«سيرة لاجئ»..


«كمشة تراب من فلسطين، أحسن من كمشة ذهب».. من هذه الجملة التي أطلقتها «أم راشد»، المرأة الفلسطينية اللاجئة من قريتها «عين الزيتون»، إلى «مخيم عين الحلوة»، تنطلق السلسلة الوثائقية «سيرة لاجئ»، التي أخرجها: برلا عيسى، أصيل منصور، آدم شابيرو. والمكونة من ستة أفلام، حملت عناوين متحارجة: (يوميات النكبة، نكبة اليوميات، وطن بلا هوية، هوية بلا وطن، حكي العودة، عودة الحكي)، وتفيض بزمنها عن 9 ساعات، منتقاة مما تم تصويره مع الفلسطينيين، في شتى أصقاع الدنيا: (فلسطين، لبنان، الأردن، سوريا، اليمن، مصر، الإمارات العربية المتحدة، كندا، الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، سويسرا، ألمانيا، السويد، فرنسا، إسبانيا، النرويج، اليونان..).
في الفيلم الأول منها: «يوميات النكبة»، وهو فيلم تسجيلي طويل (مدته 79 دقيقة)، من إنتاج العام 2008، نجد محاولة جادة لإعادة كتابة الروائية الفلسطينية للنكبة، من خلال الذاكرات الشفوية لعدد مختار من فلسطينيين شهدوا النكبة بأعينهم، وعايشوها، مع إشارة الفيلم إلى أن قرابة 5 % من الفلسطينيين الأحياء اليوم، خاضوا هذه التجربة وعاينوها. وبالتالي فإن غالبية الفلسطينيين لم يقفوا على هذه التجربة إلا من خلال حكايا الآباء والأجداد، والقليل من المصادر، فضلاً عن اختلاط الروايات الرسمية التاريخية، بالخيال والغرض السياسي..!
مع مرور الذكرى الخمسين (عام 1998)، ومن ثم الذكرى الستين (عام 2008)، برز تيار سينمائي فلسطيني واضح المعالم، مختلف الاتجاهات، أراد توطيد مفهوم الذاكرة الشفهية، واعتمادها سبيلاً للتأريخ الفلسطيني. في البداية، ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية، أراد من طارد الذاكرة الشفهية، وبحث عنها، وسجَّلها، أن يقدمها باعتبارها التسجيل والتوثيق للعادات والتقاليد والطقوس الشعبية، ومختلف الفعاليات من غناء وأهازيج وأناشيد، وأشكال الفرح والحزن، وطقوس الموت والزواج والولادة، وما يرتبط بها من معتقدات.. بحيث بدت بمثابة الذاكرة الفولكلورية للشعب الفلسطيني، وكان أن استخدمت كافة الرموز والشخصيات المستمدة من تلك الذاكرة، في مسعى للتأكيد على الحقّ الفلسطيني في النضال والكفاح.. وتحوَّلت تلك المفردات إلى معطيات تحريضية تثويرية، تخدم سياق الثورة المسلحة، وأهدافها، تعبيراتها، وشعاراتها، أكثر من كونها مفردات تعزيز وجود الذات الفلسطينية، خاصة وأن الفلسطيني، منذ منتصف ستينيات القرن العشرين، توافق مع ذاته على أن تأكيد حضوره لن يتحقق إلا بالثورة وبالكفاح المسلح..
ومع الذكرى الخمسين، ومن ثم الستين للنكبة، ومع تراجع الثورة المسلحة وانحسارها، أراد الكثير من العاملين في مجال الذاكرة الشفهية أن تكون الغاية منها تأصيل الوجود الفلسطيني في المكان الفلسطيني، رغم طرده منه، كما أرادوا منها توطيد عزم الفلسطيني في محاولته وسعيه لاستعادة الزمن الذي مضى.. إنها تريد رسم حضور الفلسطيني في فلسطينه (مكانه)، كما تختزن الكثير من الأحلام والطموحات، في استعادة ذاك الزمن الذي مضى، والمكان الذي نأى، وهي على هذا تحتقن بالحزن والأسى مما وقع من أحداث، فتشاء فضحها وتبيان سيرورتها وصيرورتها، في سياق يخدم الرواية الفلسطينية للنكبة، بما مهَّد لها، وقاد إليها، وبما تلاها ونتج عنها ولحقها من فجائع ومصائر..
الذاكرة الشفهية الفلسطينية، تعاملت مع الزمن في ثنائية واضحة تنوس ما بين صورة الزمن الماضي، حيث مكمن الذاكرة، مولّداتها، ومحفِّزاتها. إنه الزمن الذي مضى محمَّلاً بصورة واحدة هي (صورة أيام البلاد) التي يترحَّم الفلسطينيون عليها (سقى الله أيام البلاد) وفيه أودع الفلسطينيون كل ما هو جميل ونبيل.. وصورة الزمن المستقبلي الذي لا يريدون رؤيته إلا على غرار الماضي الجميل ذاك، وبرغبة عودة حازمة إليه، وعلى قطيعة تامة مع كل الراهن الملوّث بالاحتلال أو المنفى، الهزيمة والشتات والانكسار والخيبة والفضيحة..
وفي علاقة الذاكرة الشفهية الفلسطينية بالمكان نرى أنها تسعى إلى إعادة رسم المكان الفلسطيني في اتجاهين: أولهما المكان المُفتقد، الذي كان، وهو غالباً ما يكون، مرتبطاً في ذاكرة الفلسطيني ومخيلته وحكايته، بالزمن السعيد (وفق مقولة: الله يرحم أيام البلاد).. وثانيهما المكان المُشتهى الذي لا بد من استعادته، مهما طال الزمان، وهو يبدو في إطار الذاكرة الشفهية الفلسطينية، كأنما هو في حالة فراغ من الزمن، بانتظار عودة أبنائه المطرودين منه إليه.. إنها فلسطين الباقية الأبدية التي يمكن لها أن تستعاد بعد شوط من النضالات، فيعود كل إلى مكان الأجداد، ليس إلى قبورهم فقط، أو إلى مسقط رؤوس الآباء، بل إلى المكان الذي شكّل وجدان الناس الذين طردوا منه، فارتقى إلى مرتبة لا يدانيها مكان.. المكان المشتهى في طراز هذا الفهم يسمو فوق دوره ومحلّه كمكان، ليتحول إلى ما هو أقرب إلى المفهوم والمصطلح..
لقد ارتبط تحقق كمال الهوية الوطنية الفلسطينية بصورة المكان الذي سيرجع إليه الفلسطيني، بعد إنجاز مهمات نضاله الوطني، وذلك لأن المكان الفلسطيني غدا هوية وجود الفلسطيني بحد ذاته، فضلاً عن هويته الوطنية.. وهو ما يكشف عن خيبة كافة الطروحات الفلسطينية التي تحاول مقايضة حلّ سياسي بحق تاريخي، إذ ثمة تناقض بين الحل السياسي ذاك، والمعطى الوجداني هذا..
وفي علم نفس المجتمعات، نجد أنه تنطوي فكرة تصوير مكان ما، باعتباره المكوّن الأساس للهوية الوطنية، أو أحد مكوناتها، خاصة إذا ما كان تصوير ذاك المكان من خارجه، وبالابتعاد القسري عنه، على مشروع مفاده نقل صورة ذاك المكان المتخيلة إلى منطقة وجوده الحقيقية، وغرسها فيه، أو فرضها عليه، وذلك على الرغم من أن الحياة اليومية المعاشة في مكان ما، تختلف إلى حدٍّ كبير عن تلك الحياة التي يجري تصويرها، عند إنشائه (أي المكان) في إطار إنشاء خطاب عن الهوية الوطنية، إذ يتم تنقية تلك الحياة من كل شائبة أو خلل.
ويعتقد بعض الدارسين أنه عندما يُطلق الإنسان على شيء ما، تسمية هوية، فإنه يمارس في الوقت نفسه عبادة ذاك الشيء (ما يشبه الفيتشية)، فيرفع الأشياء إلى مستوى القداسة، ويتخذ من المكان، ومن مفرداته، موقف التقديس (حتى لا نقول العبادة). ونلاحظ أنه في عمله لبناء هوية ما، يأخذ الإنسان الفلسطيني بعض الأشكال والرموز والدلالات والمفردات والمعطيات.. ويتعامل معها كوسائط للتعبير عن الذات والوجود، وهكذا أصبح الفلسطيني يعرض مفتاح البيت والمنجل والمنخل والغربال وعصا المحراث وسكته ودلة القهوة والمهباج واللباس والطعام.. ليقول: «هذا أنا»، من جهة، كما أصبحت البندقية (الكلاشن) والرصاصة والعلم (الوطني الفلسطيني، أو الحزبي التنظيمي الفصائلي) والملصق والكوفية والحجر وصورة قبة الصخرة والمسجد الأقصى، تمارس الدور ذاته، من جهة أخرى..
المثير في موضوع الذاكرة الشفهية الفلسطينية، بالصورة التي حددنا ملامحها، أنها نتجت أصلاً بسبب العدو، إذ باحتلاله للبلاد (فلسطين) قام بعملية قطع قاهرة للزمن الفلسطيني، ففتَّته ودمَّره، من ناحية، كما دمَّر العلاقة بين الفلسطيني ومكانه الفلسطيني، ولا زال يحاول قطع الصلة بينهما، من ناحية أخرى.. ولولا حضور المحتل حائلاً بين الفلسطيني وسيولة زمانه وامتداد مكانه، لما كان للذاكرة الشفهية هذا الحضور الذي ارتقى في حالات متعددة إلى مستوى تحوُّلها إلى جزء من الذاكرة والهوية والبناء الوطني، فمن خلال تلك الذاكرة يُنظر إلى الذات والهوية الوطنية باعتبارها الشيء الذي دُمِّر بفعل العدو المحتل، وهو (أي الذات والهوية) الذي مهما طال الزمان، سيُستعاد كما كان، وسيزدهر فقط عندما يختفي ذلك المحتل، ليبدأ زمن الوطن.
وعلى الرغم من أن الذاكرة الشفهية الفلسطينية، لم تكفّ عن كونها إحدى ميادين نزعات الحنين (النوستاليجية) التي تأتي مترعة بالبكائيات والندب واللوعة والحسرة.. إلا أن العدو (ذاته) أيضاً، كان أحد أسباب ازدياد الالتفات والاهتمام بالذاكرة الشفهية الفلسطينية، خاصة تلك التي بقي مسكوت عنها قرابة نصف قرن من الزمان. فنذكر هنا أن الالتفات الفلسطيني لتسجيل الذاكرة الشفهية الفلسطينية، فيما يتعلَّق بمجازر من طراز: الطنطورة وعرب الدوايمة وعرب المواسي، على الأقل، إنما جاء إثر قيام بعض المؤرخين الصهاينة (الجدد) بالكشف من خلال الوثائق والدراسات والأبحاث عنها.. فبعد أن كشف الباحث "الإسرائيلي" «تيدي كيتس» عمَّا حدث في مجزرة الطنطورة، انهالت الكتابات الفلسطينية، وانهمك البعض من الفلسطينيين، بتسجيل ذاكرة الشهود العيان الذين نجوا من المجزرة، أو شاهدوها، أو عرفوا جوانب منها، وهم من عاشوا بيننا خمسين، أو ستين عاماً، لم يأبه بهم أحد.. أو لم يلتف أحد لنداءاتهم التي أطلقوها طيلة أكثر من نصف قرن..
ويمكننا هنا أن نتساءل عن عدد المجازر والأحداث والوقائع التي لم تكشف الذاكرة الشفهية الفلسطينية عنها، بعد، كما يمكننا أن نتساءل عن حقيقة الرواية الحقيقية لأحداث ووقائع النكبة، ومن ثم النكسة، وما تلاهما من أحداث ووقائع، حتى لو كانت تتناقض، أو تتفارق، ببعض تفاصيلها وسياقاتها، مع الرواية الرسمية التي تعارف العرب (ومن ضمنهم الفلسطينيون) من خلال وسائل إعلامهم، وأدواتهم التعبيرية المختلفة عليها.. سواء في كتب أرَّخت، أو أفلام سجَّلت، أو قصص وروايات وأشعار كُتبت.. فتبين لنا فيما بعد أن ثمة الكثير مما لم يقل بعد، والكثير من الحقائق التي توارت، والفجائع التي سُكت عنها، رغم أن من شاهدها، أو اكتوى بها، أو نجا منها، يعيش بيننا..
ألم نجد أن الحديث عن آلاف الأسرى المصريين الذين قُتلوا عمداً، رمياً بالرصاص، أو سحقاً تحت جنازير الدبابات، أو أولئك الذين دُفنوا في رمال صحراء سيناء، أحياءً، لم ينبس أحد عنهم ببنت شفة، إلا بعد اعترافات الجنرالات الصهاينة الذين قاموا بذلك، أو كانوا شهوداً على الأقل؟ أين شهادات من نجا من أولئك الجنود، أو الضباط المصريين؟ هل كانت أسراراً عليا للدولة المصرية؟ هل سكتوا أم أُسكتوا؟
لقد صمت "الإسرائيليون" (من جهتهم) سنوات، ريثما يتخلَّصون من عقدة الخوف، في بحر العداء العربي، الذي كان يهدِّد بكل الخيبة، برميهم في البحر (وجوَّع يا سمك).. ولكنهم تحدثوا من ثمَّ من أجل التخلُّص من السؤال الذي تحوّل إلى ما يشبه مأزقاً أخلاقياً كان قد أعلن عنه يزهار سيملانسكي، منذ لحظات مبكرة في العام 1949، عندما أطلق في قصته «خربة خزعة» على لسان أحد العسكريين الصهاينة سؤالاً لائباً: «من سيصدِّق بأنه كان ثمة خربة اسمها خزعة هنا؟ قرية طردنا أهلها وورثناها.. حضرنا، قتلنا، أحرقنا، نسفنا، ودفعناهم بعيداً، شردناهم إلى دياسبوراتهم.. ماذا بحق الشيطان نفعل هنا؟».
ولكن لماذا صمت العرب عن حقيقة ما جرى، وركنوا بكل الخيبة (أيضاً) إلى الرواية العربية الرسمية التي تم اعتمادها، والتعارف عليها، وجرى تسويقها رغم كل الفجوات التي عابتها، سواء بمبالغاتها الغبية، أو تنكُّراتها المجحفة، التي لا تليق بدم من أُزهقت أرواحهم، بكل برود أعصاب..؟
في الذاكرة الشفهية الفلسطينية، بحضورها أو غيابها، وفي توقها، على السواء، يبدو أن العدو المحتل بمثابة جزء أساس فيها، ومؤسِّس لها، بل ربما هو شرط مسبق لتكوِّنها.. فخلال ما ظهر من الذاكرة الشفهية الفلسطينية، وجدنا أن المحتل بحضوره البغيض والمكروه، في المكان والزمان الفلسطينيين، هو ذاته ما يقدر على أن يجمع عناصر مشتتة في ذات الفرد أو الجماعة الفلسطينية، ويدفعها إلى تشكيل وحدة سياسية، يتمثَّل القاسم المشترك بين عناصرها، في ضرورة الدفاع عن نفسها أمام حالة العدو المحتل، الطارد لهم من مكانهم وزمانهم.. العدو الذي دمَّر بناهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وطوحهم في المنافي حيث خيام اللجوء والتشرد والذلّ..
الفلسطينيون في المخيم، بداية، ومن ثمَّ في أُطر الثورة، تالياً، وعلى تعدُّد فصائلها وتنظيماتها وأحزابها ومؤسساتها، وتناقضاتها، ومن ثم في شتى أنواع الشتات والمهاجر، قاموا بمحاولة صياغة هوية فلسطينية جماعية، هوية منقَّاة، هوية تدخل فيها التعبيرات الأسطورية والميثولوجية والطقوسية، للبقاء بحالة اتحاد، بانتظار العودة إلى الوطن الفلسطيني.. إذ طالما جرى تصوُّر العودة إلى فلسطين، باعتبارها تلك اللحظة التاريخية التي تستطيع حلَّ الإشكاليات كافة التي نجمت طيلة أكثر من نصف قرن من الطرد والتهجير، وتتجاوز كافة الإشكاليات التي ولَّدها المنفى، وتدمج كافة الهويات الناشئة والمتفرعة، في هوية وطنية فلسطينية واحدة.. وهو سؤال يتجاوز فيلم «يوميات النكبة» الذي يستحق التقدير، دون أدنى شك.



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك