أسبوع السينما المغربية الذي أقيم الأسبوع الماضي بالقاهرة يبدو مهماً للغاية من أكثر من زاوية، كونه قدم منجزاً سينمائياً يبدو جيداً فيما يطرح من رؤى جمالية وفكرية، ومعالجات لها خصوصيتها، ومذاقها المختلف لمخرجين موهوبين حقا، مهمومين بواقع مجتمعهم، وماضيهم القريب والبعيد، وقراءته بمنظور فني عميق وجذاب ومتعدد الدلالة، مثلما تجلى في أفلام أُتيح لي أن أشاهدها مثل "في انتظار بازوليني" للمخرج داود أولاد السيد الذي يعالج قضية الرهان على الآخر الخارجي، واعتباره المخلص، فحين يغيب ينهار كل شيء، فخداع الذات والكذبة الصغيرة التي رددها الكومبارس المبهور بمخرج ايطالي كبرت وصدقها هو ومن حوله، إلى ان أفاق على صدمة كبيرة وهي وفاة المخرج وإلغاء تصوير الفيلم الذي افقده مكانته وافقد أهل قريته مصدر رزقهم.

و"فين ماشي يا موشي" للمخرج حسن بنجلون الذي يتعاطى مع واقعة تاريخية هي الخروج الكبير للجالية اليهودية من المغرب في الستينات، وكيف جرى خداعهم من قبل الحركة الصهيونية ليذهبوا (لاسرائيل) "ارض الميعاد" التي لم تكن إلا رحلة شقاء وخداع، وانسلاخا من موطن احتواهم في أجواء من السماحة والتقبل.

"عود الورد" للمخرج حسن زينون الذي رجع إلى أوائل القرن الماضي حيث الرق والانتهاك الجسدي والنفسي اللا إنساني للفقراء، والتلذذ باستعبادهم ، ونيل المبدعين منهم على وجه خاص، القسط الأكبر من الألم، للدرجة التي كانت فيه مصحة نفسية تحوى عشرات من الشعراء والرسامين والعازفين والمغنيين، مع إسقاطات على اللحظة الراهنة، وكيف أن التحرر الروحي يسبق تحرر الجسد، وأن الفن يمكن ان يكون طريقا للخلاص .

والأهم في هذه الفعالية الثقافية بامتياز أنها أتاحت الفرصة لتلاقي "عرب المشرق" بـ"عرب المغرب" ، ليس فقط عبر الوسيط السينمائي، وإنما من خلال الحضور المباشر أيضا، وما صاحبه من اكتشاف ومكاشفة، وإعادة طرح لأزمة التواصل بين الجانبين، تلك الأزمة التي لا نتوقف أمامها طويلا، ونتعاطى معها باستهانة، ودون تقدير لخطورتها.

فثمة حقيقة ينبغي أن نعترف بها، يمكن أن نطلق عليه قطيعة أو اغترابا بين جناحي العالم العربي، ومسافة ثقافية وسيكولوجية كبيرة، وليست مكانية فحسب بين الشعوب هنا وهناك، رغم انتمائهم لذات الثقافة وذات اللغة وذات الدين، وذات السياق المجتمعي، ودرجة التطور الحضاري تقريبا، ما يولد صورا نمطية لدى كل طرف عن الآخر، غالبا غير صحيحة أو مفعمة بالمبالغات، تتكرس يوما بعد يوم، وتقود إلى مناخ من الاحتقان والنفور، وربما الكراهية، وهو ما تجلى على نحو مفزع في "أزمة مباراة مصر والجزائر" قبل أشهر، من أجواء عدائية واستقطابات وانحيازات تلقائية من جانب شعوب المشرق لمصر، فيما ذهبت شعوب المغرب العربي إلى جبهة الجزائر.

ولا أدرى من المسئول تحديدا عن اتساع الهوة بين أبناء شعب عربي واحد لهذه الدرجة،و حالة الانقسام شعبياً التي ازدادت حدتها خلال السنوات الأخيرة.
فكلما التقيت أو تحدثت مع أشقاء مغاربة،ألمس غصة في حلوقهم باتجاه "عرب المشرق"،وفي مقدمتهم المصريون،اذ يعتبرون أنهم يتعاملون معهم باستعلاء،وبمنطق الغزاة الذين يريدون فرض ثقافتهم ولغتهم،ولا يبذلون جهدا للتعرف على الآخر،والتعاطي معه بندية،ومحاولة فهمه،سواء على مستوى لهجته المحلية أو نمط تفكيره وخصوصيته الثقافية،بينما ينظر المشارقة،ومنهم المصريون إلى المغاربة،باعتبارهم أقل تحضرا وعروبة و "متفرنسين"،وينطقون بلهجة غريبة صعبة الاستيعاب والتلقي كأنهم من كوكب آخر.

وربما قيمة هذا الأسبوع السينمائي واللقاء المفتوح الذي جرى في مستهله بين بعض الممثلين والمخرجين المغاربة،وجمهور من الجانبين المصري والمغربي،تتجلى في أنه فتح هذا الملف المسكوت عنه الذي لا نقترب منه إلا في الأزمات،وحين نكون في وضع اضطراري مشحون بالعصبية والتوتر،يبدو أثناءه من الصعب قبول صوت العقل،ودعوات التقارب والفهم المشترك.

ولعل هذه المناسبة تقدم فرصة لإعادة تسليط الضوء على هذه القضية المهملة،وآخذها على محمل الجد ،وعدم إسقاطها من حساباتنا،فثمة حاجة ماسة لأن نجدد التعرف على بعضنا البعض بشكل أعمق وأكثر تفهما واستيعابا،سواء كنا مشارقة أو مغاربة ،مصريون أو سوريون أو عراقيون .. مغربيون أو جزائريون أو تونسيون أو حتى موريتانيون،شماليون أو جنوبيون..بيض البشرة أو أسمرها نتبنى موروثا فرعونيا أم أمازيغيا،أشوريا أم فينيقيا أم غيره،سواء بالتوازي مع الثقافة العربية أو في إطارها الأشمل.

وإن كان كل طرف منا يسعى للتواصل مع الآخر الغربي ،فأولى أن نتبنى مبادرات باتجاه الجار القريب الذي هو بالأحرى الشقيق،وعلينا بالفعل أن نسعى لترميم الجسور المنهارة،وإزالة ميراث سوء الفهم وخلق لغة حوار حضارية تقربنا من بعضنا البعض،وتضيف إلى الجميع من خلال الإسهامات المتعددة ثقافيا، على أرضية التنوع في إطار الوحدة.

وإن كنت قد تساءلت من قبل عن المسئول عن هذه القطيعة بين جناحي الأمة العربية،فلست مهتما كثيرا بتوجيه الاتهام لأحد أو الحصول على إجابة،من قبيل رد الأمر إلى الخلافات السياسية والصراعات بين الحكام هنا وهناك،ومصالحهم المتنافرة أو الوسائل الإعلامية التي تفعل فعلها عن قصد أو جهل في التباعد لا التقارب بين الشعوب العربية أو حتى في الميراث الاستعماري الذي لا زال له حضوره في المشهد العربي،فالأهم الآن ليس النبش في الماضي ،أو إلقاء كل طرف اللوم على الآخر،والدوران في حلقة مفرغة من الجدل والصراع غير المجدي،وإنما المبادرة التي يجب أن يتبناها المثقفون والنشطاء والشباب منهم بشكل عام،في المشرق والمغرب،عبر الوسائط الحديثة كشبكات التواصل الاجتماعي،أو على الأرض بتنظيم لقاءات وأنشطة ثقافية وفكرية مشتركة،وعروض سينمائية منتظمة في كل بلد يحضرها أبناء الشعب العربي مشارقة ومغاربة،بعيدا عن الأدوار الرسمية العقيمة غالبا والمعطلة كثيرا،واعتمادا على المبادرات الشعبية،وديبلوماسيتها الثقافية الأكثر ديناميكية وحماسا وأثرا.

وإن كانت اللهجة المغاربية صعبة في التلقي في البداية،فلا يجب أن ينزعج أصحابها من هذه الشكوى ،وعليهم أن يلتمسوا العذر لإخوانهم،فمع الوقت ستزول الغربة عنها حال الاحتكاك المباشر والكثيف،ولا ضير من وضع ترجمة بلغة عربية فصحى،أو بلغة أجنبية كحل مرحلي،حتى تحدث الألفة مع اللغة وأصحابها،وعلى الآخرين أن يبذلوا قدرا من الجهد للتفاعل حتى يتصل ما انقطع بين ذوي القربى.

كاتب صحفي مصري: mabdelreheem@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك