دخل حيز تنفيذ الأمر العسكري لجيش الاحتلال القاضي بترحيل عشرات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم في الضفة الغربية المحتلة، إلى قطاع غزّة وتقديمهم للمحاكمة بتهمة التسلل إلى الضفة الغربية المحتلة.
وإذا أدين أي منهم - وهذا أمر حتمي من وجهة النظر الصهيونية- فقد تفرض عليه عقوبة السجن الفعلي لمدة سبع سنوات، كما ويسمح لقائد الجيش الصهيوني باحتجاز "المتسلل" وطرده وتغريمه 7.500 "شيكل"، وينطبق هذا القرار على الأجانب المتزوجين من فلسطينيات، حسب المصادر الإعلامية "الإسرائيلية".

على هذا فإن الفلسطيني صاحب الأرض أصبح غريباً في وطنه، ويشكل عالة على مناطق محمية رام الله، ولا شك في أن هذا الإجراء يهدف إلى التخلص من أكبر عدد ممكن من السكان الأصليين، وتسفيرهم إلى الإقليم "المتمرد"، أو طردهم إلى خارج فلسطين الجغرافية بالكامل، وصولاً لتخفيف الحمل على (دولة) المال والأعمال في الضفة الغربية المحتلة. إلا أن مرحلة التصفيات الأخيرة، لم تبدأ فقط من جانب الاحتلال، بل بدأت فعلياً بإجراء تعديلات وتغييرات في توزيع المناصب والأدوار في محمية رام الله المحتلة. ووفقاً لبرنامج "المراحل" ثمة شخصيات مرشحة للخروج نهائياً من الوظيفة، بينما يُستقدم آخرون، على مسيرة الاستسلام الكامل مقابل تمكين الاحتلال من الضفة والقدس، بترتيبات وخطط ليست جديدة بأي حال، إنما معدلة ومتطورة، يقبل أصحابها بالحد الأدنى، سواء أكانت الأجور أو المطالب.

إن تدرج الأمور نحو تشكيل سلطة المال والأعمال، بعد تدريب أجهزة الإذلال والشبح، وبعد فضائح فساد طالت الحسيني والطيراوي والأحمد، وقبلهم فتوح والقائمة تطول، يبدو المشهد كحجارة الدومينو تضرب بعضها بعضاً، وهي مؤشرات واضحة، لمرحلة التصفيات، قبل انتهاء الأربعة أشهر الممنوحة أمريكياً، الوسيط غير المحايد وغير النزيه، لما يُسمى المفاوضات غير المباشرة - بل مباشرة- مع الشريك الأمريكي الإستراتيجي للاحتلال الصهيوني.

أضف إلى القائمة عباس زكي، كونه مارس "المقاومة" البديلة، آخر صيحة، ومع ذلك قوبل بالاعتقال و"البهدلة" دون فزعة، وانتهى الأمر وكأنه عابر في شريط متحرك. فضلاً عن استيلاء عبد ربه على إعلام السلطة المحلية، و"تنقية" هيئة الإذاعة والتلفزيون من فتح أوسلو، ليتناسب الإعلام طرداً مع تغيرات تحصيل الحاصل، فقد غاب صوت المسؤول الإعلامي دحلان واللاعب الآخر بوسائل الإيضاح على شاشات التلفاز.

لقد استقر مبدئياً وضع الأمر الواقع، على من تنازلوا عن حق العودة والقدس الشرقية، والاختلافات الهامشية حول (الصحن المقدس)، إلى حين تضرب "إسرائيل" كل التفاهمات بعرض الحائط، وتمنح الفلسطينيين حق زيارة المسجد الأقصى بتصاريح محددة ومقيدة بسن وتوقيت جهة الزائر- الضيف. مع ملاحظة إصرارهم جميعاً على العض بالنواجذ على الثوابت الوطنية، فما هي تلك الثوابت وما الذي بقي منها أساساً؟!

هكذا يصبح الفلسطيني غريباً في وطنه، وهكذا تأمن "إسرائيل" (إرهاب) شعب فائض عن حاجة فياض رجل الاقتصاد المتلعثم وأمثاله. لكن ماذا بعد خصخصة مؤسسات المال والأعمال، والتصفيات غير المأسوف عليها، والقادمين الأسوأ على تدمير القضية الفلسطينية برمتها؟

ستشهد الضفة الغربية بعد انتهاء المهلة الإضافية لعباس، كي يساهم في التصفية الأخيرة للقضية الفلسطينية، مرحلة صراع على السلطة، فالفائزون لن يرضوا باقتسام (عرش المهلهل) والخائبون سينتفضون لكرامة فتح أوسلو الميتة، وسينقسم المنقسمون حسب تصنيفات (ديمقراطية) انتخابية، فأين مكان حماس بين هذا الركام على السخام، وما مآل شعار "الوحدة الوطنية" بعد الاستغناء عن عباس وهو يبني لمن بعده مجد التهاوي إلى القاع؟

أجزم أن مسرحية الانتخابات القادمة، لن يحصدوا منها إلا ما بذره الاحتلال من تزوير وشراء الأصوات والذمم، للدخول في نفق أكثر ظلاماً وأشد قسوة على الفلسطينيين في الضفة والقدس المحتلة تحديداً... فأين موقع الشعب بين مطرقة النتائج ورحى التهويد لمناطق قيل إنها فلسطينية؟!

إن الأشهر القادمة تشي بوقوع أحداث تقلب الكثير من الصفحات، إما لتسريع تمكين "إسرائيل" على كامل تراب فلسطين من البحر إلى النهر، وإما لشرنقة وتحجيم الاحتلال داخل الأرض المحتلة عام 1948، وشلّ مخطط هدم الأقصى المبارك، وهو التحدي الكبير، كخطوة أولى على طريق التحرير الكامل.

barghouti_sa@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك