمت منظمات يهودية عدة منها منظمة "يهود لمقاطعة البضائع "الإسرائيلية"، و"يهود من أجل العدالة للفلسطينيين" اعتصامات خلال شباط المنصرم في وسط لندن، ضد "احتلال "إسرائيل" غير المشروع للضفة الغربية والقدس الشرقية والعقاب الجماعي للشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة" وما وصفوه "بسرقة "إسرائيل" جوازات سفر بريطانية"، ورفع المحتجون لافتات كتب على بعضها "لا تأخذ جواز سفرك إلى "إسرائيل"، و"إسرائيل" سرقت مياه الفلسطينيين وجوازات سفر البريطانيين".
ودعت هذه المنظمات إلى "عزل "إسرائيل" بسبب مواصلتها انتهاكها القانون الدولي، كما دعت لحملة دولية واسعة لمقاطعة البضائع "الإسرائيلية" وفرض عقوبات على "إسرائيل".
وكما في الجامعات الأميركية، يلعب الطلاب اليهود في بريطانيا دوراً في الحركات التي تنتقد الممارسات "الاسرائيلية"، ما دفع بالمنظمات الصهيونية الى اعتبار أن "الجامعات بدأت تتحول الى مقر تنمو فيه سياسات معاداة السامية الجديدة".
بلا شك، النزاع في غزة ساعد على كسر المقاومة اليهودية التقليدية لانتقاد (إسرائيل). ويقول المحللون أن الاضطرابات والغضب في أوساط اليهود في مختلف أنحاء أميركا يعود الى السلوك "الإسرائيلي" الإجرامي والعنصري الذي ظهر جلياً خلال تلك الحرب. وفي ما يلي بعض النماذج من كتاب ومحللين كانوا سابقاً من أشدّ الداعمين (لاسرائيل):
- إم جيه روزنبرغ، وهو محلّل مخضرم في واشنطن يعد تقارير لشبكة "ميديا ماترز أكشن"، يقول: إن غزة كانت "الكارثة الأسوأ في العلاقات العامة في تاريخ "إسرائيل". لأول مرة في جيل كامل، حصلت قطيعة بين يهود أميركيين بارزين والدولة اليهودية بسبب سلوكها.
- كاتب العمود الخاص في صحيفة "نيويورك تايمز" روجر كوهين يقول إنه "يشعر بالخجل" من الممارسات "الإسرائيلية".
- في حين كتبت ميشيل غولدبرغ في صحيفة "الغارديان" إن قتل "إسرائيل" مئات المدنيين رداً على الهجمات الصاروخية "همجي" وعلى الأرجح "عقيم".
- في "ذي نايشن"، دافعت اليهودية نعومي كلين عن مقاطعة "إسرائيل" وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها؛ ولاحقاً لدى زيارتها رام الله، اعتذرت من الفلسطينيين بسبب "جبنها" وعدم اتخاذها ذلك الموقف من قبل.
- الحاخام برانت روزن من إفانستون في ولاية إيلينوي، يقول: "طوال سنوات، كان هناك "صوت ملتبِس" في رأسي يبرّر الممارسات "الإسرائيلية"... خلال الانتفاضتَين الأولى والثانية والحرب في لبنان، كنت أقول "هذا معقّد"... عندما قرأت التقارير عن غزة، لم أعد أسمع الصوت الملتبس".
- أطلق بعض الحاخامات مجهوداً بعنوان "الصوم اليهودي من أجل غزة". كل شهر، يشارك أكثر من سبعين حاخاماً من مختلف أنحاء البلاد إلى جانب قادة من أديان مختلفة وأشخاص معنيين في صوم يستمر يوماً كاملاً "لوضع حد لصمت اليهود حول العقاب الجماعي الذي تمارسه "إسرائيل" في غزة".
بالتأكيد، تبدو هذه الحركات اليهودية عاجزة لغاية الآن عن التأثير الكبير في الرأي السائد بين اليهود في العالم في دعم (اسرائيل)، ولكن يمكن القول ان كوّة فتحتها حرب غزة في جدار الصمت، والمستقبل ينبئ بتغييرات إضافية في حال عرف العرب والفلسطينيين كيف يستفيدون من هذه النوافذ.
خاتمة وتوصيات:
ما من شك ان التداعيات التي ستخلفها التقارير الدولية والجرائم التي ارتكبتها (اسرائيل) في كل من لبنان وغزة، لن تؤدي الى تبدلات دراماتيكية سريعة، ونحنا لسنا مفرطين بالتفاؤل بحيث نعتبر ان هذه التداعيات ستؤدي إلى انهيار (اسرائيل) في وقت قريب، أو الى عزلها دولياً.
لكننا بدون شك ندرك أهمية هذه التداعيات على المدى البعيد فيما لو استعمل العرب إستراتيجية مدروسة تؤسس منذ الآن لعهد جديد تنقلب فيه موازين القوى رأساً على عقب، لكن هذا يحتاج إلى كثير من العمل الدؤوب والالتزام بالقضية والجهد والصبر لترسيخ ما تحقق والبناء عليه للمستقبل.
وفيما يتعلق بالتوصيات التي يمكن أن نقترحها، انطلاقاً مما ناقشناه في ورقتنا:
1- العمل على تثبيت وتدعيم أسس الصور الحقيقية التي بدأ العالم يراها عن (اسرائيل)، وذلك من خلال الإعلام والثقافة والمنظمات الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان وغيرها.
2- ترسيخ صورة العدوانية والعنصرية "الاسرائيلية" مقابل صورة "الضحية" العربية، وعدم القيام بما يؤدي الى قلب الصورة مجدداً.
3- التأسيس على الخروقات التي بدأت تظهر والتباينات بين القواعد اليهودية والصهيونية، وذلك من خلال دراسة إعلامية وسياسية شاملة تؤدي الى خلق وعي سياسي للخيط الرفيع الذي يفصل الصهيونية واليهودية.
4- المحافظة على علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي ومنظماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتشبيك networking مع المنظمات غير الحكومية العالمية الداعمة لقضايانا العربية على المستويات كافة.
5- العمل للمحافظة على الأصوات التي تدافع عن القضايا العربية وعدم خسارتها، بل القيام بعمل تراكمي يفيد من الموجود ويضيف إليه.
6- التشبيك مع الأكاديميين والإعلاميين في العالم الداعمين للقضايا العربية ودعمهم ومدّهم بالمعلومات والإمكانيات اللازمة.
mail@kanaanonline.org
الهوامش:
1- اعتبر فولك في تقريره أن استخدام (اسرائيل) للقوة في غزة لم يكن مبرراً ولا شرعياً ولا قانونياً، وذلك بالاستناد الى الظروف الموجودة والخيارات الدبلوماسية المتاحة، وعليه إن ما قامت به (اسرائيل) يعتبر "جريمة ضد السلام"، وإن الحصار المفروض على غزة يشكّل انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة، ويرجّح فولك حصول انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم محتملة أخرى ضد الإنسانية.
وركز فولك على "رفض "إسرائيل" السماح للفلسطينيين في غزة بمغادرة منطقة الصراع للهروب من المجازر، معتبراً أن " هذا هو المكان الوحيد في العالم الذي لا يُسمح فيه للاجئين بالرحيل، وعليه يجب التعامل مع هذا الأمر على أنها نوع جديد من الجرائم ضد الإنسانية ".
وأوضح أن المسالة القانونية التي على لجنة تحقيق مستقلة أن توضحها "هي ما إذا كان في الظروف التي يعرفها قطاع غزة، يمكن التفريق بوضوح بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية". ويرى ريتشارد فولك أنه "إذا كانت الإجابة لا، فإن القيام بهجوم يعتبر غير شرعي وقد يكون بمثابة جريمة حرب ذات أبعاد كبرى من منظور القانون الدولي ". وفي حال أثبت التحقيق أن بعض الأفراد قد يتحملون المسؤولية الجنائية، فيجب أن تكون الخطوة التالية هي تأسيس "محكمة جنائية خاصة لغزة المحتلة" تحت رعاية الأمم المتحدة.
2- انظر في هذا المجال الدراسات التالية:
- ليلى نقولا الرحباني، التقارير الدولية تدين "اسرائيل": هل دقت ساعة الحساب؟ مركز باحث، تموز 2009.
- ليلى نقولا الرحباني، محاكمة "اسرائيل" على جرائمها في غزة: هل هي ممكنة؟ ورقة عمل مقدمة لمؤتمر دعم غزة، طهران، آذار 2009.
- ليلى نقولا الرحباني، محرقة غزة والقانون الدولي الإنساني، مجلة محاور إستراتيجية، عدد آذار 2008.
3- تيودور هرتزل، الدولة اليهودية، ترجمة محمد يوسف عدس، دار الزهراء للنشر، القاهرة، 1994، ص. 65.
4- بن غوريون، رسائل بن غوريون، ترجمة دينا عبد الملك، دار القدس، بيروت، 1979، ص 176.
5- على سبيل المثال يمكن الاطلاع على المقال التبريري الذي نشره القاضي غولدستون في صحيفة جيروزالم بوست في 18 تشرين الاول/ أكتوبر 2009 تحت عنوان "مهمتي ودوافعي"، والذي كان أقرب الى التبرير والاعتذار من "الاسرائيليين" أكثر منه شرح للمهمة التي قام بها.
قال جولدستون في مقاله أنه "كيهودي داعم ل"إسرائيل" طوال حياته اعتبر أنه كان من واجبه الموافقة على إجراء التحقيق". وقد تضمن المقال عتباً ولوماً كبيرين من قبل غولدستون على الحكومة "الاسرائيلية" "لعدم تعاونها مع مهمته التي جاءت لتصحح ارث من الظلم "لاسرائيل" في مجلس حقوق الإنسان" على حد تعبيره.
6- انظر على سبيل المثال البيان الذي أصدرته منظمة "جي ستريت" اليهودية الأميركية في 21 أيلول 2009 والتي دعت فيه (اسرائيل) للقيام بتحقيقات مستقلة وجدية ونزيهة في الاتهامات التي أتت في تقرير غولدستون.
7- Euro news 25/02/2010.
8- انظر: وثائق مؤتمر هرتزيليا الثامن 2008: "اسرائيل" في خطر وجودي، باحث للدراسات، بيروت، 2009، ص. 148.
9- انظر في هذا المجال الرد الذي تقدمت به "اسرائيل" على تقرير غولدستون الى الأمم المتحدة في 25 كانون الثاني 2010.
10- تمّ هذا الإعلان في 10 آذار 2010.
11- رويترز 15 حزيران 2009.
12- تزامن إعلان الحكومة "الإسرائيلية" بناء 1600 وحدة "استيطانية" في القدس الشرقية مع زيارة نائب الرئيس جو بايدن في 8 آذار 2010، الامر الذي أغاظ الأميركيين، واعتبرته وزيرة الخارجية الأميركية انه "إشارة سلبية جداً" في العلاقات بين البلدين.
13- Norman Finkelstein، “This Time We Went Too Far: Truth and Consequences in the Gaza Invasion”، OR books، 2010.
14- CNN 14/12/2009.
15- Aawsat 31/01/2009
16- JCPA March /April 2009.
17- AFP 15/01/2010.
18- Ha"aretz 01/02/2009
19- Associated Press 17/09/2009
20- AFP 21/ 04/ 09 .
21- Assafir، 30 March 2009.
22- Jerusalem Post 24/01/2010
23- Ha"aretz 20/10/09.
24- The Weekly Standard 20/03/2009.
25- The Star 22/02/2009.
26- The Guardian 26/01/2009
27- The Independent 03/03/2009
28- The Guardian 07/09/2009
29- AFP 15/09/2009.
30- http://mondoweiss.net.
31- Interview with the director of “American Jews for just peace” on Jewish website: http://mondoweiss.net/، Oct.2009.