الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
إضاءات على فكر تشي غيفارا الاقتصادي ورؤيته المبكرة للانهيار السوفييتي (9 - 11/ 11)
|
29 - 05 - 2010
د. مسعد عربيد |
(الحلقة التاسعة)
المحور السادس: العلاقات الطبقية
□ الصراع الطبقي: تذمر غيفارا من فشل السوفييت في التمييز بين الرأسمالية ما قبل الاحتكارية من جهة، وتلك الاحتكارية من جهة أخرى، والذي أدى إلى فهم خاطئ للتناقضات الطبقية بين الطبقة العاملة والبرجوازية. وكان قد نبه غيفارا الى وجهة النظر الصينية التي تقول ان تناقضاً جديداً قد ظهر بين الشعوب المضطهَدة والأخرى المضطهِدة وهذا هو الذي ينبغي أن يحدد إستراتيجية القوى التقدمية.
وعلى خلاف ما جاء في "الدليل السوفييتي" حول الصراع الطبقي، نقد غيفارا الأطروحات التي وردت فيه مشيراً الى عدد من القضايا ولافتاً النظر الى ضرورة ترسيخ بعض المفاهيم الهامة نذكر بعضها:
1) لقد حولت الاستثمارات الأجنبية الطبقة العاملة في البلدان التابعة (الشعوب المضطَهدة) الى منتفع نسبي مقارنه بطبقة الفلاحين التي لا يأبه أحد لحالتها المتردية.
2) مع أن البرجوازية الوطنية لعبت تاريخياً دوراً تقدمياً في نضالات التحرر الوطني، إلاّ أن الرأسماليين الوطنيين اليوم يقيمون تحالفا مع الامبريالية خاصة في بلدان أفريقيا وأميركا اللاتينية (1).
3) لم تقم الثورة في الصين وفيتنام وكوبا بقيادة البروليتاريا المتحالفة مع الفلاحين. وفي الحالة الكوبية، كانت الحركة المتعددة الطبقات هي التي تجذرت لاحقاً بعد الاستيلاء على السلطة.
4) لا تتحد الطبقة العاملة في الدول المتطورة في نضالها مع حركات التحرر الوطني في جبهة مشتركة ضد الامبريالية، فقد أصبح العمال في البلدان المتطورة متواطئين مع الامبرياليين الذين يلقون إليهم ببعض الفتات من استغلالهم للشعوب والنهب الامبريالي لمواردها. أما البؤساء الحقيقيون في أغلب البلدان النامية فهم الفلاحون الذين فقدوا أراضيهم. هؤلاء هم القوة الحقيقية للثورة (2).
5) هناك القليل من الأدلة على أن بلدان الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية استطاعت إزالة التفاوتات بين المدينة والريف. فالهدف، وفق ما ذهب اليه غيفارا، ينبغي ان يكون انصهار المدينة والريف لا التحالف بينهما، لان الاشتراكية ليست ديكتاتورية متعددة الطبقات بل هي دكتاتورية البروليتاريا إعداداً ووصولاً الى محو الطبقات وإقامة المجتمع الشيوعي اللاطبقي.
6) تزداد الطبقة العاملة في البلدان الامبريالية قوةً من حيث تماسكها وتنظيمها، ولكن ليس من حيث وعيها. فقد خلقت الامبريالية شرخاً في موقف العمال في البلدان الرأسمالية: تنظيم قوي ووعي متنامٍ بالاستغلال الطبقي على المستوى المحلي فقط، ولكن دون أممية بروليتارية على الصعيد الخارجي، الصعيد الدولي. وهو ما يفسر، على الاقل حتى اللحظة، لماذا لم يعد هؤلاء (بروليتاريا البلدان الامبريالية) الطليعة الثورية.
7) لقد شاعت الانتهازية في أجزاء كبيرة من الطبقة العاملة في البلدان الامبريالية فيما يتعلق بعلاقتهم مع الدول التابعة، لذا نستطيع ان نصف جماهير العمال في الدول القوية والغنية بالارستقراطية العمالية مقارنه بعمال البلدان الضعيفة.
□ النقابات العمالية: ادعى "الدليل السوفييتي" ان النقابات العمالية في ظل الاشتراكية منظمات جماهيرية (شعبية) هامة لها الحق في مراقبة أداء الدولة لإكمال مهمتها وحماية القوانين. أما غيفارا فقد ردّ بان النقابات، بالطريقة التي يتم تنظيمها لا معنى لها، وبانها جاءت نتيجة وضع خاص في الاتحاد السوفييتي في لحظة تاريخية معينة ثم تم استنساخها لاحقاً في البلدان الاشتراكية الأخرى. وذهب غيفارا الى انه في مجتمع استولت فيه البروليتاريا على السلطة، فان هذا الذراع للصراع الطبقي، أي النقابات، يجب أن يزول أي ان تحل هذه النقابات نفسها، لان بقائها أو الابقاء عليها يتسبب في مشكلتين:
1) بقرطة الحركة العمالية.
2) تعميق الفوارق بين العمال حيث ان المعونات الاجتماعية تتباين بناءً على ثروة كل نقابة والتي تقوم هي الاخرى على الفوارق التي لا زالت قائمة بين اجور العمال (3).
□ الصراع الطبقي والعنف: ادعى "الدليل السوفييتي" أن ديكتاتورية البروليتاريا ليست بالضرورة "حرباً طبقيةً عنيفة". وفي رده، على هذا الادعاء، اتهم غيفارا اطروحة "الدليل" هذه بالانتهازية:
1) لان ديكتاتورية البروليتاريا في رأي غيفارا هي نظام عنف ضد البرجوازية. ومن الواضح ان حدة الصراع تعتمد على مقدار مقاومة المستغِلين، إلا أن الصراع ليس بأي حال من الأحوال "أرجوانياً"، ولو كان كذلك لتم ابتلاعه.
2) ولان الاشتراكية، في فهم غيفارا وإطار تحليله، هي دكتاتورية البروليتاريا، بينما الشيوعية هي محو الطبقات الاجتماعية، فقد دفع به هذا الى الاستهزاء بالذرائعية التي تحدث بها "الدليل السوفييتي" والتي حاولت التقليل من أهمية العنف المتأصل في الصراع الطبقي.
□ في حين تحدث "الدليل السوفييتي" عن التأديب الأخوي والواعي للعامل (فرض النظام)، وجد غيفارا ان هذا التأديب والنظام كان مفروضاً بالقوة في المجتمع الطبقي، بما فيه المجتمع الاشتراكي، باستخدام أساليب قسرية مقترنةً بالتثقيف الى ان تصبح عملية التأديب عملية عقوبة تلقائية. ولكي يكونوا متناغمين مع أنفسهم، يقول غيفارا قاصداً السوفييت، فقد وضعوا الحوافز المادية كعامل تأديبي، وهي في الحقيقة كذلك، بالرغم من أنها تناقض التثقيف الشيوعي وفق الأسلوب الذي تطبق به حالياً.
□ خلص "الدليل السوفييتي" إلى ان الدولة، في ظل الشيوعية، ستظل ضرورة كي تدافع عن الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي الأخرى من العدوان الامبريالي، وهي مقولة رفضها غيفارا بحسم: "أولاً، هل يمكن للشيوعية ان تقوم في بلدٍ واحدٍ فحسب؟ ثانياً، إذا كان من الضروري ان تقوم الدولة بالدفاع عن البلد، فان هذا سيكمل مهمة ديكتاتورية البروليتاريا، أم أنها شيء آخر أو تغيّر في النظرية. ان مثل هذه القضايا لا يمكن طرحها (ولا حلها) في فقرة منفردة لأي "دليل" مهما كان. هناك العديد من الاطروحات في هذا "الدليل السوفييتي" والتي تظهر على "شكل معادلة الثالوث المقدس، لا يتيسر فهمها، إلا ان الإيمان بها سيقدم الحل" (Yaffe 2009، 253).
□ في حين ركّز غيفارا في تحليله للعلاقات الطبقية على آثار الامبريالية على الشعوب المضطهِدة (بالكسر) ومجتمعاتها، والشعوب المضطهَدة (بالفتح)، والعلاقة بين الشعوب المضطَهدة والمضطِهدة، فان "الدليل السوفييتي"، بصيغته الميكانيكية للماركسية الأرثوذوكسية، قد تجاهل هذا النهج بالكامل.
(الحلقة العاشرة)
المحور السابع: العلاقات الدولية
□ المباراة الاقتصادية والتعايش السلمي: انتقد غيفارا ما أسماه السوفييت "الأطروحة اللينينية" التي دعا إليها الاتحاد السوفييتي في التعايش السلمي والمباراة الاقتصادية (economic emulation) مع الدول الرأسمالية المتقدمة أو الامبريالية: يقول: "هذه واحدة من أخطر أطروحات الاتحاد السوفييتي. فمن الممكن قبولها كاحتمال غير عادي، إلا انه لا يمكن لها ان تصبح الدافع الرئيسي للسياسة. وحتى في هذا الوقت فان الجماهير عاجزة عن إيقاف الحرب في فيتنام وهي تخرج في تظاهرات بسبب دموية تلك الحرب. ان بطولة الشعب الفيتنامي هي القادرة على فرض الحل، أما سياسة الاسترخاء، من الناحية الثانية، فقد عززت العدوان اليانكي [على فيتنام]" (Yaffe 2009، 253).
□ المواجهة الشاملة مع الامبريالية: في رسالته إلى الترايكنتينانتال Tricontinental (منظمة التضامن مع شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية) والتي نشرت في 16 ابريل 1967، أكد غيفارا على:
ـ أن الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية كنظام عالمي؛
ـ وعليه، فمن الضرورة محاربتها في مواجهة عالمية واسعة وطويلة المدى؛
ـ على الدول الاشتراكية ومؤيديها أن يوحدوا جهودهم في كفاحهم ضد عدو الإنسانية المشترك: الإمبريالية الأميركية؛
ـ في هذا الكفاح العظيم فإن المهمة التاريخية لشعوب العالم الثالث تكمن في القضاء على قواعد ومراكز وجود الامبريالية في الدول النامية، هذه القواعد التي تشكل مصادر الربح والمواد الخام والأسواق لتصريف السلع القادمة من بلدان المركز. هذه القواعد التي تخضع اليوم إلى "تبعية مطلقة"؛
ـ الضرورة الملحة لإستراتيجية عالمية للحرب ضد الامبريالية تكون قادرة وفعالة في دعم طليعة البروليتاريا العالمية: فيتنام (4).
Guevara Reader 2003، 350-362
□ التواطؤ مع الامبريالية: اتهم غيفارا، في خطابة في الجزائر (25 فبراير1967)، الاتحاد السوفييتي "بالتواطؤ الضمني مع الامبريالية". وفي حين كان هذا التصريح صفعة للسوفييت، إلا انه شكل أيضاً خروجاً عن كافة البروتوكولات التي سادت العلاقات بين دول المعسكر الاشتراكين خاصة إذا أخذنا بالاعتبار طبيعة وخصوصية العلاقات السوفييتية ـ الكوبية والدور الذي كان يعوّل السوفييت على كوبا القيام به في أميركا اللاتينية والعالم (Anderson 1997، 625).
وقد أثار ذلك حفيظة القيادة السوفيتية وحدد بوضوح الموقف السوفييتي تجاه غيفارا مما تجلي لاحقاً في العلاقة معه وفي مواقف الحزب الشيوعي البوليفي (الذي كان يأتمر بتعليمات موسكو) "وتقاعسه" من تقديم العون والإمدادات لغيفارا أثناء معاركه في أدغال بوليفيا حيث استشهد.
□ فيما يتعلق بالأبعاد الاقتصادية، المباراة الاقتصادية في ظل التعايش السلمي، فقد اتفق غيفارا مع أطروحات "الدليل السوفييتي" بان الشيوعية تفترض وجود الوفرة والرخاء، إلا انه عارض القول بان الشيوعية تتميز بالضرورة بإنتاجية تفوق الإنتاجية الرأسمالية ولم يرَ ضرورة لمثل هذه المقارنة المتزمتة مع الرأسمالية للأسباب التالية:
1) لان السباق المتواصل مع التقدم الرأسمالي مسألة مقارنة آلية تجعل من الشيوعية تغييراً كمياً ومتقلباً باستمرار في مجاراته ومنافسته للرأسمالية.
2) لان مثل هذه المقارنة هي موقف انهزامي حيال الرأسمالية تدمر روح الجماهير ومعنوياتها.
3) وأخيراً، لان السباق مع الرأسمالية طموح سطحي وخطير وأحادي الجانب، لان الرأسمالية لا يُؤتمن لها.
بالنسبة لغيفارا، فان التحدي الذي يواجه الاشتراكية لا يكون بالفوز في السباق مع الرأسمالية أو منافستها، بل في حل التناقض القائم بسبب الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والعمل على ضمانة التثقيف الشيوعي.
□ ادعى "الدليل السوفييتي" بان التعايش السلمي والمباراة الاقتصادية يقوي المعسكر الاشتراكي في صراعه مع العالم الرأسمالي، ويجر الدول التابعة للحاق بالدرب الاشتراكي من خلال العلاقات الأخوية، والدعم الاقتصادي والتبادل التجاري النزيه، إلا أن غيفارا أنكر وجود أية براهين تثبت صحة هذا الادعاء.
العلاقات والتعاون بين الدول الاشتراكية:
□ يقول "الدليل السوفييتي" ان الدولة الاشتراكية تميزت، من حيث تنظيم العلاقات الاقتصادية، بالتخطيط الاقتصادي والدعم المتبادل بين بلدان المعسكر الاشتراكي. وفي رده، أكد غيفارا صحة هذه الأطروحة نظرياً، إلا انه وجد في الواقع القائم ان الشوفينية قد حلت محل الأممية، (شوفينية القوى الكبرى والصغرى) أو بالخضوع للاتحاد السوفييتي، والحفاظ على الفوارق بين دول أوروبا الشرقية، أي أنه كان يرى في مثل هذه المواقف تنكراً لأحلام شيوعيي العالم.
□ ادعى "الدليل السوفييتي" ان التنمية الاقتصادية في الدول الاشتراكية تعزز العلاقات بين هذه البلدان في اتجاه مضاد للرأسمالية. إلا ان غيفارا رد بأنه حتى في ظل الاشتراكية أيضاً فانه يمكننا، من الناحية النظرية، إثارة مشكلة التنمية غير المتكافئة. فقد فرضت الممارسة العملية مشكلة التناقضات المستفحلة غير القابلة للحل والتي اتخذت في بعض الأحيان طبيعة أيديولوجية ولكنها كانت دائماً ذات أرضية مادية واقتصادية. وكان من نتائج هذه التناقضات المواقف التي اتخذها كل من الاتحاد السوفييتي والصين ورومانيا وكوبا حيال المشاكل التي يبدو أنها في الظاهر غير مرتبطة بالاقتصاد. وهنا قدم غيفارا أمثلة من الصراعات التي كانت قائمة بين الاتحاد السوفييتي والصين للتدليل على خطأ الادعاءات التي جاء بها "الدليل السوفييتي"، مضيفاً إلى "أن هناك العديد من المشاكل الأخرى التي لم تطفُ على السطح إما لأسباب تكتيكية أو بسبب الخوف" (Yaffe 2009، 255).
□ كان غيفارا يرى ان مثال الكوميكون (مجلس الدعم الاقتصادي المتبادل) Council for Mutual Economic Assistance CMEA، الذي كان قائماً آنذاك بين الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى، يعري كذبة ان الدعم الاشتراكي المتبادل قائم بين دول متساوية لان أساس سعر السلع المتبادلة تجارياً بين هذه البلدان كان يستند الى أسعار السوق العالمية والتي كانت مشوهة بالتبادل غير المتكافئ، وهو ما وفر المزيد من الأرباح والإثراء للدول المتقدمة صناعياً في حين كان كارثة على البلدان التي تصدر المواد الخام.
□ خلص غيفارا، من تجربته مع الدول الاشتراكية بقطبيها الرئيسيين، الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، والتفاوض معهما حول وسائل الدعم الاقتصادي والعسكري، خلص الى أن سياسات هذه الدول الاشتراكية تفتقر إلى الأممية. فقد أنّبهم لفرض شروط للتبادل التجاري مع الدول الفقيرة في سوق هيمنت عليها الامبريالية، معيباً عليهم أنهم لم يقدموا الدعم غير المشروط، بما فيه الدعم العسكري، للدول الفقيرة ولنضالها وخاصة في الكونغو وفيتنام (Besancenot 2009، 113).
□ عارض غيفارا بشدة فرض الفوائد على القروض التي تقدمها الدول الاشتراكية لبلدان اشتراكية أخرى، بنفس القدر الذي عارض فيه فرض الفوائد على القروض التي تحصل عليها الشركات داخل كوبا ذاتها، بل اعتبره عملاً غير أخلاقي بغض النظر عن قيمة الفائدة. بالإضافة، رأى ان البلدان الاشتراكية عجزت عن توفير الدعم للبلدان النامية بل أبرمت اتفاقيات مع هذه البلدان على أساس قانون القيمة (يقصد الأرباح وفرض الفائدة على هذه القروض). بالرغم من نقده هذا، كان غيفارا يثمّن الدعم الذي لقيته كوبا من الاتحاد السوفييتي والصين.
ولم يتردد غيفارا في التعبير عن رأيه بان القروض التي قدمها السوفييت لدول العالم الثالث كانت تجني فائدة وتعود بالربح على السوفييت، تماماً كما يحصل في ظل النظام الرأسمالي. ولهذا حاول، عندما تولى إدارة البنك المركزي ولاحقا كوزير للصناعة، الحد من أرباح البنوك من القروض التي يقدمونها للشركات مما وفر للصناعات الناشئة القدر الأكبر من السيولة المالية. (Besancenot 2009، 25).
□ طالب غيفارا بنظام يقوم على المساواة في علاقات التبادل التجاري بين الدول الاشتراكية: "فمن الضروري خلق مؤشرات إنتاجية تفرض على البلد الأكثر تطوراً أن يبيع السلع بسعر أرخص وأن يشتريها بسعر أعلى من الدول [الاشتراكية] الأقل تطوراً". لان هذا من شأنه ان يساوي من وتيرة النمو بين البلدان المتقدمة والأخرى المتخلفة. فمثل هذا التضامن الأممي الذي لا يسعى إلى مصلحة أنانية أو آنية، هو التعبير الأسمى عن الوعي الاشتراكي (5). (Yaffe 2009، 255).
(الحلقة الحادية عشر)
(3)
خاتمة:
لقد اتسم نقد غيفارا للنمط والسياسات السوفييتية في كثير من الأحيان بالقسوة، إلاّ انه تميز وانفرد، في سياق تلك الحقبة، بالراديكالية والوضوح والأمانة العلمية والثورية. غير أن غيفارا لم يفعل ذلك بدوافع ذاتية أو استجابة لنزوات شخصية، بل:
1) لأنه كان ثائراً شيوعياً وماركسياً ذا ديناميكية نادرة وبذهنية منفتحة ورافضة للجمود العقائدي وكافة القوالب الفكرية المتزمتة والمتخشبة. ولان فكره كان في حركة مستمرة، أصبحت المسلمات لديه، كافة المسلمات وفي كل الأوقات، موضع شك وتساؤل وتمحيص. لذا رفض غيفارا أن يسقط في الصنمية للسوفييت أو لأية أيديولوجية مغلقة.
2) ولأنه رأى مخاطر النمط السوفييتي واستشرف مبكراً خطورة انهياره وعودة الرأسمالية إلى ذلك البلد.
3) ولأنه كان أممياً رافضاً لمواقف السوفييت المتواطئة مع الامبريالية الرأسمالية واللامبالية بنضال شعوب الأرض وفقراء العالم.
يمكننا، في الخلاصة، إيجاز ما سعى غيفارا لتحقيقه من خلال نقده للنموذج السوفييتي في النقاط الرئيسية التالية:
□ ضرورة العودة إلى المبادئ والمفاهيم الماركسية الأساسية والتي اعتبرها ثابتة وصحيحة.
□ تمحورت أوجه خلافه مع النمط السوفييتي والأوروبي الشرقي حول الجوانب الاقتصادية والإنتاجية، وتجلياتها الاجتماعية والإنسانية، التالية:
ـ دور قانون القيمة، واعتباره قانوناً مؤقتا للتنمية الاقتصادية في مرحلة التحول الاشتراكي والعمل على نسفه.
ـ اعتبار السلعة أساس النظام الإنتاجي.
ـ وسائل التحفيز (الحوافز المادية والمعنوية) والتوزيع.
ـ نقده للامتيازات التي حظي بها مدراء الشركات والمصانع.
ـ نقده اعتماد معايير السوق في العلاقات الاقتصادية بين الدول الاشتراكية.
□ إن استخدام الاتحاد السوفييتي للآليات الرأسمالية والتخلي عن الحوافز المعنوية والتثقيف الشيوعي، قد خلق نظاماً هجيناً في ذلك البلد، وبالمثل في بلدان المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية. فقد اصطدمت البنية الفوقية الرأسمالية مع البنية الاشتراكية وأعاقت التنمية الاشتراكية والانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية، كما أن استنزاف الموارد في التكلفة العسكرية الضرورية للدفاع ضد العدوانية الامبريالية، كان عائقاً إضافياً للتحول الاشتراكي.
□ يكمن الهاجس الرئيسي والدائم لدى غيفارا في أن الافتقار إلى التحليل النظري يحرمنا من تحليل العملية الدياليكتيكية الجارية، وبالتالي يستعصي حل التناقضات، وان تسنى حلها فغالباً ما يكون جزئياً أو مؤقتاً وعن طريق تقديم التنازلات لصالح قانون القيمة والآليات الرأسمالية التي تهدد بعودة النمط الرأسمالي للإنتاج.
□ انتقد غيفارا السوفييت، التجربة والنمط، ورفض أن يكون الاتحاد السوفييتي مرجعيةً وحيدة للماركسية والاقتصاد السياسي في مرحلة التحول الاشتراكي، كما رفض أي نمط آخر، ودعا إلى الخروج من مأزق المحاكاة لأي منها. وهو ما تشير إليه كافة مواقفه وطروحاته وممارساته حتى لحظة استشهاده.
□ ناضل من أجل الحفاظ على الاستقلالية الفكرية والتنموية للتجربة الكوبية، بل وتجارب كافة الشعوب، وحقهم بالمبادرة والاجتهاد في بناء الاشتراكية، أي حقهم في صياغة تجربتهم دون تبعية صنمية للنمط السوفييتي.
نقد غيفارا: الراهنية والدلالات
بعد عقدين من انهيار الاتحاد السوفييتي والجمهوريات الاشتراكية في أوروبا الشرقية، يكتسب نقد غيفارا للنمط السوفييتي وسياسات أنظمة "الاشتراكية المحققةً" الذي كتبه قبل أكثر من أربعة عقود، أهمية خاصة لا من الناحية السياسية والتاريخية فحسب، بل من منظور رؤيته المبكرة لأسباب هذا الانهيار ومساهمته في صياغة بديل للبناء الاشتراكي في كوبا وبلدان العالم الثالث. فبالرغم من ان هذا النقد ظل مطموساً لأربعين عاماً، إلا انه لم يصبح مشهداً من التاريخ أسدل عليه الستار، بل ما زلنا نعيش راهنيته وحدة تناقضاته، وما زلنا ندفع ثمن انهيار القطب الاشتراكي وتداعياته التي ألقت بظلالها الثقيلة على الإنسانية والاشتراكية فكرةً ومشروعاً وحلماً.
صحيح أن القضايا المطروحة عبرت عن الصراعات والتناقضات التي كانت محتدمة خلال ستينيات القرن الماضي، إلا أنها ما زالت ماثلة أمامنا، بطبيعتها وحدتها وتداعياتها، وربما بدرجة أفظع في كافة تجليات التناقض الأزلي بين الرأسمالية والإنسانية. من هنا، تكتسب دراسة أفكارا غيفارا هذه الأهمية والراهنية لانها في الجوهر والأساس معركة من أجل الحفاظ على الوعي الإنساني والوطني والاشتراكي والشيوعي أيضاً. هي "معارك الأفكار" كما يسمونها في الخطاب الكوبي، معارك الوعي والفكر، وهي الركيزة الأساسية لأي مشروع مناهض للامبريالية والرأسمالية.
لنا ان نختلف مع غيفارا أو أن نشاطره الرأي، إلا ان نقده لـ"الدليل السوفييتي" شكّل، يقيناً، الخطوة الأولى لمساهمته في صياغة نظرية حول الانتقال إلى الاشتراكية والبحث عن حلول لمشاكل وإشكاليات البناء الاشتراكي وكسر الجمود العقائدي والتبعية للنمط السوفييتي اللذين هيمنا على تلك الحقبة.
تساؤلات:
هل يجوز القول بان غيفارا "تنبأ" بانهيار الاتحاد السوفييتي؟
لم يكن غيفارا عالماً اقتصادياً، إلا انه درس الماركسية واستنار بمبادئها. ومن خلال التجربة اليومية والممارسة العملية، التقط، ربما قبل غيره من زعماء تلك الحقبة، أن النمط الاقتصادي الذي اتبعه السوفييت كان يأخذهم بعيداً عن مفاهيم ماركس وأنجلز في بناء الاشتراكية فلم يدخر وسعاً ولا توانى عن التصريح برأيه والدفاع عنه.
غني عن القول إن ما "تكهن" به غيفارا في منتصف ستينيات القرن الماضي قد تأكدت صحته اليوم. نعم، لقد انهار الاتحاد السوفييتي وعادت الرأسمالية إليه والى كافة البلدان الاشتراكية في أوروبا الشرقية. إلا ان الأهم، هو ان هذا "التكهن"، كان نتيجة منطقية لرؤية نافذة مبكرة ولنهج علمي في تحليل الاقتصاد السياسي السوفييتي، وهو ما أوصل غيفارا إلى التحذير من أن الانهيار قادم لا محالة إذا لم تتغير السياسات.
لا شك أن غيفارا كان يمتلك حدساً نقدياً قوياً، إلا أن مواقفه كانت تنبع أيضاً من رؤيته الشمولية للاشتراكية والشيوعية ولمستقبل الإنسانية. وربما هنا يكمن بيت القصيد: فالإنسان، لدى غيفارا، هو موضع الثورة الأساسي، هو جوهرها وغايتها. إلا أن هذا الإنسان ذاته هو أيضاً وسيلة تلك الثورة وفاعلها الرئيسي. من هذا المنظور يتسنى لنا أن نفهم "تنبؤ" غيفارا: فقد رأى أن نظاماً اشتراكياً لا يتيح المرونة والتنوع للتعامل والتطبيق في بيئات مختلفة، ويفتقر إلى القدرة على التعامل مع خصوصيات متباينة، ولا يقدم قيماً جديدة "لإنسان" ومجتمع جديدين، ويهدر طاقته وموارده في محاولة محاكاة ومباراة نقيضه الرأسمالي بل يطمح الى السباق مع المراكز الرأسمالية... هكذا نظام لا مستقبل له.
وبعد، تبقى هناك أسئلة أخرى:
لماذا بقيت مخطوطة غيفارا في نقد "الدليل السوفييتي" طي الكتمان لأربعة عقود طويلة؟
وهل إخفاؤها دليل أهيمتها وحساسية ما تضمنته؟
وماذا لو رأت النور في حينها، ماذا سيكون أثرها؟
وقد يسترسل المرء، ولو من باب الرغائبية، في تساؤل أصعب: ماذا لو ظل غيفارا على قيد الحياة وأنجز مشروع كتابه الطموح ونشر أفكاره وطروحاته؟ ماذا ستكون مؤثراتها على الاتحاد السوفييتي ومجمل المسيرة الاشتراكية آنذاك؟
تبقى الإجابة على هذه الأسئلة، في جزءٍ كبيرٍ منها، بحكم التاريخ. إلا انه لا يساورنا الشك في أن مخطوطته هذه التي نشرت بعد أربعين عاماً، وغيرها مما لم يرَ النور بعد، كانت ستشكل تحدياً كبيراً لمكانة ومصداقية "الدليل السوفييتي"، وربما لمكانة ومرجعية الاتحاد السوفييتي كمنارة للاشتراكية وكقائد للعالم الاشتراكي في تلك الآونة.
لو رأت النور، لأثارت أطروحات غيفارا الكثير من الجدل وفتحت آفاق الحوار الأممي، الذي كان يتوق إليه، حول بديل للاقتصاد السياسي في مرحلة التحول الاشتراكي في الدول الاشتراكية والعديد من الثورات الناشئة التي سلكت الدرب ذاته.
يبقى الكثير مما ينبغي قوله، لذا فلا بد لنا من عودة.
mail@kanaanonline.org
الهوامش:
1- جدير بنا هنا ان نضيف الأنظمة الكومبرادورية العربية أيضاً.
2- أكدت الأحداث صحة هذه القراءة. انظر آثار العولمة الرأسمالية على أوضاع الفلاحين في بلدان العالم الثالث كما في المكسيك على سبيل المثال وغيرها العديد من بلدان أميركا اللاتينية وخصوصاً في أعقاب إبرام الاتفاقيات الاقتصادية النيوليبرالية واتفاقيات التجارة الحرة والمناطق الصناعية الحرة مع الغرب الرأسمالي على غرار اتفاقية نافتاNAFTA وما شابه.
3- من هذا المنطلق نلحظ أن غرامشي أيد السوفييتات لا النقابات.
4- تفتح دعوة غيفارا هذه إلى العودة الى مناقشة المصادر المبكرة للأممية الثورية (1919 ـ 1924) في السنوات الأخيرة لحياة لينين وقبل ان يتولى ستالين قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي واتجاهات السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي خلال عقود الحقبة الستالينية.
5- بدأت كوبا منذ أوائل سبعينيات القرن المنصرم بمثل هذه الممارسات وهو ما ميّز الثورة الكوبية، التي أخذت منذ ذلك الحين تقدم كافة أشكال الدعم العسكري والتعليمي والطبي للدول الفقيرة في كافة أنحاء العالم من أنغولا الى فنزويلا الى نيكاراغوا.
أهم المراجع:
1- Che Guevara Reader: Writings on Politics and Revolution، Second Expanded Edition، Ocean Press، Australia، 2003.
2- Helen Yaffe، Che Guevara: The Economics of Revolution، Palgrave Macmillan، London، 2009.
3- Olivier Besancenot and Michael Lowy، Che Guevara: His Revolutionary Legacy، Translated by James Membrez، Monthly Review Press، New York، 2009
4- Jon Lee Anderson، Che Guevara: A Revolutionary Life، Grove Press، New York، 1997.
5- Adel Samara، Beyond De-Linking: Development by Popular Protection vs. Development by State، Ramallah، Occupied Palestine، 2005.
6- عادل سمارة، "الاتحاد السوفييتي من الثورة إلى الانهيار، وروسيا إلى النهوض الرأسمالي الدولاني"، مجلة "كنعان" الفصلية، العدد 135، ص 50 ـ 83. كما يستطيع القارئ مطالعة الدراسة في موقع "كنعان" على الرابط التالي: http://kanaanonline.org/studies/?p=3