الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
إضاءات على فكر تشي غيفارا الاقتصادي ورؤيته المبكرة للانهيار السوفييتي (3/ 11)
|
17 - 05 - 2010
د. مسعد عربيد |
تشي غيفارا ونقد الاتحاد السوفييتي:
لماذا كتب غيفارا نقده لـ"الدليل السوفييتي في الاقتصاد السياسي"؟
لحظ غيفارا أن المنابع النظرية للفكر الماركسي قد نضبت بعد أعمال ماركس وإنجلز ولينين، ولم يتبق إلا بعض الأعمال المعزولة ككتابات ستالين وماو تسى تونغ والتي حافظت على القوة الإبداعية للماركسية.
وفي هذا السياق، كان ستالين، في الفترة الأخيرة من حياته، قد أمر بإعداد كتيب أطلق عليه فيما بعد اسم "الدليل السوفييتي في الاقتصاد السياسي" The Soviet Manual of Political Economy، يعالج مواضيع الاقتصاد السياسي ويضعها في متناول الجماهير. وقد لحقت بهذا “الدليل السوفييتي” تغييرات كثيرة أجريت عليه في السنوات اللاحقة وفقاً للتطورات الاقتصادية والسياسية التي شهدها الاتحاد السوفييتي في عقد الخمسينيات من القرن الماضي وخصوصاً بعد وفاة ستالين (1953) وانعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي (1956) وتولي خروشتشيف زمام القيادة في الاتحاد السوفييتي، وكان من شأن التطورات ان أدت، مع نهاية ذلك العقد، إلى تغييرات جذرية في الخطاب الاقتصادي السوفييتي انعكست في العديد من الكتابات والأدبيات والأطروحات التي رافقها جدل كبير.
كان غيفارا يرى ان التكيفات التي تضمنها “الدليل” السوفييتي كانت تغيرات فرضتها البراغماتية والتي جاءت في الوقت ذاته نتيجة الافتقار إلى التحليل العلمي. لقد أيقظت الهزة الكبيرة التي أحدثها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي، الاتحاد السوفييتي من الكسل الذي ألم باقتصاده في مرحلة التحول الاشتراكي، إلا أن هذه الهزة لم تدفع الاقتصاد السوفييتي الى الأمام بسبب، وفق ما رآه غيفارا، "استنفاذ احتمالات التنمية، والتي كان نتيجة للنظام الاقتصادي الهجين، وبسبب ضغوط من البنية الفوقية"، لذلك "اتخذ القادة السوفييت خطوات إلى الوراء والتي أكملت التنظيم الصناعي الجديد. وقد حلّ القمع محل الكسل إلا ان كليهما حافظا على الطبيعة الدوغمائية".
من المعروف أن غيفارا كان المهندس الأول للعلاقات الكوبية ـ السوفييتية وهو ما ينبغي فهمه على انه تعبير طبيعي وأمين لالتزامه بالفكر الماركسي ودفاعه عن كوبا وثورتها ومصالحها في سياق التحديات التي واجهتها في السنوات الأولى بعد انتصارها والتي شكّلت تهديداً كبيراً لوجودها واستمرارها. إلاّ أن غيفارا أخذ يكوّن التحفظات إزاء الاقتصاد السوفييتي من خلال قراءاته وأحاديثه مع الخبراء السوفييت ومطالعته للكتيبات السوفيتية التي كانت تدافع عن السياسات الاقتصادية السوفييتية، وكذلك من نقاشاته مع مؤيدي الاتحاد السوفييتي في كوبا، إضافة إلى لقاءاته مع الماركسيين الغربيين الذين عبّروا عن نقدهم وامتعاضهم من سياسات الاتحاد السوفييتي نذكر منهم بول سويزي، وليو هبرمان وبول باران وغيرهم (Paul Sweezy, Leo Huberman and Paul Baran). وكان ما شاهده غيفارا في زياراته ليوغسلافيا والاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى قد أثار في نفسه الكثير من التساؤلات بل والشكوك وأطفأ فيه جذوة الأمل والحماسة.
فقد هاله ما لحظه في زيارته للاتحاد السوفييتي من التزام العامل السوفييتي بعمله وتفانيه في الأداء والإنتاج، في حين كان يعاني من تدني كبير في مستوى المعيشة، كما عاين غيفارا المسافة الكبيرة التي كانت تفصل بين القادة السوفييت من جهة، والعمال والجماهير والشعوب السوفييتية من جهة أخرى.
وخلال زيارته ليوغسلافيا (1959)، قبل زيارته للاتحاد السوفييتي، أخذ يساوره القلق بسبب التناقضات الذي حفل بها نمط الإنتاج في ذلك البلد وتولدت لديه قناعة بان الارتكان إلى الروافع الرأسمالية في الإنتاج (مثل الربح، والحوافز المادية...الخ التي كان قد أدخلها في الاقتصاد السوفييتي البرفيسور إفزي ليبرمان من جامعة موسكو)، دون الالتفات إلى ضرورة تغيير وعي الجماهير وقيم الناس وأفكارهم ومواقفهم، سيؤدي إلى إعادة إنتاج وعي رأسمالي وعلاقات اجتماعية رأسمالية.
خلال عامي 1963 ـ 1964 وطيلة فترة عمله كوزير للصناعية، انخرط غيفارا في جدل مع الكثيرين الذين أبدوا تأييدهم للنمط السوفييتي في الإدارة الاقتصادية والذي دعا، من حيث الجوهر، إلى تعزيز الاستقلالية الاقتصادية للشركات والسماح "للسوق" ان تفعل مفعولها. كما انه اصطدم بالكثير من العقبات من خلال عمله كوزير للصناعة، وهي التجربة التي فرضت عليه البحث عن نمط بديل لإدارة الاقتصاد الكوبي ومواجهة تحديات التنمية في مرحلة التحول الاشتراكي. وقد عبّر عن وجهات نظره من خلال العديد من الوسائل والمنابر: تواصله مع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، أحاديثه ومناقشاته مع رفاقه ومساعديه، مساهماته في "الجدل الكبير" بما يزيد عن ثلاثة عشر مقالة، مشاركته ومناقشاته في المحاضرات الأسبوعية التي كان يقيمها العلماء السوفييت في هافانا، وكذلك عبر مقالاته وكتاباته وخطاباته الكثيرة، وخصوصاً خطابه الأخير في الجزائر في فبراير 1965.
خلص غيفارا، من خبراته هذه ومن تجربته مع الدول الاشتراكية بقطبيها الرئيسيين، الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، والتفاوض معهما حول وسائل الدعم الاقتصادي والعسكري، خلص إلى أن سياسات هذه الدول الاشتراكية تفتقر إلى الأممية. وقد تحلى بالشجاعة في إعلان رأيه هذا على الملأ في خطابه الشهير في الجزائر (فبراير 1965) حيث أنب هاتين القوتين الاشتراكيتين الرئيسيتين لفرض شروط للتبادل التجاري مع الدول الفقيرة في سوق هيمنت عليها الامبريالية معيباً عليهم أنهم لم يقدموا دعماً غير المشروط للدول الفقيرة، بما فيه الدعم العسكري، لنضال الشعوب التحرري في الكونغو وفيتنام على وجه الخصوص (Besancenot and Lowy, 2009, 113).
يقول غيفارا:
"لدى الشروع في هذه الدراسة النقدية، وجدنا الكثير من المفاهيم التي تتناقض وطريقة تفكيرنا، فقررنا البدء بهذه المجازفة ـ كتاب يعبر عن وجهات نظرنا ـ بأكبر قدر ممكن من الصرامة العلمية والأمانة القصوى. وتظل هذه الأخيرة أساسية إذا اعتبرنا أن دراسة النظرية الماركسية والحقائق الجديدة، تضعنا في موقع انتقاد الاتحاد السوفييتي، وهو (اي الموقف النقدي) الذي أصبح الشاغل لكثيرين من الانتهازيين الذين يهاجمون من أقصى اليسار لصالح الرجعية. إننا مصممون على ألاّ نخفي اية أراء لأسباب عملية، أي اننا في الآن ذاته، سنخلص الى نتائج ستساعدنا، بفضل دقة منطقها ومنظورها الواسع، في حل المشاكل ولن تطرح أسئلة دون حلول" (Yaffe 2009, 240).
وفي تقييمه لمسؤولية لينين في هذا المضمار، قال:
"من خلال ممارستنا وأبحاثنا النظرية اكتشفنا الفرد الذي يستحق كل اللوم، باسمه الكامل: فلاديمير إيليتش لينين. إلى هذا الحد بلغت جرأتنا. إلا ان أولئك الذين يتحلون بالصبر للاستمرار حتى الفصول الأخيرة لهذا العمل، فإنهم سوف يثمنون الاحترام والإعجاب اللذين نكنها لهذا الشخص "المذنب" والدوافع الثورية لتلك الأفعال التي من شأن نتائجها اليوم ان تصدم مؤلفها...".
بهذا المعنى شكّل نقد غيفارا "للكتيب" السوفييتي الخطوة الأولى في مساهمته في صياغة نظرية حول الانتقال الى الاشتراكية والبحث عن حلول مشاكل وإشكاليات التحول والبناء الاشتراكي.
في هذا السياق، بادر غيفارا بدراسة أصلية للاقتصاد السياسي الماركسي والرجوع إلى أمهات الفكر الماركسي بغية تطبيقها على مرحلة التحول الاشتراكي بذهنية منفتحة وعقل ناقد وروح حرة منطلقاً من أنه:"ليس من الممكن تدمير الآراء بضربها ـ هذا هو بالتحديد ما يقتل التنمية برمتها، التنمية الحرة للذكاء". ولهذا السبب بالذات كان غيفارا يحض رفاقه دوماً على المزيد من العمل والمساهمة والتفكير والعودة إلى دراسة الأدبيات الماركسية الكلاسيكية من أجل القضاء على النهج الآلي والدوغمائي الذي حاولت "الماركسية السوفييتية" تلقينه من خلال الأدبيات السوفييتية، وعلى وجه الخصوص "دليل الاقتصاد السياسي السوفييتي" الذي رفعته القيادة السوفيتية إلى مقام "الإنجيل" بدلاً من العودة الى واعتماد "رأس المال" لماركس، على حد قول غيفارا.
شكّلَ كتاب "رأس المال" لماركس الركيزة النظرية الرئيسية لمشروع غيفارا وتحليلاته وأفكاره والتي كان قد ساهم بها من خلال "الجدل الكبير" في كوبا (1963 ـ 1965) ومهامه كوزير للصناعة والتي تمحورت حول قانون القيمة ومفعوله في ظل الاشتراكية، دور النقد، التمويل، النظام المصرفي في الاشتراكية واستعمال الحوافز المادية والمعنوية ونقد ما جاء في “الدليل السوفييتي” حول هذه المسائل. مضيفاً إلى ذلك تجربته ومشيراً إلى نواقص النظرية السوفيتية داعياً إلى المزيد من الدراسة والتحليل للعديد من جوانب الاقتصاد السياسي والتنمية الاشتراكية.
لِمَنْ كتب غيفارا؟
توخى غيفارا من كتابة ملاحظاته النقدية، ومن كتابه الذي لم يُنحز، أن يعالج قضايا العصر بروح جديدة تتناسب مع تطوراته، وكان ينوي توجيه كتابه للبلدان النامية والمجتمعات الثورية في العالم الثالث كي تستفيد منه في تنميتها الاقتصادية في مرحلة التحول الاشتراكي. وقد دوّن، في سياق الإعداد لكتابه هذا العمل، قد دوّن الكثير من الملاحظات حول "الدليل السوفييتي" الذي كان مستخدماً في تلك الآونة كدليل اقتصادي في كوبا. وكان قد استشعر أن الكثيرين سيجدون في كتابه إساءة لمشاعرهم، فيما سيجد فيه آخرون حملة مسعورة في "معاداة الشيوعية" مغلّفة بالحجج النظرية. إلا أن أملاً كبيراً كان يحدوه في أن يلقي فيه كثيرون نفحة أفكار جديدة تستند إلى تحليل علمي وماركسي ناقد ومنفتح. من أجل هؤلاء كتب غيفارا فوجه ملاحظاته إلى الطلاب الكوبيين الذين كانوا يعانون جرّاء عملية تلقن "الحقائق الخالدة" من المنشورات والأدبيات السوفييتية. قال:
" الى أولئك الذين ينظرون إلينا بعين الريبة بسبب الاحترام والولاء اللذين يشعرون بهما حيال البلدان الاشتراكية، فاننا نوجه لهم تحذيراً واحداً: التأكيد الذي جاء به ماركس في الصفحات الأولى من "رأس المال"، حول عجز العِلم البرجوازي على النقد فيلجأ الى الذرائع بدل ذلك، هذا العجز ينطبق اليوم على نحو مشين على علم الاقتصاد الماركسي. يمثل هذا الكتاب محاولة للعودة إلى الدرب الصحيح، وبغض النظر عن قيمته العلمية فإننا نفخر بأننا حاولنا ان نقوم بذلك في بلدٍ نامٍ صغير. ستواجه الإنسانية العديد من الصدمات قبل تحرريها النهائي، ولكنها لن تصل الى هذا، وهو ما نحن مقتنعون به بالكامل، بدون تغيير جذري في إستراتيجية القوى الاشتراكية الرئيسية" (Yaffe 2009, 241).
وليس في هذا القول ما يحتاج إلى مزيد من التوضيح: فهو نقد صريح "للقوى الاشتراكية الرئيسية" وهو في الوقت ذاته تحديد دقيق لمهام هذه القوى، ولا يخفى انه بذلك كان يقصد الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية وكافة بلدان المنظومة الاشتراكية، مطالباً إياهم بالتصدي للمسؤوليات التاريخية إزاء "تحرير الإنسانية".
خلاصة القول انه غيفارا كان يطمح، في النهاية، أن يقنع الدول الاشتراكية الأخرى بالعدول عن النمط السوفييتي في التنمية والحد من التوجه نحو "اشتراكية السوق". كان يرى أن هذه الدول تسير في طريق مجهول، وكثيراً ما كان يشبّه هذه البلدان "بالطائرة التي ضلت سبيلها وبدل أن تعمل على العودة إلى دربها الصحيح، تابعت رحلتها في الطريق المجهول". كان غيفارا يأمل بان نقده، الذي يستند الى التجربة العملية في نظام التمويل بالميزانية، سيقنع الدول الاشتراكية بتصحيح هذه الأخطاء. الا أن ما كان يثير حنقه هو غياب أي منبر للجدل الأممي حول الاقتصاد السياسي في مرحلة التحول الاشتراكي.
محاولة لتأريخ الخلاف مع السوفييت:
يرجح الكثيرون من المحليين ان الاتصالات والمفاوضات السرية المبكرة بين كوبا والاتحاد السوفييتي بدأت في مصر وربما بوساطة مصرية عبر السفارة السوفيتية في القاهرة. وربما كانت بداية العلاقة (الرسمية) مع الاتحاد السوفييتي في أكتوبر 1959 بعد عودة الوفد الكوبي من زيارة للاتحاد السوفييتي، وتعيين غيفارا رئيساً لدائرة التصنيع داخل المعهد الوطني للإصلاح الزراعي.
وبالرغم من التوتر الذي اتسمت به علاقة غيفار بالاتحاد السوفييتي وما شابها من خلافات في محطات متعددة، فانه يظل من العسير تحديد تأريخ زمني دقيق لبدايات الخلاف بين تشى غيفارا والقيادة السوفيتية.
لم يخف غيفارا امتعاضه في أعقاب أزمة الصواريخ والموقف السوفييتي منها، خلال الأسبوع الواقع بين 22 و28 أكتوبر 1962 عندما قرر خروشتشيف سحب الصواريخ السوفيتية من كوبا، منصاعاً لتهديد الرئيس الأميركي جون كندي دون التشاور مع أو حتى إشعار فيدل كاسترو بهذا القرار.
وخلال سنوات "الجدل الكبير" الذي احتدم في كوبا (1963 ـ 1965) والذي شمل نقاشاً عاماً وحاداً حول مسائل الانتقال إلى الاشتراكية، لم يتورع غيفارا عن الإفصاح والوقوف بوضوح وحزم ضد المفاهيم الأرثوذكسية السوفييتية المتخشبة وغيرها من مواقف المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية.
لا شك أيضا في ان هذه الخلافات قد طفت على السطح، خلال الندوات الأسبوعية التي أشرف عليها العلماء السوفييت الذين أوفدوا إلى كوبا لهذا الغرض، "التثقيف الشيوعي"، والنقاشات الساخنة التي كان يثيرها غيفارا في تلك الأمسيات.
كما ان بوادر خلافه مع الاتحاد السوفييتي وسياساته تجلت حين تألق غيفارا كأكبر الممثلين والمتكلمين باسم الشعوب الفقيرة في العالم الثالث، معلنا مناهضته للامبريالية أينما حطت قدماه ضارباً بعرض الحائط سياسات ورغبات الكتلة الشرقية في الكثير من التصريحات والمواقف والخطابات التي أطلقها غيفارا على مدى علاقته مع السوفييت، منذ ان رحب به السوفييت في الساحة الحمراء في موسكو يوم 7 نوفمبر 1960 وحتى أوائل عام 1965 ، والتي أثار العديد منها حفيظة القيادة السوفييتية.
اتضح منذ ذلك الحين، وتحديدا بعد خطاب غيفارا الشهير في الجزائر (فبراير 1965)، كما يذكر بعض المحليين وكما جاء في العديد من الوثائق لتؤكد ان هذا الخطاب الذي كان الظهور العلني الأخير لغيفارا على المشهد العالمي أو في أية مهمة كوبية، كان على ما يبدو طلباً سوفييتياً (Besancenot and Lowy, 2009, 113).
نقد "نقد تشى غيفارا":
انتقد الكثيرون، في كوبا وخارجها، غيفارا بان أطروحاته في نقد الاتحاد السوفييتي جاءت "مثالية" وخارج سياق المرحلة التي ناضل فيها. وهو نقد ربما كان غيفارا قد اعتاد عليه خلال حياته القصيرة، إلاّ انه ما زال يتردد حتى يومنا هذا رغم الكوارث التي منيت بها الشعوب والإنسانية من جرّاء وحشية الامبريالية والرأسمالية وما حلّ بالمعسكر الاشتراكي من دمار وانهيار. فقد جاء التاريخ ووقائعه ليؤكد ما ذهب إليه غيفارا في تقييمه ونقده.
وكي نضع الأمور في نصابها الصحيح، قد يكون من المفيد ان نسترجع تلك الحقبة التي ناضل فيها غيفارا ومنحها جلّ جهده وحياته ـ حقبة النصف الأول من ستينيات القرن الماضي. فقد حفلت تلك الحقبة بأوضاع دولية ومحلية ساخنة تذكر أهمها:
ـ اتسمت الساحة الدولية بالنزاع الصيني ـ السوفييتي وتداعياته، وبالحرب الباردة بين المعسكرين في ظل توحش الامبريالية الأميركية في سعيها نحو الهيمنة على العالم وحربها في فيتنام، يقابلها التواطؤ السوفييتي الذي تمثل آنذاك بسياسات أسموها "الحياد الايجابي" و "التعايش السلمي"؛
ـ على مستوى العالم الثالث شهدت المرحلة صعود حركات التحرر الوطنية وانتصاراتها المتلاحقة في أسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، كان انتصار الثورة الجزائرية أشهر علائمها؛
ـ كما شهدت الساحة الدولية تبلور وتعاظم دور حركة عدم الانحياز من حيث تنامي الفكرة وحضورها في العلاقات الدولية؛
ـ أما الداخل السوفييتي، فقد عاش أوضاعاً استثنائية شملت إصلاحات اقتصادية جذرية بعد وصول نيكيتا خروشتشيف إلى مواقع القرار في ذلك البلد، الذي انقضى على المرحلة الستالينية وتوجه نحو مهادنة المعسكر الرأسمالي ـ الامبريالي عبر سياسات الحياد الايجابي والتعايش السلمي؛
ـ في خضم هذه الأحداث العارمة جاءت الثورة الكوبية لتعلن، بعد انتصارها بعامين، تبنيها للدرب الاشتراكي وسط حصار امبريالي أميركي غاشم وخانق هدد، وما زال يهدد، أمن البلد وسيادته وشعبه ومستقبل ثورته.
mail@kanaanonline.org