"ذكراك دير ياسين تلهب جوارحي.. لبيك ولبى نداك جوارحي، دير ياسين صبرا إذا ما عدناك يوما غدا ستعودين على أيادي الأحفاد"، هذه أبيات من القصيدة التي كتبها الحاج محمد محمود أسعد رضوان "أبو محمود" الياسيني (82 سنة) أحد سكان قرية دير ياسين وشاهد عيان على مجزرة دير ياسين التي نفذتها العصابات الصهيونية في مثل هذا اليوم، 9/ 4/1948م.

في الذكرى الثانية والستين لمجزرة دير ياسين، التقينا أبا محمود أكبر سكان قرية دير ياسين الذي أخذ يروي لنا عن قرية دير ياسين وأهلها والحياة اليومية فيها قبل عام 1948 وأثناء المجزرة، مستعينا بالكتب والخرائط والوثائق وأسماء عائلات القرية وأبرز معالمها وشهداء المجزرة، فرغم كبر سنه إلا أن ذاكرته ما زالت متقدة.

سقوط القسطل:

بدأ أبو محمود حديثه عن المجزرة وفي عينيه آثار حزن وأسى قائلا: "لقد بدأت المجزرة ليلة استشهاد المناضل القائد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل، وقبل سقوط القسطل بأيدي اليهود اشتدت المعارك لمدة أسبوع، ثم سقطت يوم الخميس 8/4/1948 في الساعة الرابعة والنصف عصرا، عندما استشهد القائد عبد القادر الحسيني".

وأضاف: "بعد احتلال القسطل زحفت المقاومة نحو عين كارم، ويومها في منتصف الليل أقام اليهود المهرجانات الاحتفالية تفاخرا بقتلهم عبد القادر الحسيني، وبعد نحو ساعتين ونصف الساعة بدأت العصابات دخول قرية دير ياسين، حيث شنّت هجوما مفاجئا على القرية ليلة الجمعة في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، حينها طوقت القرية وأضاءت الأنوار الكاشفة لتساعدهم على التسلل إلى القرية، حينها لم يتجاوز عدد المقاتلين في القرية 80 مسلحا، وكنت يومها مقاتلا مع المناضلين وكان عمري 21 سنة، واشتبكنا معهم دفاعا عن القرية وأهلها، واستمر الاشتباك مع القوات الصهيونية من الثانية والنصف حتى الرابعة والنصف بعد العصر، وانتهت بعد نفاد الذخيرة معنا وحينها نزحنا إلى قرية عين كارم".

وتابع: "بعدها توجهنا إلى قرية سلوان وسكنا فيها لمدة شهر، وهناك قام الصليب الأحمر بتوفير الطعام لنا، ثم رحلنا إلى أريحا وهناك كانت وكالة الغوث توفر لنا المواد التموينية، وعشنا هناك أربع سنوات حتى عام 1954، ثم رجعت إلى مدينة القدس وسكنت في حارة السعدية في البلدة القديمة، ثم قطنت في عقبة شداد في باب حطة وما زلت فيها حتى اليوم".

وأشار إلى أن السكان هربوا منها دون أخذ أية أوراق طابو أو وثائق تحفظ لهم حقهم.

لو ساعدونا لما احتلّت القرية:

وتطرق أبو محمود إلى جرائم الحرب التي ارتكبت بحق سكان القرية خلال هجوم العصابات، قائلا: "لقد اقتادوا 14 شابا ورجلا من سكان القرية إلى الكسارة الموجودة بجانب "مستوطنة جفعات شاؤول" اليوم، وقاموا بإطلاق النيران عليهم وتصفيتهم، ولم يجر أي تعرض من قبلهم إلى أعراض نساء القرية أبدا وفق ما رواه آخرون".

وقد قام أفراد العصابات بقتل المواطنتين زينب موسى زهران وزوجة أخيها زينب المالحية، اللتين كانتا حامِليْن بالشهر السابع، والإجهاز عليهما بعد ذلك بالسكين.

يقول الحاج رضوان: "قبل قتل المواطنتين كانتا تعيشان في منزل واحد، وعندما دخل اليهود ووصلوا إلى حوش المنزل، وجدوا هناك مقاومة كبيرة فيه، حيث قتل حينها 25 يهوديا أمام المنزل، فقام اليهود بإطلاق القنابل نحو المنزل واستشهد جميع أفراد العائلة، وبعد قتل سكان القرية كانوا يجهزون عليهم بالسكاكين"، وانتقد تخاذل سكان القرى المجاورة عن نجدة قرية دير ياسين، مشيرا أنه لم يقم أي عربي بمساعدتهم خلال المعركة، وقال: "لو ساعدونا لما احتُلَّت دير ياسين".

الشهداء:

وينفي الحاج رضوان ما تناقلته الإشاعات حول استشهاد ما بين 300 إلى 400 شهيد خلال المجزرة، وأكد أن عدد الشهداء هو 93 شهيدا، موضحا ذلك من خلال تسجيل أسماء حمائل القرية وعدد الشهداء، مشيرا أنه استشهد خلال المجزرة 38 شابا ورجلا وامرأة من عائلة عقل، وتسعة من عائلة جابر، وخمسة من حمولة حميدة، وستة من حمولة عيد، و 28 رجل وامرأة من حمولة شحادة، وأربعة من حمولة مصلح، وثلاثة أغراب؛ وهم: المعلمة حياة بلبيسي، والفران عبد الرؤوف شريف وولده حسين عبد الرؤوف شريف.

وأوضح رضوان أن القوات التي ارتكبت المجزرة هي من "إيتسل" و"الهجاناه"، بما في ذلك قائد الهجوم "بن زيو كوهين" ممثل "الايتسل والأرغون" ومساعده "إيهود لبيدوت"، و"يهوشع غولدشميت"، ضابط من "جفعات شاؤول".

أغنى قرى القدس:

وقال أبو محمود: "تقع قرية دير ياسين في الجانب الغربي من مدينة القدس، وتبعد عنها أربعة كيلومترات، في حين تبلغ مساحة أراضيها 2800 دونم، ويوجد فيها 144 مبنى، وعدد سكانها 750 نسمة ، وكان أمامها أربع "مستوطنات"؛ هي: "جفعات شاؤول" و"منتفيوري" و"بيت هكيرم" و"بيت فكان"، ولم يكن في القرية ماء ولا كهرباء واعتمد سكانها على مياه الآبار، حيث كان يوجد لدى كل عائلة بئران يكفيانها لعامين، وقبل نحو 15 عاما قامت السلطات "الإسرائيلية" بهدم ثلاثة أرباع مقبرة القرية لصالح شق شارع".

وأضاف: "قبل عام 1948 كانت قرية دير ياسين أغنى قرية في القدس وقضائها، بسبب وارداتها من الكسارات وحافلات المحاجر، وكان فيها أراض مزروعة بجميع أنواع الخضار والفواكه تكفي حاجة السكان، وكان هناك ديوان لكل "عائلة"، يستخدم مضافة لاستقبال الضيوف وتبادل الزيارات بين العائلات، فقد كنا متماسكين ومترابطين كالعائلة الواحدة، وكانت حياتنا سعيدة".

أما عن ذكرياته في القرية قال: "فقدت شيئا عزيزا عليّ، وهي شاحنة حمراء غالية على قلبي، وكانت لدينا قبل المجزرة نحو عشر شاحنات لنقل الأسمنت والحجارة في الكسارة، وكنت حينها أقود الشاحنة".

(صوت الحق، 14/4/2010)

المركز الفلسطيني للإعلام: mail@palestine-info.info



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك