النقد النسوي كما النقد الثقافي يفقد مصداقيته الأدبية حينما يتجاوز النص ويهتم بالقيم الأيديولوجية والاجتماعية والسياسية.
ولعل ميلاد هذا النقد في ظروف شبيهة بميلاد النقد الثقافي ؛ بل لعل ارتباط النقد النسوي بالنقد الثقافي يدعونا إلى هذا القلق والتحذير ؛ ذلك أن النقد النسوي ارتبط بالحركة النسوية التي ظهرت عام 1848 وتركزت أهدافها على المطالبة بحصول المرأة على بعض الحقوق العامة التي كان يتمتع بها الرجل، مثل حق الانتساب إلى كافة فروع الدراسة الجامعية العلمية، كالطب، وحق ممارسة المهنة فيما بعد.

أما نسوية ما بعد الحداثة،فهي حركة ظهرت من أوائل الثمانينيات، وكانت فلسفتها أن المرأة تختلف عن الرجل في بعض خصائصها، وتميزت هذه الفترة بنقد النموذج الذكوري وبرفض انفراده بالميدان كمركز للحضارة الغربية التي جعلها المبدأ الاستعماري نموذجاً للحضارة بأسرها، وتتلخص فلسفة هذه الفترة بأن موجة العقلانية الذكورية قد قهرت ثلاثاً وهم: شعوب العالم الثالث، والطبيعة والمرأة، ومن هنا ينشأ تقاطعها مع فكر ما بعد الاستعمار Post Colonialism ومع نقده الأدبي فيما يتعلق بالنقد، وتؤكد نسوية ما بعد الحداثة على تعددية العلم وديمقراطيته، كونه إنجازاً إنسانياً مفتوحاً أمام أية حضارة شرقية أم غربية وأمام أي إنسان، رجلاً أم امرأة، وترفض احتكار الرجل مجالات صنع القرار خاصةً بعد أن تبين ما قادت إليه العقلية الذكورية المتسمة بالعدوانية، من حروب ومن تدمير للبيئة واستنفاد لمواردها، وهكذا فإن نسوية ما بعد الحداثة تطالب بوصول المرأة إلى مراكز صنع القرار العلمي والسياسي استناداً إلى أن الشخصية الإنسانية مكونة من خصائص ذكرية وأنثوية، يجب اشتراكها من أجل مستقبل أفضل للبشرية والعالم، وباختصار فقد طالبت النسوية، بمساواة الجنسين في كافة المجالات العلمية والمهنية والسياسية والاجتماعية، وتبلورت حركة اجتماعية سياسية تقوم على رفض الهيمنة الذكورية والتمييز بين الجنسين.‏

ومهما يكن من أمر فان الموقف من قضايا المرأة ، وما تطرحه النظرية النسوية من أفكار لم يكن واحدا في أذهان النقاد المتابعين؛ فمنهم من طالب بتمييز المرأة، ونظر إليها على أنها أقوى من الرجل، وأذكى واقدر، ومنهم من طالب بالمساواة بينها وبين الرجل، وإلغاء الفروق. ومنهم من حافظ على النظرة الكلاسيكية التي رأت في المرأة ضعفا ونقصا ، وأنها دائما بحاجة إلى الرجل.

أما على الصعيد النقدي فقد بقي النقد النسوي يواجه إشكاليات كبيرة ربما تحددت معالمها الأساسية من خلال استحالة تحطيم النظام اللغوي القائم على فلسفة ثابتة منذ وجوده ، ثم هل الإبداع النسوي يعني هدم وتقويض البنية الذكورية للغة ؟ أم أن البحث عن جماليات التشكيل الفني تقع ضمن دائرة الأداء الفني لا في سياقاته الرديفة ؟ ثم لماذا هذه الثورة ما دام النص هو الأساس في العملية النقدية ؟ أن المنطق العملي للإجراء النقدي تستدعي أن ننظر للنص كقيمة إبداعية ، ثم لا باس أن نبحث عن قيم مضمونية ذات خصوصية نسوية أن وجدت ، ولا داعي لحرف الدرس النقدي عن مساره ، تلبية لفرضيات لا تطال طبيعة الجوهر الإبداعي.

ramadan.omer@yahoo.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك