"لا للمدارس التركية في ألمانيا" قالتها السيدة انجيلا ميركل رداً على طلب السيد أردوغان افتتاح مدارس تركية للجالية التركية في ألمانيا. وحجة السيدة ميركل أن وجود هذه المدارس يعيق اندماج (اقرأ تذويب) الجالية التركية في ألمانيا مع العلم أن ألمانيا تملك مدارس ألمانية في تركيا. وللتوضيح فإن المدارس الألمانية في تركيا تستقطب المواطنين الأتراك في حين أن المدارس التركية المقترحة في ألمانيا هي فقط للمهاجرين الأتراك، ولن تستقطب ألماناً. وزاد السيد فولفغانغ بوسباخ، خبير الشئون الداخلية بالحزب المسيحي الديمقراطي، على تصريحات ميركل بالقول إن وجود هذه المدارس يخلق مجتمعات موازية في ألمانيا. ومن يعش في ألمانيا عليه أن يتعلم بالألمانية.

من يعش في ألمانيا عليه أن يتعلم بالألمانية. لكن ما حال من يعيش في البلاد العربية؟

منذ ما قبل منتصف القرن التاسع عشر بقليل بدأت مدارس الإرساليات الغربية والتبشيرية تنتشر في المشرق العربي بالتضاد والتنافس مع النظام التعليمي التقليدي المتمثل بالكتاب والجامعات الدينية العريقة مثل الأزهر والزيتونة والنجف. وخلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين افتُتحت الآلاف المؤلفة من المدارس الفرنسية والايطالية والانكليزية والأمريكية وكل منها تعلم بلغتها وتنشر ثقافتها وبكافة مستويات التعليم من الحضانة إلى الجامعي وما بينهما، وقد تخرج من هذه المدارس أجيال من المتعلمين في مختلف الاختصاصات الطبية والهندسية واللغوية والفلسفية وكلهم تعلموا بغير لغتهم الأم وتثقفوا بغير ثقافتها. ثم شكلوا كوادر الدولة العليا سواء في نهاية الدولة العثمانية أم في عهد الدول الوطنية بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية. فإذا طبقنا تصريحات السيدة ميركل وخبير حزبها عن أضرار الدراسة بلغة غير لغة البلد وعن نشوء مجتمعات موازية بسبب ذلك. تكون النخب المتعلمة عندنا منذ منتصف القرن التاسع عشر عبارة عن مجتمع موازي داخل المجتمع المحلي، وعندها نفهم سبب الإصرار الغربي على الاجتياح الثقافي عبر إنشاء المدارس توطئة للاجتياح العسكري اللاحق.

قبل أن يبدأ الغزو العسكري بعقود بدأ الغزو الثقافي على شكل: مبشر، وطبيب مداو للآلام، ومدرسة. فعلى سبيل المثال بدأ الاجتياح العسكري الأمريكي الحالي للمشرق العربي بشكله الثقافي منذ منتصف القرن التاسع عشر بواسطة الإرسالية الأمريكية، التي استخدمت كافة الوسائل بدءاً من التعليم و حتى الصحافة والكتب والجمعيات، مروراً بأعمال التطبيب والأعمال الاجتماعية الأخرى. فأنشأوا عبر الغزو الثقافي مجتمعات كاملة، وأنشأوا طوائف دينية لم تكن موجودة، ونسجوا تحالفات إستراتيجية مع طوائف صاعدة أو أصعدوها هم. وسلبوا المجتمعات نخبها المتعلمة الواعدة.

بلغ عدد مدارس الإرسالية الأمريكية في المشرق العربي عام 1846 – 1847م 528 مدرسة. وكانوا يركزون على التعليم الابتدائي في البداية لأنه يزيد من علاقاتهم المحلية وارتباطهم بأهالي الأطفال الصغار، وهو ما يساعدهم في عملهم التبشيري، كما أنه يتيح لهم غرس العديد من أفكارهم الدينية في أذهان هؤلاء الأطفال، فهم أشبه بتربة خصبة صالحة لتلقي كل ما يلقى إليها على ما يذهب إليه مؤلف كتاب "التنصير الأمريكي في بلاد الشام – مكتبة مدبولي". ويتابع المؤلف القول:

"كما اهتمت الإرسالية بتعليم البنات والسبب هو دور المرأة في بث الأفكار في أطفالها وزوجها. وقد عملت مدارس الإرسالية الأمريكية على نشر الكتب التعليمية باللغة العربية بالتعاون مع المؤلفين العرب المرتبطين بها أمثال بطرس البستاني وناصيف اليازجي، وهما اسمان سيترددان كثيراً في الكتاب كأهم من قاموا بالتعاون مع المدارس التبشيرية الأمريكية".

بدأ التعليم الأمريكي باللغة العربية من أجل مراعاة الشعور القومي و لتحقيق أهداف سياسية لا تخفى على أحد في دولة يحكمها العنصر التركي. لكن بعد أن حققت المدارس أهدافها و ثبتت مواقعها تحول التعليم إلى اللغة الإنكليزية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ويلاحظ مؤلف الكتاب أن التعليم وإن اكتسى صبغة علمانية حديثة إلا أنه ظل مرتبطاً بالتعليم الديني وخاصة تدريس تعاليم التوراة بغض النظر عن ديانة الطالب وما تتضمنه من التركيز على التاريخ العبراني لفلسطين!

بعد ذلك انتقل التعليم الأمريكي إلى مرحلة جديدة وهي إنشاء المدارس العليا والكليات الجامعية. فأُنشئت المدرسة العليا الأمريكية للبنات في بيروت عام 1834 م ونظام التعليم فيها أيضاً كان دينيا ومدنيا.

وهناك المدرسة العليا للبنين في بيروت وأنشئت أواخر عام 1835م. ومدرسة عبية في جبل لبنان. ومدرسة طرابلس للبنات. ومدارس صيدا العليا الأمريكية ومدرسة الفنون الأمريكية. وأهم من كل ذلك الكلية الإنجيلية السورية التي تحولت فيما بعد إلى الجامعة الأمريكية. (لمزيد من المعلومات يمكنك مراجعة كتاب التنصير الأمريكي في بلاد الشام - 1834 – 1914).

ما ذكرناه عن الدور الأمريكي مجرد عينة، فالدور الفرنسي في هذه المجال وكذلك الانكليزي لا يقل بل يزيد. وإذا طبقنا معايير المسؤولين الألمان في رفضهم لوجود مدارس تركية في ألمانية ألا يحق لنا أن نتساءل. كم يوجد بين ظهرانينا مجتمعات موازية: أمريكية وأخرى فرنسية وثالثة انكليزية!

لقد ساهم تعميم نظام تعليم غريب بلغة غريبة وثقافة غريبة بواسطة مدارس الإرساليات التبشيرية. ساهم بخلق مجتمعات نخبوية مثقفة موازية لمجتمعها لا تتقاطع معه مع أنها تدعي الحديث باسمه. فهذا المجتمع النخبوي الموازي، بحسب التعابير الألمانية، فقد ارتباطه بمجتمعه وتراوحت مصائر أفراده بين قطبين: بعضهم انتهى إلى العمالة الصريحة للغرب، وبعضهم كانوا مخلصين حاولوا النهوض بمجتمعهم الأصلي لكن محاولات هؤلاء كانت معطوبة فمنيت بالفشل بسبب الحاجز الفكري والنفسي بينهم وبين أفراد المجتمع، وهذا الحاجز نشأ في أذهانهم بسبب تعلمهم بلغة غير لغتهم الأم في مدارس غريبة.

mail@kanaanonline.org



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك
حسن اسماعيل:
السلام عليكم
أريد هنا أن ألفت النظر للأخ الدوري على أن مشكلة الجاليات الأسلامية في البلاد الغربية المضيفة تكمن ليس في عدم التأقلم بالرغم من أنهم سعوا لتلك البلاد وقبلوا التعاقد على العيش في مجتمعاتها المشكلة تكمن في أن هذه المجموعات تركية كانت أو عربية بأنها تعيش في مجتمع لا يتكلم لغته فمثلا في بريطانيا وفرنسا هناك الكثير من الأقليات المسلمة ممن لا يتحدثون لغة البلد المضيف وبخاصة نجد هذه الظاهرة بقوة في فرنسا حيث أن التجمعات العربية المغاربية لاتتكلم آلا لهجتها فعماد الأسرة هو الأم فالأم المغاربية التي لا تتقن لغة البلد المضيف لا تستطيع أن تعلم أولادها وبالتالي نجد أن الكثير من هؤلاء الأطفال قد انحرفوا ولم يتابعوا تعليمهم ليست المشكلة باعتقادي بميركل أو ساكوزي المشكلة أن المجتمعات الإسلامية لم تستظع التأقلم وهناك فارق بين التأقلم والتذويب فلايمكن ولا بأي شكل أي مجتمع أن يذوب أقلية ما
المشكلة التي تواجهها الأقليات هي أن بخروجهم من المدارس يفقدون أمكنتهم في المجتمع فبدل أن يبحثوا عن عمل كمدرس أو طبيب تجده في مكاتب البطاله أو ينظف الطرقات
في حين أنه هناك هجرات أخرى من المغرب نفسها وتحمل أسماء عربية في أحيان كثيرة نجحت نجاحا كبيرا وأقصد هنا اليهود التوانسة أو اليهود المغاربة الذين احترموا قانون البلد المضيف وعملوا بكل دأب وكون أبواب الجامعات مفتوحة للجميع انخرطوا جميعا في السلك التعليمي ومعظمهم مدراء وأساتذه حتى وزراء
أن كانت هناك جاليات فرنسية أو اسبانية ستذهب للهجرة للعمل في أمريكا وهي طبعا هجرة كبيرة الجميع يتكلم الأميركية في حين لو ذهب الأوروبي لبلد عربي لن يذهب للعمل أنما هو إما باحث أو خبير وليس مضطرا لأن يتعلم العربية أما فيما لو كانت هجرته للأرتزاق والأنخراط في المجتمع فهو مجبر على التعلم إن شاء أم أبى
وهاهم الجاليات في أوروبا كونهم قبلوا بالأقامة والأرتزاق وأوربا بحاجة لهم حتى أنها بحاجة للأم لا لكي تعمل إنما لتربية الأولاد فمثلا أعرف أنه في فرنسا كان في السابق تعطي الحكومة الفرنسية أربعة ألاف فرنك * نصف راتب* للمرأة التي تريد أن تتابع دروس تعلم الفرنسية
وبالنهاية تم العدول عن هذا الأمر لأنه لم يلاقي القبول من الأمهات المغاربية
هناك فارق يا أخي بين التذويب والتأقلم وصدق أن الدول الأوروبية بقوانينها العديدة المتعلقة بحقوق المواطنة لا تجعل أية جالية تذوب وربما لو استطاعت لفعلت ولكن القوانين التي وضعتها بحقوق المواطنة تمنعها أي للدولة بقوة القانون
الأتراك في تركيا يعيشون ضمن تجمعات شأنهم شأن العرب في فرنسا وهم أغلبهم يعملون في أوروبا بالبناء والزوجات يقمن بأعباء البيت دون أن تعرف لغة البلد الذي تعيش به أو ثقافته فهي ترى التلفزيزن التركي وعيش على النمط التركي تماما كما كانت تعيش في تركيا مما يجعلها بعيدة عن الأنخراط في المجتمع المدني الذي تعيشه
المهاجرين الذين لا يكذبون كثيرا ينقلون لنا صور عديدة عن حياة المهاجرين وهي مؤسفة لأنه يمكن لهؤلاء أن يستفيدوا من التجربة اليهودية الذين يمسكون بناصية المجتمع الأوروبي
هذه الكلمة مجرد ملاحظة وعلينا دائما أن نكون معتدلين وغير مجحفين بحق الأخرين وكلمة الحق يجب أن تقال سواء كانت لنا أم علينا