(الحلقة الخامسة)

الإدارة الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي وكوبا: نمطان مختلفان

يعتبر "نظام التمويل بالميزانية" الركيزة الاساسية للفكر الاقتصادي لغيفارا حيث رأى فيه حلاً لإشكاليات وتحديات مرحلة التحول الاشتراكي، وبديلاً عن نظام التمويل السوفييتي، "نظام التمويل الذاتي" (انظر لاحقاً)، الذي ساد بعد وفاة ستالين ثم تم إستنساخه ومحاكاته في البلدان الاشتراكية في اوروبا الشرقية.

يذهب البعض الى أن غيفارا اخترع نظام التمويل بالميزانية تجاوباً مع نزعته الطوباوية لمرحلة التحول الاشتراكي، إلا انه في الحقيقة رأى عكس ذلك ووجد في تطبيق هذا النظام ضمانة للإيفاء بالاحتياجات الاساسية والعاجلة للشعب الكوبي بعد انتصار الثورة وفي مواجهة التحديات الاقتصادية الجمة والحصار الامبريالي الاميركي الخانق (1).

لقد كان غيفارا مقتنعاً بان نظام التمويل السوفييتي لا يصلح لمشروع التنمية في كوبا، وضمن هذا التحديد، فانه لا يجوز فهم نهج غيفارا (ونظامه في التمويل بالميزانية وغيره من افكاره الاقتصاديه) في فضاءه المطلق، بل في سياق البناء الاشتراكي في كوبا والحالات المشابه في العالم الثالث وحرصه على بلورة افكاره وبدائله قبل ان يستفحل النمط السوفييتي في مشروع التنمية في ذلك البلد وإستدراكاً لآثاره السلبية والضارة على غرار ما حصل في بلدان اوروبا الشرقية.

جوهر الخلاف: قانون القيمة

تمحورت مكامن الخلاف بين النظامين حول قانون القيمة وتحديداً حول المسائل الرئيسة التالية:
الظروف التي تفسر وتبرر العمل بهذا القانون؛
المجالات التي يسرى فيها مفعوله؛
الى أي مدى يقوم هذا القانون "بضبط" الانتاج؛
علاقة قانون القيمة بالخطة الاقتصادية العامة؛
وأخيراً، وربما الاهم، هل المطلوب هو العمل بهذا القانون، أو العمل على نسفه؟

- يتم العمل بقانون القيمة وتطبيقه في السوق الحرة، فهو من مخلفات التشكيلة الرأسمالية.وعليه، يقتضي التطور الطبيعي باتجاه الاشتراكية، غياب/تغييب السوق الحرة حيث يعمل هذا القانون القيمة، والذي يعمل اساساً لأن هناك سوقاً. أي أن العمل على تغييب قانون القيمة، هو المآل الطبيعي إلى حين يتم تقويضه. لذلك، رأى غيفارا أن العمل بهذا القانون يكون مؤقتا، أو هكذا يُفترض في المرحلة الانتقالية اي الاشتراكية، على أن تكون خطة الفكر والإنتاج باتجاه تقويضه. وقد رأى غيفارا انه في مرحلة البناء الاشتراكي لا يتم العمل بقانون القيمة وتطبيقه بحرية بسبب غياب السوق الحرة وبسبب الحاجة لتأمين منتوجات معينة للسكان بسعر محدد حيث تكون الارباح فيه متساوية في كافة الوحدات الانتاجية. بهذا فقد قانون القيمة تأثيره "التثويري" على الانتاج والذي يسري في ظل الراسمالية.

- في مثل هذه الاوضاع، يصبح قانون القيمة المعيار الاكبر للفعالية بحيث يتم تكييف الاقتصاد حسب فعالية القطاعات المختلفة. فتكون النتيجة إغلاق المصانع مما تسبب في هجرة العمال اليوغسلاف والبولنديين الى بلدان اوروبا الغربية، عبيداً ترسلهم الدول الاشتراكية كي يصبحوا قرباناً للتطور التكنولوجي لبلدان السوق الاوروبية المشتركة.

كان الاقتصاديون السوفييت قد خلصوا، في نهاية خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي، الى انه يمكن العمل بقانون القيمة والذي يستمر سريان مفعوله في ظل الاشتراكية ليقوم بمهمة "ضبط" الانتاج حيث ان المنتوجات في الاقتصاد الاشتراكي تظل، وسوف تظل، سلعاً طيلة المرحلة الاشتراكية الى حين الوصول الى الشيوعية.

أما غيفارا فرأى ان قانون القيمة لا يصلح كضابط للانتاج في قطاعات الاقتصاد الاشتراكي، بل أكد على ضرورة تحليل "كلفة الانتاج"، لانه ليس من الضروري ان تتوافق كلفة الانتاج مع السعر في القطاع الاشتراكي، وأشار الى أن تحديد سعر السلعة في القطاع الاشتراكي كمحدد لحركة العمل وتنقله داخل القطاعات والوحدات المختلفة للانتاج وصناعات الدولة، لا يجب بالضرورة ان يتوافق أو أن يساوي كلفة الانتاج، مذكراً بانه لو أن تبادل العمل بين القطاعات المختلفة للاقتصاد الاشتراكي كان محكوماً أو مضبوطاً بالتبادل على اساس القيمة المتساوية (أو على أساس الربحية)، فان المؤسسات ذات الربح المتدني أو تلك غير المربحة، لن تتمكن من البقاء وان العديد من نواحي الانتاج في الاقتصاد الاشتراكي سوف تنهار. ورأى انه اذا تم تطبيق قانون القيمة كضابط لتبادل العمل بين المؤسسات المنتجة في القطاع الاشتراكي، دون تدخل بشري إشتراكي بغية التحكم بهذا القانون وتوجيهه بوعي طبقا لخطة مركزية والحد من انفلاته الطبيعي الذي مآله تكريس الراسمالية، لأضحى من المستحيل التغلب على الفوارق بين قطاعات الاقتصاد وهي السمة المميزة للراسمالية (2).

مع حلول عام 1964 وصل "الجدل الكبير" في كوبا ذروته ومن ثمّ الى نهايته. فقد أصبح غيفارا أكثر وضوحاً وتألقاً في أفكاره ومفاهيمة وإتسعت الهوة بين نهجه والنهج النقيض، نهج "اشتراكية السوق": دربان في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا يلتقيان. وقد أعطى غيفارا في تلك السنوات عصاره ذهنه وجل جهدة الفكري والجسدي، ولم تستطع القوى المعارضة أن تنال من عزمه او تحرفه عن الطريق الذي إختاره.

كان على القيادة الكوبية ان تضع حداً لهذا الجدل المحتدم، ولا يستبعد ان يكون السوفييت قد لعبوا دورهم ومارسوا ضغوطهم، وكيف لا وهم الذين وفروا لذلك البلد دعماً اقتصادياً كبيراً! ولا شك في أن مثل هذه الفرضيات التي تعزز دور السوفييت في الحد من دور وتأثير غيفارا في كوبا وخارجها، وهو ما يلحظه المرء في مطالعة المصادر والمواقع الاشتراكية والماركسية وخصوصا في فضاء الشبكة العنكبوتية، لا شك انها تجذب إهتمام الكثيرين في صفوف الحركات الاشتراكية والتروتسكية في الغرب الراسمالي وتدغدغ نزعاتهم وعواطفهم، إلا ان الامر يظل في حكم التاريخ الى حين تنقشع الغيوم وتتكشف حقائق جديدة. وفي كل الاحوال، فان الدخول في الجدل حول الدور السوفييتي في المسيرة الثورية اللاحقة لتشى غيفارا، على أهميته، لا يساهم في فهم إرث غيفارا الثوري وفكره الاقتصادي في مرحلة التحول الاشتراكي.

خلاصة القول، ان غيفارا كان قد توصل من خلال دراسته للاقتصاد السوفييتي الى قناعة راسخة بان النمط السوفييتي في التخطيط والاقتصاد السياسي (القائم على نظام التمويل الذاتي)، نمط لا يصلح لمشروع التنمية في كوبا. وبهذا المعنى، فانه لا يجوز فهم نهج غيفارا (في نظام التمويل بالميزانية وغيره من جوانب فكره الاقتصادي) في فضاءه المطلق، بل لا بد من فهمه في سياق البناء الاشتراكي في كوبا وحرصه على بلورة افكاره وبدائله قبل ان يستفحل النمط السوفييتي في مشروع التنمية في ذلك البلد، ومن اجل استدراك آثاره السلبية والضارة على غرار ما حصل في بلدان اوروبا الشرقية.

أهم الفروق بين النظامين:

كما أسلفنا أن غيفارا وجد في "نظام التمويل الذاتي" الذي كان متبعاً في الاتحاد السوفييتي مخاطر كبيرة فعارض تطبيقه في كوبا، وقدم "نظام التمويل بالميزانية" كبديل سعى الى تطبيقه في الاقتصاد الكوبي حيث تقوم بالانتاج وحدات إنتاجية (او مؤسسات أو شركات) منتظمة في قطاعات مختلفة حسب التخصص الصناعي، يكون تمويلها مركزياً وكذلك ضبط وظيفتها وأدائها، أي كجزءٍ من تخطيط مركزي حقيقي (Yaffe 2009، 48 ).

فيما يلي موجز لاهم الفروق في البنية النظرية والتنظيمية بين هذين النظامين نوجزها في مجالات ستة:

1) الشركات أو الوحدات الانتاجية:

- نظام التمويل بالميزانية: تقوم بالانتاج وحدات إنتاجية (او مؤسسات أو شركات) منتظمة في مؤسسات حسب التخصص الصناعي، تمويلها مركزي وكذلك ضبط وظيفتها وأدائها، وهو ما يؤكد خيار دور الدولة لا خيار مدير الشركة أو الوحدة الانتاجية.

- نظام التمويل الذاتي: كل وحدة انتاجية هي كيان ذو هوية قانونية مستقلة وهي المسؤولة عن تمويل ذاتها (3).

2) النَقْد:

- نظام التمويل بالميزانية: يستخدم النَقْد "كوحدة حسابية" وظيفتها مسك الدفاتر والتعبير عن السعر كمؤشر لأداء الوحدة الانتاجية. وضمن هذا الفهم، يكون النقد بيد السلطة التخطيطية المركزية، ويستخدم في دراسات وتحليلات وتخطيط الاجهزة المركزية للدولة. وعليه، فالشركات لا تملك رصيداً ولا صندوقاً نقديا، وليس بمقدورها الاستدانة، ويكون التبادل بضاعياً وليس نقدياً مما يؤسس لإلغاء قانون القيمة.

- نظام التمويل الذاتي: يستخدم النقد هنا كوسيلة للدفع وأيضاً كوسيلة للحسابات ومسك الدفاتر. كما انه يستخدم كآلية غير مباشرة للضبط حيث أنه ضروري للانتاج وتسيير الوحدة الانتاجية. وعليه، فالشركات هنا لها حسابت مصرفية ولديها القدرة على الاستدانة من البنوك.

3) المصارف:

- نظام التمويل بالميزانية: تحتفظ المصارف بما هي مرتبطة مباشرة بالدولة، بحسابات سحب وإيداع للشركات وفق خطة إنتاج وطنية شاملة.

- نظام التمويل الذاتي: علاقة المصارف مع الشركات تشابه الى حد كبير العلاقة القائمة بين المنتج الخاص والبنك الراسمالي، فبمقدور الشركات هنا الاستلاف شريطة إثبات قدرتها على الإيفاء بالديون ووضع خطة مالية / نقدية، إلا ان هذه القرارات تتم وفق خطة وطنية (4).

4) الحوافز المادية والمعنوية:

□ نظام التمويل بالميزانية:

الحوافز المادية، الجماعية والفردية (للعامل كفرد أو لمجموعة عمال في وحدة انتاجية معينة)، هي في الجوهر تنازل ضروري، لا بد منه بحكم الضرورة وفي مرحلة معينة، إلا انها تقتصر على طريقة دفع الاجرة أو دفع المكافأة فقط ولا تشكل رافعة أساسية للانتاج او رفع الانتاجية.

التدريب والتأهيل المهني القسري شرط للترقية في العمل الى وظائف أو مواقع عمل أرقى.

الحوافز المعنوية: تلعب دوراً تقدمياً وأكثر أهمية، إضافة الى كونها حوافز لتنمية الوعي الاشتراكي من خلال آليات العمل الطوعي، ومن هنا كان إصرار تشي على خلق الإنسان الإشتراكي.

□ نظام التمويل الذاتي:

تعتبر المصلحة المادية الذاتية للفرد هي الرافعة الاساسية لزيادة الانتاجية وتنمية القوى المنتجة كشرط لخلق الوعي الاشتراكي.

الحوافز المادية تتحقق من خلال دفع العلاوات (المكافآت المالية) أذا ما أنتج العامل ما يفوق المعدل المتوقع وكذلك كمكافأة للعمال المتفوقين.

5) قانون القيمة:

* نظام التمويل بالميزانية: في مرحلة التحول الاشتراكي يظل قانون القيمة موجوداً بشكل جزئي بسبب رواسب "مجتمع السلع" الراسمالي، إلا انه يتم في الوقت ذاته العمل على نسفه عن طريق الخطة الاقتصادية والتي تشكل النقيض الدياليكتيكي له (anti-thesis) وعن طريق العلاقات الاجتماعية الجديدة.

ليس هناك مقولات سلعية (تبادلات سلعية) في التبادل القائم بين المؤسسات والشركات.

العامل الاساسي في تقويم أداء المؤسسة هو تخفيض الكلفة، كلفة الانتاج، وليس الربح أو تعظيم الربح.

* نظام التمويل الذاتي: التخلف (التقني والثقافي) هو ما يفسر وجود وإستمرار واستخدام قانون القيمة في مرحلة الانتقال الى الاشتراكية.

لا بد من أخذ هذا القانون بالاعتبار في تقييم الخطة الاقتصادية.

العلاقات السلعية تبقى بين كافة الوحدات الانتاجية والمؤسسات والشركات.

الربحية المالية هي المفتاح لتقويم الانتاج وتحفيزه.

6) الأسعار:

□ نظام التمويل بالميزانية:

تبقى أسعار المواد الخام المستوردة ثابتة ومستقرة وفق أسعار السوق العالمية، وهذا كاضطرار للتعاطي مع قانون القيمة الراسمالي العالمي (5).

أسعار منتوجات الشركات الكوبية تتحدد بناءً على الكلفة وليس على أساس الربح، ويجب مقارنتها بالاسعار العالمية التي تعكس الانتاجية العالمية.

يتم تكييف وتعديل "سعر الجملة" وفقاً لاحتياجات المجتمع الاساسية.

□ نظام التمويل الذاتي:

تتحدد الاسعار وفقاً لقانون القيمة.

يتحدد السعر للمستهلك بحسب العرض على السلعة بالعلاقة بالطلب الفعلي.

(الحلقة السادسة):


المحور الثالث: الرأسمالية والامبريالية

□ رشو الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسمالية: ينتقد غيفارا "الدليل السوفييتي" لانه تبنى فهماً ماركسياً كلاسيكياً للعلاقات الطبقية بين البرجوازية والطبقة العاملة، دون إعتبار تأثيرات الامبريالية. وفي هذا الصدد، تركز إهتمام غيفارا في تأثيرات الامبريالية على الطبقة العاملة في البلدان الراسمالية المتقدمة مشيراً الى ان جزءاً كبيراً من هؤلاء العمال يحظون بمستوى معيشة عالٍ على حساب الفقراء من الشعوب المستغَلة. ولم يكن غيفارا في قوله هذا يقصد"الارستقراطية العمالية" فحسب، بل الطبقة العاملة برمتها في البلدان الامبريالية، تلك الطبقة التي تنتفع من الاستغلال الامبريالي ونهب موارد وثروات الشعوب المضطَهدة والمستعمَرة، ومن التقدم التكنولوجي للراسمالية الاحتكارية.

ففي حين اشار "الدليل السوفييتي" الى ان الرأسماليين يهاجمون مستوى المعيشة للطبقة العاملة والتي تنهض بالتالي للمقاومة، فان غيفارا أقام الحجة على ان الامبريالية الحديثة في البلدان الراسمالية "تميل الى ان تتقاسم مع العمال بعض الفتات الناتجة عن إستغلالها للشعوب الاخرى. ومن الناحية الثانية، فان الميل نحو زيادة الانتاج يتطلب زيادة في الاستهلاك والتي يتسنى تحقيقها على نحو مستمر فقط حين تصبح البضائع الجديدة جزءاً أساسيا من حياة العامل، وعليه فانهم [العمال] جزء من تشكيلة قيمة قوة العمل (بضائع مثل المذياع والتلفاز والسينما والاجهزة المنزلية... الخ). (Yaffe 2009، 241).

□ أجور العمال: أعار غيفارا مسألة اجور العمال أهمية كبيرة مذكراً بتحليل ماركس بان هذه الاجور تتجه نحو التدني والذي رأى فيه غيفارا موضوعاً خلافياً: "يبدو لي انه لا بد من دراسة ذلك في أجزاء ثلاث: نزوع الراسمالية نحو تخفيض الاجور، الحاجة لرفع بيع المنتوجات والتي تتجه نحو زيادة قيمة قوة العمل، والامبريالية كنظام عالمي ينزع نحو إفقار البلدان وفي الوقت ذاته إلقاء بعض الفتات للطبقة العاملة [في البلدان الراسمالية م ع ]" (Yaffe 2009، 242). وهذه الظاهرة الاخيرة، حسب غيفارا، تفسر لماذا توقفت جماهير العمال في البلدان الراسمالية عن كونها طليعة الثورة العالمية (6).

في رده على "الدليل"، لم يغفل غيفارا ان الراسمالية تزيد من كثافة العمل دون رفع الاجور، مشيراً الى ميل الراسمالية الاحتكارية نحو الانتاج الآلي (المؤتمت automated) حيث تتحكم الآلات، بدل العامل، بوتيرة الانتاج وحيث تكون تباينات خفيفة عن المعدل الطبيعي للعمل لان وسائل وتكنولوجيا الانتاج الحديث تتطلب من الانسان جهداً جسمانياً أقل.

□ الازمات الاقتصادية: إدعي "الدليل السوفييتي" ان الازمات الراسمالية تبين أن تطور القوى المنتجة في الراسمالية قد تجاوز العلاقات البرجوازية في الانتاج والتي (اي العلاقات) تعيق المزيد من تطور القوى المنتجة.

هنا يتساءل غيفارا: كيف يتسنى النظر الى تاريخ الازمات بالعودة الى الوراء مائتي عام بتقديم مثل هذا العرض والتفسير؟ ويضيف ان هناك "أزمة نمو" تقود الى التركيز الاحتكاري لرؤوس الاموال. والمشكلة عنده تكمن في ان ماركس لم يدرس معنى الازمة دراسة كاملة، إذ لم يتسنى له ذلك ضمن الحقبة التاريخية السياسية التي عاشها، أما السوفييت فقد استمروا باستخدام ذات التعميمات التي جاء بها ماركس.

□ حذر غيفارا من وصف لينين للامبريالية على انها "الراسمالية في مرحلة الاحتضار" وليست مجرد راسمالية احتكارية وطفيلية، ورأى انه ربما الادق ان نستخدم مفردة "راسمالية ناضجة" للتعبير عن انها وصلت الى توقف قدرتها على المزيد من التطور. وقال موضحاً:"...قد لا يكون الرجل في منتصف عمره قابلاً للمزيد من التغيرات الفيزيولوجية، إلا ان هذا لا يعني أنه يحتضر. يصل النظام الراسمالي في مرحلة الامبريالية الى نضوجه الكامل، مع أنه بالرغم من ذلك لم يستنفذ كافة امكانياته في اللحظة الراهنة وما زال يتمتع بحيوية كبيرة" (7). (Yaffe 2009، 242-243) .

□ الانتاج العسكري والعنف ضد الراسمالية: لقد قدر غيفارا تقديراً دقيقاً القوة الانتاجية والعسكرية والسياسية الهائلة للراسمالية. وهو واقع لا يمكن تجاهله في طموحنا وتوجهنا صوب التحول الاشتراكي. وقوة العالم الراسمالي هذه هي التي تحدد سياق النضال من أجل الاشتراكية. وقد صلّب هذا الادراك عند غيفارا من إعتقاده بان الانتقال من الراسمالية الى الاشتراكية عملية لا بد ان تكون واعية ومفروضة بالعنف.

(الحلقة السابعة):


المحور الرابع: المزارع التعاونية السوفيتية (الكولخوزات)

ظهرت المزارع التعاونية الكولخوزات في الاتحاد السوفييتي في أواخر عشرينيات القرن الماضي، وكان من أهم مميزاتها:

1) بان أعضاء المزرعة التعاونية يحصلون على جزءٍ من منتجوها وأرباحها حسب "عدد الايام" التي يقضونها في العمل والانتاج.
2) وبانه يحق لكل عضو ان يملك مساحة معينة من الاراضي ملكية خاصة مع بعض المواشي والتي هي ملكية خاصة أيضاً.

وفي نقده لنظام الكولخوزات، أبدى غيفارا بعض الملاحظات الهامة والتي تغوص الى جوهر النظام الاقتصادي السوفييتي:

□ رأى غيفارا أن نظام الكولخوز هو احدى سمات النظام الاقتصادي السوفييتي وليس من خصوصيات النظام الاشتراكي وبالتالي لا يجوز تعميم هذه التجربة خارج السياق السوفييتي. وقد أعرب عن تذمره من أن "الدليل السوفييتي" كثيراً ما كان يخلط بين فكرة الاشتراكية من ناحية، وما كان يحدث في الاتحاد السوفييتي، من الناحية الاخرى.

□ كان غيفارا يرى ان التحدي الاكبر في التحول الاشتراكي يتمثل على وجه الدقة في الاشكالية التالية: كيف تتحول الملكية الجمعية (لمجموعة من الافراد) الى ملكية إجتماعية؟ هذه هو لب المشكلة كما رآها والتي لم تتصدى لها بلدان الاشتراكية المحققةً. وبدون حل هذا التناقض، وفق ما ارتأى، فان التناقضات الطبقية سوق تبقى وسوف تعيق التحول الى الشيوعية، الى المجتمع اللاطبقي.

يستشهد "الدليل السوفييتي" بقول لينين ان نظام المزارع التعاونية في ظل الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج وفي ظل إنتصار البروليتاريا على البرجوازية هو نظام إشتراكي.

اما غيفارا فقد إعتبر ذلك أحد أكبر أخطاء الاشتراكية للاسباب التالية:

1) قد تشكل ملكية "الجماعات المنتجة" لوسائل الانتاج تقدماً أو خطوة الى الامام اذا ما قورنت باشكال الملكية الراسمالية، أما بالمعايير الاشتراكية فانها تمثل ردة الى الوراء لانها تضع هذه الجماعات المنتجة والمالكة لوسائل الانتاج في تضاد مع ملكية المجتمع لهذه الوسائل.

2) كما أسلفت أعلاه، ان ملكية الارض في الاتحاد السوفييتي ملكية اجتماعية، إلا ان وسائل الانتاج الاخرى التي يملكها المزارعون الكولخوزيون ليست ملكية اجتماعية. ، ناهيك عن إقتنائهم لممتلكات صغيرة اخرى توفر لهم الاحتياجات الغذائية الاساسية وتعمق الفجوة بين المجتمع من جانب، والكولخوزيين من جانب آخر، على الاقل من الناحية الايديولوجية أن لم تكن من الناحية المالية (النَقْدية).

لذا إقترح غيفارا ان تعتبر هذه المزارع شكلاً لمرحلة "ما قبل الاشتراكية" أي الفترة الاولى والمبكرة للتحول الاشتراكي مكرراً إصراره على ان "الملكية التعاونية" ليست شكلاً إشتراكياً.

□ وحيث أن هذه التعاونيات ليست شكلاً من أشكال الملكية الاشتراكية، كما رأى عيفارا، فقد اعتقد انها تمثل بنية فوقية بما فيها من نمط علاقات الملكية والروافع الاقتصادية الراسمالية. كما ذهب الى أن هذا الشكل من التعاونيات يخلق تناقضات في علاقات الانتاج لانه يسمح بنظام ملكية يصطدم بالضرورة مع النظام القائم ومع تنظيم الكولخوز ذاته إذ ينحو المُزارع للتقليل من العمل الجماعي كي يزيد، بالمقابل، من العمل لحسابه الخاص ومنفعته وإنتاجه الشخصي (8).

□ كان موقف غيفارا واضحاً: فنظام الملكية في التعاونيات ونظام الكولخوز سيخلق بنية فوقية راسمالية سوف تصطدم بملكية الدولة وبالعلاقات الاجتماعية الاشتراكية، وسوف تفرض المزيد من منطقها على المجتمع باسره. وفي حين كان هذا النظام أكثر تقدماً من أشكال الملكية الراسمالية الا انه سيعيق تطوير الانماط الاشتراكية.

□ يدعي "الدليل" ان علاقات الانتاج لشكل التعاونيات الكولخوزية يستجيب بالكامل لحاجات ولمستوى تطور قوى الانتاج الراهنة في الريف، وانهم لم يستنفذوا امكانياتهم بل انه بمقدورهم ان يخدموا لوقت طويل خلال مرحلة تنمية قوى الانتاج في القطاع الزراعي.

إلا ان غيفارا كان يعتقد ان المواجهة بين هذا الشكل الجماعي لملكية وسائل الانتاج من جهة، والملكية الاجتماعية لتلك لوسائل من جهة اخرى، أمر لا مفر منه، محذراً من انه عندما يحدث هذا الصدام، والذي ربما يحدث في المستقبل غير البعيد، فانه سيكون للبنية الفوقية القدرة على المطالبة بالمزيد من "الحرية" أي انها سوف تفرض شروطاً يجدر القول بانها ستقود الى عودة الاشكال الراسمالية.

□ لم يرى غيفارا ضرورة للفوارق في الاجور التي كان يتلقاها هؤلاء المزارعون حسب حجم انتاجهم.

□ يصف "الدليل السوفييتي" الطبقة العاملة وفلاحي الكولخوز على انهما "طبقتان" في المجتمع الاشتراكي تتمتعان بعلاقات ودية ولكن لكل منهما موقع مختلف في الانتاج الاجتماعي. أما غيفارا فقد كانت له وجهة نظر مغايرة في هذا الصدد، إذ يقول: "إذا كان فلاحو الكوخوز يُعتبرون طبقة مستقلة بذاتها، فان ذلك عائد الى نمط الملكية التي يتمتعون بها، تلك الملكية التي لا يجوز إعتبارها سمة للاشتراكية، بل هي في الحقيقة مميزة للمجتمع السوفييتي" (Yaffe 2009، 245).

□ فنّد غيفارا إدعاء "الدليل السوفييتي" بان نظام الكولخوز قد أظهر تفوقه على نظام الزراعة الراسمالي، مذكراً أن الانتاجية الراسمالية في اميركا الشمالية تفوق الانتاجية السوفييتية على نحو غير معتاد وذلك بسبب الاستثمار في الزراعة هناك، معيداً الى الاذهان ان الاتحاد السوفييتي إضطر في عام 1963، بسبب تدني الانتاج السوفييتي المحلي، الى شراء القمح من الولايات المتحدة باسعار السوق العالمية. وان إدعاء السوفييت بتفوق مزارعهم ليس سوى "نكتة او محاولة للتغطية على الحقيقة ببضعة كلمات".

(الحلقة الثامنة)


المحور الخامس: قضايا الاشتراكية

□ يورد "الدليل السوفييتي" اقتباسات منسوبة إلى لينين تقول بأنه من الممكن في ظروف تاريخية معينة لبلد متخلف وتحت قيادة الطبقة العاملة ان يتم التطور، من المنظور الاقتصادي والاجتماعي، "بطريقة لا رأسمالية". وتستطيع هذه البلدان المتخلفة ان تلج تدريجياً الى الاشتراكية دون المرور بمرحلة التنمية الرأسمالية، إذ تفسح الثورة الديمقراطية ـ البرجوازية الطريق للثورة الاشتراكية. إلاّ أن غيفارا أبدى شكوكه في أن لينين كان قد استخدم مفردة "طريق لا رأسمالي" مؤكداً انه على المدى البعيد ليس هناك طريق ثالث: فالخيار هو إما الرأسمالية أو الاشتراكية. وفي نقدٍ لاذعٍ لم يتوان غيفارا عن القول: "النظرية تفشل لأنهم [يقصد السوفييت ـ م.ع.] نسوا ان ماركس كان قد وُجد وكذلك نسوا المرحلة السابقة بأكملها فاستندوا الى لينين وحده، بل لا بد من القول على انهم استندوا على جزءٍ واحدٍ من لينين منذ عام 1920 وما تلاه أي السنوات القليلة الاخيرة من حياته لان لينين عاش سنوات عديدة ودرس الشيء الكثير" (9). (Yaffe 2009 235).

□ النظام الاقتصادي الهجين والانهيار السوفييتي: ادعى "الدليل السوفييتي" انه ليس هناك خطر من عودة الراسمالية الى الاتحاد السوفييتي وأن الاشتراكية قد انتصرت هناك بالكامل وبكل تأكيد. أما غيفارا فقد وصف هذا الادعاء بانه "مثير للجدل"، وان "الثورات الاقتصادية الاخيرة" في الاتحاد السوفييتي تشبه تلك التي مرت بها يوغسلافيا عندما اختارت الدرب الذي سيؤدي بها تدريجياً الى الراسمالية. وتابع قوله ان المستقبل سوف يخبرنا اذا ما كان هذا مجرد مصادفة او تعبيراً عن تيار رجعي معين (10). ان هذا كله، حد قول غيفارا، هو جزء من المفاهيم الخاطئة حول الرغبة في بناء الاشتراكية مع الابقاء على بعض العناصر الراسمالية بدون تغيير معاني تلك العناصر، فكانت النتيجة نظاماً هجيناً يوصلنا في النهاية الى طريق مسدود أو الى مخرج لا نعرف مآله يفرض بدوره تنازلات جديدة لصالح الروافع الاقتصادية، والتي تمثل بعبارة اخرى، تراجعاً.

□ ولوج الاتحاد السوفييتي إلى الشيوعية: أما ما جاء في "الدليل السوفييتي" من أن الاتحاد السوفييتي قد دخل مرحلة الانتقال من الاشتراكية الى الشيوعية، فقد اعتبره غيفارا مخالفاً للنظرية الماركسية ومنطق العصر لسببين رئيسيين:

1) انه في ظل الظروف الراهنة وتطورات السوق العالمية، فان الشيوعية، إن قامت، فستقوم على قاعدة الاستغلال وعدم الاكتراث بالشعوب التي يتم التبادل التجاري معها.
2) ان تخصيص الموارد الهائلة لتمويل الدفاع العسكري لن يسمح للتطور الكامل نحو الشيوعية.

وفي حين ادعى السوفييت والتشيكيون (في تلك الآونة) إنهم قد اجتازوا هذه المرحلة، أنكر غيفارا هذا الادعاء، ورأى انه من الناحية الموضوعية، إدعاء زائف حيث ما زالت الملكية الخاصة موجودة في كلا البلدين. ويكمن الخطأ، حد رأيه، في ان الاقتصاد السياسي الجديد لم يكن قد اكتمل وأن هذه العملية برمتها لم تكتمل دراستها بعد. وعليه، تم تقديم ما توصل اليه الاتحاد السوفييتي على انه "القوانين المفترضة" للمجتمع الاشتراكي والتي توفر الأجوبة الجاهزة على كافة إشكاليات ومعضلات مرحلة التنمية الاشتراكية.

□ بشّر "الدليل السوفييتي" انه من الممكن الوصول الى الاشتراكية سلمياً ومن خلال الطريق البرلماني، أما غيفارا فعارض ذلك ودحض إمكانية حدوثه بل تحدى السوفييت إثبات ما يدعونه.

□ فيما يخص التنمية الاشتراكية للاقتصاد أكد "الدليل السوفييتي" ان القانون الاقتصادي الأساسي في الاشتراكية هو: أن الإنتاج يكون لتحسين الحياة المادية للعمال ومستواهم الثقافي... ويتم الوصول الى ذلك عن طريق التوسع السريع والمتواصل للصناعة والتطبيق الكامل للتكنولوجيا المتقدمة.

أما رد غيفارا فكان أن هذا الطرح هو أضعف نقطة في الاقتصاد السياسي الاشتراكي وقد يصلح لان يكون حديثاً أو شعاراً أخلاقياً في برنامج سياسي لحكومة بروليتارية، إلا انه لا يتسم بأي طبيعة اقتصادية. ولو كان لنا ان نفترض وجود قانون اقتصادي أساسي لكان التخطيط هو ذلك القانون بعينه، داعياً الى فهم التخطيط على انه "الفرصة الأولى المتاحة للإنسان للسيطرة على القوى الاقتصادية"، مما يعني أن القانون الاقتصادي الأساسي، حد قوله، هو ذلك القانون القادر على تفسير وإدارة القوانين الاقتصادية لتلك الفترة.

□ يسرد "الدليل السوفييتي" عدداً من "القوانين الاقتصادية الاشتراكية" والتي خالفهم غيفارا فيها الرأي. فعلى سبيل المثال يزعم "الدليل السوفييتي" بان الإنتاج متواصل دون تقطع لان الإنتاج حر من الأزمات ولا يتأثر بها. أما غيفارا فرأى أن هذا فهم مثالي، ودليل ذلك تلك المشاكل التي واجهتها بلدان أوروبا الشرقية وأزمة القمح في عام 1963، وذهب الى أن الإنتاج يمكن أن يتقطع ويتعطل بشكل خطير وقد كانت هناك أزمات وفترات ركود في الإنتاج حتى وإن كانت أسبابها ناجمة عن أخطاء (11).

ـ في حين يقر "الدليل السوفييتي" بضرورة التماثل بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، وجد غيفارا في هذه المقولة ما يناقض ما قاله "الدليل" في مكان آخر بأنه بمقدور بعض البلدان التي لم تصل الى الرأسمالية المتطورة ان تصل الى الاشتراكية.

□ يرى "الدليل السوفييتي" ان التنمية متناغمة مع الموارد الاقتصادية، وقد وافق غيفارا على صحة المقولة ولكنه وجدها غامضة إذ أنها لا تحدد معنى التنمية المتناغمة.

□ يطالب "الدليل السوفييتي" العامل بالعمل على رفع إنتاجية العامل بشكل مستمر. أما غيفارا فقد لمس في ذلك إساءة كبيرة لانه ذات الميل الذي ما فتئ يدفع بالرأسمالية منذ قرون. ورأى ان السعي الى زيادة الإنتاجية عن طريق الحوافز الفردية يعني السقوط الى ما هو أدنى من الرأسماليين وهو ما يضاعف استغلال العامل، ورأى أن الحل لمسألة رفع الإنتاجية يكمن في التكنولوجيا، فهي التي توفر القفزات الكبيرة في النوعية فيما يتعلق بالإنتاجية.

□ ادعى "الدليل السوفييتي" ان التراكم الاشتراكي يتطلب استثماراً منتظماً لجزءٍ من الدخل القومي في ميزانية الإنتاج. وفي هذا وجد غيفارا قانوناً رأسمالياً أيضاً ولكنه يأخذ، هذه المرة، زياً مختلفاً. فالوصول الى الشيوعية لا يمكن أن يتحقق عن طريق وضع أهداف تتمثل في تأمين "الخبز والبصل" (يقصد توفير الاحتياجات الأساسية للسكان)، بل ان ما يوصلنا الى الشيوعية هو مستوى ثابت من تنمية القوى المنتجة ومستوى متطور من وعي الجماهير ووضع ملكية وسائل الإنتاج في أيدي المجتمع.

□ فيما يتعلق بالتوزيع (دفع الأجور)، كان "الدليل السوفييتي" قد اكتفى بدفع أجور العمال حسب مقدار عملهم (أي بمقدار إنتاجهم). وقد وصف غيفارا هذه الأطروحة بانها غامضة وغير دقيقة فيما يتعلق بالواقع الراهن وطرح أسئلة مثل: ما هو مقدار العمل الذي يستثمره جنرال، على سبيل المثال، أو مدرّس أو وزير أو عامل؟

لقد آمن لينين في كتابه "الدولة والثورة" بالفكرة الماركسية التي تسعى إلى تحقيق المساواة في الرواتب بين العمل اليدوي والمكتبي، إلا ان ذلك للأسف لم يتم تحقيقه. أما غيفارا فقد ساهم بين عامي 1962 ـ 1964، في مشروع صياغة وإقرار جداول للرواتب في كوبا، تضمنت بالطبع فروقاً في الرواتب والأجور، إلا ان هذه الجداول كانت تتجه نحو تناغم الأجور والمكافآت والذي يعتبر خطوة أساسية في نسف مفعول قانون القيمة وسلعنة قوة العمل.

كان غيفارا يرى في الرواتب اعتراف المجتمع بان الأفراد قد أكملوا واجبهم الاجتماعي أما "الدليل السوفييتي" فلم ير مشكلة في أن تتفاوت الرواتب في قطاعات اقتصادية معينة حيث يتقاضى بعض العمال أجوراً أعلى، وهو ما اعتبره غيفارا مناقضاً لقانون التوزيع وفق العمل المنجز، مستخلصاً ان هذا كله ليس سوى نتيجة لفشل الحوافز المادية، إنه "هزيمة الاشتراكية".

□ يذكر "الدليل السوفييتي" ان أحد القوانين الاقتصادية في البناء الاشتراكي هو زوال التناقض التناحري بين التراكم والاستهلاك. ورد غيفارا بان هذا التناقض قد يكون تناحرياً، إلا انه يظل تناقضاً هاماً ويجب أخذه بعين الاعتبار في الخطة الاقتصادية السنوية.

□ يقول "الدليل السوفييتي" في معرض مناقشته مفهوم الخطة، ان الجماهير تتنافس من أجل تجاوز خطط التنمية. اما غيفارا فقد خالف هذا الرأي، وذهب الى ان هذا لم يتحقق لا في الاتحاد السوفييتي ولا في كوبا ولا في اي بلدٍ آخر. بل ذهب الى ما هو أبعد: ان معالجة التخطيط ككيان آلي يغفل حقيقة أن التخطيط هو المرحلة الأولى من نضال الإنسان من أجل السيطرة والتحكم بشؤونه: "نستطيع القول ان فكرة التخطيط هي حالة روحية ذات شرطين هما ملكية وسائل الإنتاج والوعي بالقدرة على توجيه الأمور".

□ لقد دافع "الدليل السوفييتي" عن استخدام النقود والاستدانة لضمانة الاستثمار من أجل تنفيذ الخطة الإنتاجية، كما استخدم السوفييت آليات الاستدانة (القروض) والربح والتراكم للتغلب على النزعات المضادة للتخطيط، وذلك عن طريق الحوافز المادية. أما غيفارا فقد طالب بعكس هذه العملية. فعلى الجماهير بدايةً ان تشارك في رسم الخطة، أما بعد إقرارها (الخطة) فينبغي العمل بكل صراحة على تنفيذها وبالآلية الممكنة باستخدام عملية الضبط والرقابة بالتكنولوجيا. من هذا كله، خلص غيفارا الى أن "الدليل السوفييتي" لا يفهم الخطة ولا يتعامل معها كقرار اقتصادي للجماهير الواعية بدورها.

□ الخطة والحوافز المادية: كان السوفييت يرون أن الحوافز المادية تقرر نجاح الخطة. وفي هذا رأى غيفارا جموداً وموقفاً معادياً للماركسية، إذ رأى انه من حق الجماهير ان تشارك في صنع قرارها فهي التي تقرر مقدار ما يذهب من إنتاجها الى التراكم من جهة، والى الاستهلاك من جهة أخرى، ويتم هذا عن طريق استخدام التقنيات الاقتصادية بالإضافة الى وعي الجماهير. هذا هو، حسب غيفارا، ما يضمن تحقيق الخطة (12).

□ كرر غيفارا خلال ملاحظاته نقده لنظام التمويل الذاتي الذي كان معتمداً في الإدارة الاقتصادية السوفييتية والذي كان غيفارا قد تناوله علناً وفي العديد من مقالاته المنشورة خلال "الجدل الكبير" لانه يستخدم طرائق رأسمالية كروافع اقتصادية للتنمية (مثل الحوافز المادية، الربح، الاستدانة، الفائدة، القروض المصرفية، تبادل السلع، المزاحمة، الضبط المالي واعتماد قانون القيمة ومفعوله).

□ كان غيفارا يرى ان المشكلة تكمن في "النظام الهجين" المتبع آنذاك في الاتحاد السوفييتي الذي ظهر مع السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب) والتي كان يجب العدول عنها بعد وفاة لينين. أما ما حدث فقد كان عكس ذلك، إذ تفشى هذا النظام وتم اعتماده في الاتحاد السوفييتي، ولاحقاً في البلدان الاشتراكية في أوروبا الشرقية.

□ يقول "الدليل السوفييتي" بصراحة ووضوح ان السياسة الاقتصادية الجديدة (نيب) هي التي ضمنت انتصار الاقتصاد الاشتراكي على الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي. أما رد غيفارا فكان ان هذه السياسة كانت واحدة من أكبر الخطوات إلى الوراء في الاتحاد السوفييتي. وقد قارنها لينين في حينه بمعاهدة السلام برست ـ ليتوفسك (13) والتي كانت قراراً صعباً جداً. واذا كان لنا ان نحكم من خلال الشكوك التي اثارها لينين والتي أضحت جلية في نهاية حياته، فانه يمكننا القول انه لو قدر للينين ان يبقى على قيد الحياة لبضع سنوات لكان قد صحح من آثارها المغرقة في رجعيتها. إلا ان خلفاء لينين لم يروا الخطر الذي بقي "كحصان طروادة" في الاشتراكية، اي الحوافز المادية المباشرة كرافعة اقتصادية.

□ انتقد "الدليل السوفييتي" فرضية ستالين بان توزيع السلعة في ظل الاشتراكية يمثل كسراً في تنمية القوى المنتجة مما يؤدي في النهاية الى الحاجة لتبادل السلع المباشر بين الصناعة والزراعة. ويتابع "الدليل" قوله بان ستالين فشل في تثمين، بالقدر الكامل، "مفعول قانون القيمة في مجال الإنتاج وخاصة فيما يتعلق بوسائل الإنتاج" (Yaffe 2009, 249).

وبالرغم من مسؤولية ستالين في زرع الروافع الرأسمالية، فان غيفارا اعتبره "أقل رجعية" من مؤلفي هذا "الدليل":

"في الأخطاء المفترضة التي ارتكبها ستالين يكمن الفرق بين الموقف الثوري والآخر المرتد. لقد رأى [ستالين] الخطر في العلاقات السلعية وحاول تجاوز هذه المرحلة بتدمير أولئك الذين قاوموه. أما القيادة الجديدة، فعلي النقيض من ذلك، استسلمت لدوافع البنية الفوقية وعززت النشاط التجاري منظرةً بان الاستخدام التام لهذه الدوافع الاقتصادية سيؤدي بهم الى الشيوعية" (Yaffe 2009, 249).

أما حول الأصوات القليلة التي عارضت هذا النهج الجديد، وأسباب ندرتها ووهنها، فقد قال غيفارا إنها إنما تدل على جريمة ستالين التاريخية: "التقليل من قدر التثقيف الشيوعي ومأسسة لثقافة منفلتة في الحكم (للسلطة)".

□ يقول "الدليل السوفييتي" أن الحوافز المادية تستخدم للجمع بين المصالح الفردية وحاجات المجتمع دون ذكر للحوافز المعنوية (الأخلاقية). أما غيفارا فقد قارن نهج "الدليل السوفييتي" الى ما يحدث للعامل في ظل الرأسمالية حيث تتفاوت مصلحته في عمله بقدر ما يتفاوت أجره، مكرراً قناعته بان الإنسان في ظل الاشتراكية لا يعمل من اجل ذاته بل من أجل المجتمع الذي هو جزء منه، كما انه يعمل لان العمل واجب اجتماعي: "الواجب الاجتماعي للفرد، لا معدته، هو الذي يحدد مسلكيته في الإنتاج. وهنا تكمن مهمة التثقيف" (Yaffe 2009, 248).

وعليه، وجد غيفارا أن الخطأ يكمن في الأخذ بالحوافز المادية بمعناها الرأسمالي وحسب، ثم خصيها بعد ذلك. أما التحدي، في رأيه، فيكمن في استخدام الحوافز المعنوية من خلال التثقيف كي يتم ربط العمال بمشروع البناء الاشتراكي واستخدام العقوبات (الغرامات) الاقتصادية في حالة عدم تحقيق الإنتاج، وكذلك استخدام المكافآت المادية والمعنوية لتحقيق المزيد من الإنتاج ورفع المهارات التقنية (عن طريق التدريب الفني والتعليم الأكاديمي).

mail@kanaanonline.org

الهوامش:


1- عُين غيفارا يوم 7 اكتوبر 1959، أي بعد عشرة أشهر من إنتصار الثورة الكوبية، مديراً "لبرنامج التصنيع" في "المعهد الوطني للاصلاح الزراعي"، ثم تحولت دائرته هذه في اواخر فبراير 1961 الى "وزارة الصناعة" وعين وزيراً لها.
2- من هنا شدد جيفارا على ضرورة التخطيط المركزي، وإن اسماه التمويل بالميزانية، ووقف ضد إنفصال المشاريع عن بعضها مقودة بحافز الربح دون أن يحمل مشروع مشروعا آخر في حالات معينة.
3- وهذا ما سمح للمدراء في الاتحاد السوفييتي بلعب دور على مستوى المشروع وليس على مستوى اقتصاد الدولة ككل، وبالطبع ولد الحوافز المادية، ولاحقا النومنكلاتورا.
4- هنا أيضاً يكمن التناقض بين الخطة الوطنية والخطة الشركاتية.
5- إلتقط الاقتصادي الفلسطيني د. عادل سمارة حالة مماثلة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987) والتي تمثلت في مقاطعة المنتوجات الصهيونية والتوجه نحو التنمية الفلسطينية المحلية بالحماية الشعبية، فأطلق على هذه الحالة إسم "قانون القيمة الوطني" كخطوة للفكاك مع قانون القيمة الاحتلالي الصهيونية والعالمي.
6- تجدر هنا ملاحظة أن الرأسمالية بطبيعتها ذات مصلحة في دفع أجور ضئيلة، رأسمالية الأجر الأدنى. وتتجلى رأسمالية الأجر الأدنى هذه في الأزمات الاقتصادية كما هي اليوم ولا سيما في الولايات المتحدة. وهذه بالطبع ظاهرة تتناقض مع الكينزية والفوردية اللتين كانتا وراء ازدهار فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
7- لذا لعل من الأدق الحديث عن العولمة كطور أعلى حتى اللحظة- للرأسمالية، اي أنها لم تتوقف عند الإمبريالية. راجع عادل سمارة في Samara 2005: 1-25.
8- ليس العمل الزراعي اجتماعيا بدرجة العمل الصناعي، وهذا ما أعطى الكولخوز هذه الفرادة في علاقات الإنتاج وحتى "الملكية". ولذا، فالحل هنا هو غالباً في الزراعة الموسعة والممكننة مما يقلل الاعتماد على الفرد بما يؤهله كي يملك.
9- المقصود هنا بالسنوات التي تلت عام 1920 هو بالطبع السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP – New Economic Policy) والتي تم العمل بها في الاتحاد السوفييتي كحل عملي لمشاكل محددة والتي (اي السياسة الجديدة) حددها لينين بوضوح على انها اشتملت على تنازلات كبيرة للآليات الراسمالية وخطوة الى الوراء على طريق البناء الاشتراكي ـ م.ع.
10- سبق هذا وصول ميخائيل جوربيتشيف الى السلطة في الاتحاد السوفييتي بعشرين عاماً، أما نتائج البريسترويكا وما تلاها من إنهيار الدولة والتجربة السوفييتية، فهو أمر لا يخفى على احد.
11- يعود هذا الفهم السوفييتي الى ما زعمه، بل جادل بشأنه، ستالين من ان الطلب يكون اقل من العرض في مرحلة بناء الاشتراكية نظرا لضعف القوة الشرائية، ثم جاء خروشتشيف وأثبت بطلان ذلك.
12- يقترب تشي غيفارا في هذا من نمط التسيير الذاتي الذي أخذت يوغسلافيا تسعى اليه من أوائل الخمسينيات من القرن الماضي وبعد القطيعة بين تيتو وستالين والنزوع الى الابتعاد عن النمط السوفييتي في التنمية الصناعية والاقتصادية والبحث عن بديل في البناء الاشتراكي. وكانت يوغسلافيا من أوائل الدول التي زارها غيفارا (ضمن جولة في مايو ـ يونيو 1959) وأبدى آنذاك اهتماماً خاصاً بتوجهها نحو مشاركة العمال في عملية الإنتاج وإدارة الوحدات الإنتاجية والتخطيط الاقتصادي.
13- دفعت ضرورة الحفاظ على بقاء الجمهورية السوفييتية الناشئة لينين إلى توقيع اتفاقية بريست ليتوفسك سنة 1918 بالرغم من أنها كانت في الكثير من جوانبها لصالح الإمبريالية الألمانية.



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك