الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
مقالات في الأدب والنقد
حجم الخط: + -
البستاني: القصة تحتمل كلّ شيء إلا الاستسهال والرداءة والتسطيح
|
05 - 06 - 2010
عزيزة علي |
يرى القاص د. هشام البستاني أن التوثيق والسيرة الذاتية تضيفان إلى السرد عمقا آخر يؤدي إلى اشتباك الحقيقي بالمتخيل.
ويؤكد أن هذا النوع من الكتابة يتطلب بذل جهود كبير من البحث وقراءة المراجع المختلفة.
البستاني الذي صدرت له مجموعتان قصصيتان؛ "عن الحب والموت" و"الفوضى الرتيبة للوجود"، يعتقد أن القصة القصيرة تمتلك أدوات حادة ومثالية لمقاربة المواضيع الوجودية المعقدة.
مجموعة "الفوضى الرتيبة للوجود"، الصادرة حديثا، يقول إن عنوانها يشي بمضمونها، فهي تنشغل بالمسائل الوجودية الكبرى، وخصوصاً دور الإنسان المركزي في خراب العالم وتدميره. ويقول "العالم والوجود في حالة فوضى، ولا يمكن فهم الظواهر إلا من خلال علاقاتها اللاخطية"، محيلا إلى "نظرية الفوضى" الفيزيائية.
ويرى أن قصصه هي "قصص الفضيحة: المنعزل في غرفته أمام التلفاز ظانّاً أنه مركز الكون، أستاذ الجامعة الذي يتحرّش بطالباته، الزعيم الذي يتسلل إلى كل التفاصيل، مشاريع المال التي تدفن عراقة المدينة، المنتحر الذي لم يزوّجوه حبيبته لاختلاف الدين، الانقسامات الإقليمية والطائفية، موت غزّة المشهديّ ببثّ حيّ ومباشر، الإقليمية والعنصرية والانقسامات الصغيرة بين أفراد المجتمع الواحد".
أما أبطاله فهم لا يجدون ضالتهم، ويظلّون يبحثون عن سبب، "وكيف يجدونه وعمّان تخلع بيوتها القديمة تحت وقع أقدام الأبراج العالية؟".
يقول إن في قصصه تنتهي كذبة العالم وتبدأ رحلة الاكتشاف: اكتشاف الإنسان لحقيقته العارية من دون رتوش، "ولهذا فقد أهديت كتابي إلى ذلك الواقف في المرآة، يبحث عن عُريه خلف الأسئلة".
الأطروحة الأساسية ل"الفوضى الرتيبة للوجود"، كما يراها البستاني، هي أن على الإنسان أن يتواضع كثيراً أمام اتساع وروعة وجمال الكون المترامي الأطراف.
ويرى البستاني أن على الأدب كلّه، ومنه القصة طبعاً، أن يضيف شيئاً إلى العالم، سواءً من ناحية الجماليات أو اللغة أو المحتوى. ف"الكتابة التي لا تضيف لا داعي لها، وستكون كتابة مكرّرة ومملة وفارغة".
ويبين أنه يكتب على مستويات متعددة في الشكل والموضوع، وكتابته ليست توثيقاً ولا سيرة ذاتية، فهو يعمد إلى إدخال حوادث تاريخية في بنية النص القصصي، كذكريات من عمّان الخمسينيات، وجزء من تجربته أثناء محاولته ضمن وفد "مثقفون أردنيون من أجل غزة" الدخول الى غزة من خلال معبر رفح.
ويؤكد أن إدخال الأحداث التاريخية أو الواقعية ضمن بنية السرد لا تحوّل المجموعة القصصية الى توثيق أو سيرة ذاتية، بل تضيف الى السرد عمقاً آخر هو تشابك الحقيقي مع المتخيّل، وهو أمر شائع جداً في الرواية التاريخية، مثل "عزازيل" ليوسف زيدان أو "آلموت" لفلاديمير بارتول أو روايات أمين معلوف ودان براون.
ويؤكد "القصة تحتمل كلّ شيء إلا الاستسهال والرداءة والتسطيح والسذاجة والتعبيرات والبُنى المدرسية"، فالقصّة، في نظره، هي سرد مكثّف قريبة جداً من الشعر.
ويقول "أنا من الذين يهتمون بالشكل واللغة في كتابتهم، حتى إن عناية جابر اتهمت مجموعتي الأولى بأنها تهتم باللغة أكثر من القصة، وهذا في الواقع غير دقيق".
البستاني يعتبر أن القصة هي جدل الشكل والموضوع واللغة، فهناك لغة معينة وشكل معيّن يخدمان موضوعاً معيّناً والعكس. وتطبيقاً لما يعتقده من أن القصة شعر السرد، فإن مجموعته الجديدة "الفوضى الرتيبة للوجود" تحاول أن تدفع بهذه المقولة خطوات جديدة من حيث اللغة الشعرية. وفي قصة "أوركسترا"، وهي آخر قصص المجموعة، يذهب في لعبة الشكل/ الموضوع/ اللغة إلى نهايتها: فتتكون القصة، مثل السيمفونيات الموسيقية، من مجموعة "حركات"، وتتصاعد موسيقى اللغة من الحركة الأولى إلى الثانية من خلال اللغة والصور الشعرية، لتنفجر في الحركة الثالثة والأخيرة عبر نص شعري بالكامل، وتأخذ اللغة شكلها الموسيقي الأعلى في الشعر.
في بعد آخر، يدخل البستاني في مجموعته الأولى مفاهيم علمية ضمن بنى النص القصصي، وهو مشروع تابعه في المجموعة الجديدة، فنرى عناصر من علوم الفيزياء والبيولوجيا التطورية والكوزمولوجيا تتحرك داخل بنى السرد، وعلى الخصوص في قصص مثل "سقوط حر في مرآة مهشمة" و"غبار النجوم" و"كأس من الفودكا على شاطئ البحر".
هناك أيضاً استكمال لمشروع محاولة إدخال الحركة الى النص، فنرى السرد تارة يشبه الكاميرا السينمائية، وتارة يندمج مع أنصاف أجساد الشخصيات في رقصة تانجو. كما يستكمل محاولة استحضار السينما والموسيقى داخل النصوص، ويحاول للمرّة الأولى توريط القارئ مباشرة في النص، قصة "المثقفون"، ليصبح القارئ جزءاً من لعبة السرد وموضوعه ومتورطاً فيهما.
ويعترف البستاني بأنه مدين لأساتذة كبار عديدين شكّلوا وعيه وأدواته الكتابية والفكرية وشجّعوه على الاستمرار، خصوصا الروائي المصري صنع الله إبراهيم.
ويؤكد أنه كان يكتب القصة القصيرة منذ العام 1997 ولا ينشرها، بل يقرؤها على بعض الأصدقاء بين حين وآخر. وحين ألح عليه بعضهم بضرورة نشرها، كان لا بد له من التأكد من صلاحيتها الأدبية، "فأنا لا أريد أن أنشر أدباً مكرراً أو لا يستحق"، لذلك دفع بالمجموعة لصنع الله إبراهيم، فقرأها كاملة وأرسل له جواباً من أربعة أسطر: "عزيزي هشام، شكراً على ثقتك التي أتاحت لي وقتاً ممتعاً، وهي مفاجأة فعلاً، فقد تابعت كتاباتك ولم أكن أتصور أنك تكتب القصة أيضاً. القصص جميلة وتنفذ الى القلب فوراً لأن اللغة رائعة: قوية ومتماسكة، وكذلك البناء، وتلك "الرومانسية الجديدة" المشبعة بها. تهاني قلبية على الكتاب القادم".
يؤكد أن هذه الأسطر كانت كفيلة بأن يسعى لنشر الكتاب مع دار الفارابي في بيروت، "فيما شرّفني صنع الله إبراهيم بأن قدّم للمجموعة"، وهو أمر أعاد الى ذاكرته كيف يتصرّف الكبار في الأدب، فرواية صنع الله الأولى "تلك الرائحة" قدّمها القاص الكبير يوسف إدريس.
مثل هذه التصرّفات النبيلة تستدعي نقيضها أيضاً، وهو ما يتمثّل في موقف رابطة الكتاب الأردنيين من قبول عضويته العام 2009. فبعد أن أصر عليه أصدقاء من الرابطة بضرورة أن يصبح عضواً فيها، قدم طلباً لم يتم الرد عليه أبداً، ما أدى به إلى توجيه كتاب إلى الهيئة الإدارية للرابطة سحب بموجبه طلب العضوية، وطالب بفتح تحقيق حول واقعة إخفاء الطلب.
عمان: hbustani2@yahoo.com