الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
الوضع الراهن للثورة الاشتراكية
|
12 - 06 - 2010
الأفق الاشتراكي |
[حوارات فكرية هو باب من أجل الحوار حول القضايا السياسية الشائكة. لم نعتقد بأن الملفات التي تتناول موضوعاً محدداً تفي بهذا الغرض، لأنها تبدو كتجميع لمقالات، ربما كانت وجهات النظر فيها مختلفة وأحياناً متناقضة لكنها لا تمثل سوى رصف لآراء مختلفة في ملف، تتجاور لكنها لا تتضمن حرارة الحوار والنقد والتفكيك.
أردنا هذا بالتحديد: الحوار الذي يعني النقد والتفكيك، لأن تعارض أو تناقض وجهات النظر وتقاطعها يبدوان واضحين في هذه العملية. وحيث يكون من الضروري تجاوز المنطق الصوري الذي يؤسس لنشوء الرأي والرأي الآخر النقيض، نحو تحليل خلل منهجية الموقف، وتفسير أساس صحة آخر.
نأمل المشاركة بحوارات فكرية].
موضوع الحوار: الوضع الراهن للثورة الاشتراكية
مقدمة:
رغم الميل الجارف المناهض للرأسمالية، والشعور بضرورة تجاوزها، يطرح السؤال حول ممكنات تحقيق الاشتراكية. هل هي النمط الممكن لتجاوز الرأسمالية؟ وهل هي ممكنة التحقيق؟
فلا شك في أن الهجوم الواسع الذي بدأ الرأسمال به بعيد انهيار المنظومة الاشتراكية، والذي اتخذ مستويات متعددة: اقتصادية عبر فرض الليبرالية "الجديدة" كقيمة مطلقة، وعسكرية عبر توسيع الحروب، والعمل على التدخل العسكري في مناطق عديدة، لكن بالأساس عبر الاحتلال كما حدث في أفغانستان والعراق. هذا الهجوم أشّر إلى مدى الوحشية التي باتت لصيقة الصلة بالرأسمال والطغم الرأسمالية. حيث التدمير من أجل منع التطور، وحيث النهب العنيف المنظم لكل المجتمعات.
إذن، ستبدو الرأسمالية في أوج وحشيتها، وبالتالي أليس من المنطقي أن تكون الاشتراكية هي البديل الوحيد؟ خصوصاً وأن كل رأسمالية تفعل ذلك، أن ذلك هو جزء من تكوين الرأسمالية. وحيث أن رأسمالية المراكز تسعى من أجل ألا تكون الصناعة ممكنة البناء في الأمم التي جاهدت هي ذاتها من أجل منعها من أن تتحول إلى دول صناعية، لكي تظل مجال تصريف سلعها، وأيضاً لضمان الحصول على المواد الأولية.
لهذا يبدو الوضع وكأنه يشير إلى ضرورة كنس الرأسمالية وبناء الاشتراكية. هذا جزء من الصورة، وهو الجزء الواضح، المكشوف، البادي للعيان. لكن هل أن تحقيق الاشتراكية هو أمر ممكن؟ وكيف نحدد ذلك؟ وبالتالي إذا لم يكن ممكناً ما هو البديل؟ الرأسمالية الإنسانية" مثلاً؟
هذا ما سوف نتناوله تالياً. لكن يمكن التأكيد منذ البدء على ضرورة تجاوز الرأسمالية، حيث ليس من حلول للمشكلات التي يعيشها العالم في ظل استمرار وجودها، على العكس من ذلك فإن المشكلات سوف تتفاقم، وخصوصاً الحروب والمجاعات وتهديد البيئة، والأمراض الخطرة، والفقر، والتخلف، ونشوء الأصوليات والعنصرية والتمييز. ومن ثم ما هو هذا السياق ل"ما بعد الرأسمالية"؟
هذا هو الوضع الذي توضح منذ نشوء الرأسمالية، وكان المحرّض للدعوة إلى الاشتراكية، لكنه اليوم معمم عالمياً ولم يعد منحصراً في الأمم التي انتقلت إلى الحداثة الرأسمالية فقط. لهذا يطرح السؤال: هل أن الاشتراكية هي البديل الراهن؟
سوف نبدأ من فرضية الاشتراكية عبر تمحيص ممكنات تحقيقها، على ضوء التكوين العالمي الراهن، وانطلاقاً منه. وصولاً إلى تحديد البديل الممكن في الوقت الراهن.
الماركسية ومسألة طابع الثورة:
ارتبط تحقيق الاشتراكية بنشوء الرأسمالية وانتصارها، حيث نشأت الطبقة العاملة، منتجة فائض القيمة عبر العمل، وحيث أصبح التناقض هو بين الطابع الخاص لوسائل الإنتاج والطابع الاجتماعي للعمل (1)، من خلال سيطرة الطبقة العاملة على السلطة. الأمر الذي جعل انتفاء الملكية الخاصة هو التحقيق الفعلي للاشتراكية. وهذا ما بلوره ماركس وإنجلز، وهما مؤسسا النظرية التي أصبحت أساس رؤية الطبقة العاملة ، ومبلورة أيديولوجيتها. وهي النظرية التي طرحت تصورها لواقع النمط الرأسمالي ولتناقضاته، وبالتالي لآليات تجاوزه نحو الاشتراكية.
في هذا الوضع ارتبطت الماركسية بالطبقة العاملة، التي كان ماركس يعتقد أنها تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى أغلبية مع تقلّص الفئات المالكة، نتيجة تمركز الثروة . كما ارتبط بهما تحقيق الاشتراكية في الأمم "المتمدنة"، أي تلك التي أصبحت أمماً رأسمالية. وعلى ضوء ذلك طرح ماركس وإنجلز توحيد نضالات الطبقة العاملة في كل الأمم "المتمدنة" من أجل تحقيق الاشتراكية . وهو ما أدى إلى تأسيس عصبة الشيوعيين ، ثم الأممية الأولى والثانية.
وكان يُنظر إلى الأمم المتخلفة من زاوية أن الرأسمالية تجرفها نحو المدنية ، ونصوص " البيان الشيوعي" واضحة في هذا المجال (2). أي أن عالمية الرأسمالية تفرض تمدين تلك الأمم، بإدخال الرأسمالية إليها. كما اعتقد ماركس /إنجلز، بعد أن توصلا إلى أن الرأسمالية لا تقوم بهذا الدور المتمدين، بأن انتصار الاشتراكية في الأمم المتمدنة سوف يؤدي إلى مساعدة تلك الأمم على الانتقال إلى الاشتراكية.
وبالتالي كانت الثورة الاشتراكية هي هدف الطبقة العاملة في الأمم الرأسمالية أساساً، وكانت مهمتها هي إلغاء الملكية الخاصة وتأسيس ديكتاتورية البروليتاريا . وكانت الرؤية تقوم على أن العالم كله يترسمل بفعل التوسع الرأسمالي، بما فيه الأمم المخلفة. وأن الثورة الاشتراكية باتت راهنة في الأمم المتمدنة، وعلى انتصارها يتوقف مصير العالم .
هذه الرؤية تضعضعت نهاية القرن التاسع عشر، في روسيا تحديداً، البلد المتخلف الإقطاعي. حيث لمس لينين عجز البرجوازية عن تحقيق الانتقال إلى الرأسمالية، فاعتبر أن " الثورة الديمقراطية برجوازية الطابع " باتت من مهمات الطبقة العاملة ، حديثة النشوء ،والمتمركزة في المدن في محيط فلاحي معدم (3). الأمر الذي جعله يشير إلى "تحالف العمال والفلاحين" من أجل تحقيق تلك الثورة (4).
ولقد تواصلت الماركسية الصينية (الماوية) وماركسية الهند الصينية مع هذه الرؤية . لكنها لم تصبح هي الرؤية الماركسية السائدة رغم ضخامة الدور الذي لعبته في مناطق واسعة من العالم، حيث ظلت التروتسكية تتمسك بتصور تروتسكي القائل بالثورة الاشتراكية، والثورة الدائمة، على الضد من رأي لينين. كما عاد ستالين وأعاد إنتاج الرؤية القديمة للثورة الاشتراكية متماهياً مع رؤية الأممية الثانية (كاوتسكي، بليخانوف ) ، الداعية إلى تحقيق التطور الديمقراطي البرجوازي في الأمم المخلفة .
وبهذا تبلورت خيارات ثلاثة تعايشت في إطار الماركسيين من كل الاتجاهات ، الأول: وكان هو السائد ، وهو ما تعمم مع الماركسية السوفيتية ، والذي ينطلق من أن المرحلة في الأمم المتخلّفة هي مرحلة الثورة الديمقراطية ، ولكن المقادة - وفق الصيرورة الأولى للانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية- من قبل البرجوازية ذاتها . وتتحدّد مهمة الحزب الشيوعي في دعم التطور الرأسمالي وليس تجاوزه. رغم أن التحديد العام لطبيعة المرحلة على الصعيد العالمي يتمثل في الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية نتيجة انتصار الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، والتناقض الرئيسي الذي بات يحكم العالم على ضوء الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية. وكان ذلك يظهر تناقضاً عميقاً بين الخاص (القومي) والعام (العالمي)، لكنه كان يحل من خلال تحويل شعار الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية إلى شعار دعاوي " مستقبلي".
الثانية : وكانت خياراً هامشياً (نقول ذلك لأن القوى التي حملته ظلت محدودة العدد والفعل)، وهو الخيار الذي تعمم مع المدرسة التروتسكية ، حيث كانت الثورة الاشتراكية هي الهدف، مكمَّلة في الأمم المخلّفة ببرنامج إنتقالي يعالج القضايا الباقية من الثورة الديمقراطية، لكن في إطار الاشتراكية. أي التي تتحقق في سياق تحقيق الاشتراكية عبر تحقيق ديكتاتورية البروليتاريا، وليس قبلها . وإذا كان الخيار الأول ينطلق من المهمات التي هي مهمات ديمقراطية، فإن هذا الخيار ينطلق من "مشروع" الطبقة العاملة، الذي هو تحقيق الثورة الاشتراكية .
الثالث: وهو الخيار الذي ارتبط بالماوية، لكن أيضاً بماركسية الهند الصينية، والذي يقوم على رفض الخيارين السابقين، ويؤسس لرؤية استقت جذورها من لينين، وتقوم على أن المهمات المطروحة هي مهمات ديمقراطية، لكن عجز التطور الرأسمالي فرض أن تلعب الطبقة العاملة (وبالتالي الحزب الشيوعي ) دوراً محورياً في تحقيق هذه المهمات، خصوصاً وأن هذه الطبقة باتت هي الأقدر على التوحد وعلى توحيد الطبقات الأخرى بفعل دور الحزب الماركسي. من هنا كان ضرورياً تحقيق الثورة الديمقراطية قبل الانتقال إلى الاشتراكية، لكن في إطار طبقي مختلف عما كان عليه الوضع إبان انتصار الرأسمالية. رغم أن هذه التجارب أعلنت الانتقال إلى الاشتراكية حالما انتصرت ، ووصل الحزب الشيوعي إلى السلطة (كما حدث في روسيا من قبل).
ولقد أدى انهيار المنظومة الاشتراكية إلى الميل نحو تكريس الخيار الذي ينطلق من مفهوم الثورة الديموقراطية كثورة برجوازية محض، وبالتالي التأكيد على دعم انتصار الرأسمالية. ولهذا مالت قوى عديدة نحو التمسك بالليبرالية، وبالدفاع عن الخيار الليبرالي. خصوصاً وأن التفسير الذي أعطي لانهيار المنظومة الاشتراكية قام على "خطأ لينين"، أي على رفض خيار لينين الذي دعا لان يحقق الماركسيين "الثورة الديمقراطية برجوازية الطابع"، لان "التطور الطبيعي" يفرض أن تنتصر الرأسمالية وأن تتعفن قبل أن يكون ممكناً الانتقال إلى الاشتراكية، لأنه حينها يتحقق الانتقال حتماً ، أي دون فعل البشر، وهو الأمر الذي دفع كل المتحولين إلى الليبرالية إلى شن هجوم شامل على "إرادوية لينين"، رغم أن جل هؤلاء ممن كان يتمسك بخيار ستالين المنوه إليه سابقاً وليس بخيار لينين.
بينما تمسك التروتسكيون بفكرتهم الأساسية القائلة بأن الثورة هي ثورة اشتراكية لكن ببرنامج انتقالي، ورغم انهيار النظم الاشتراكية ظلوا يكررون الفكرة ذاتها، على العكس فقد اعتبروا بأن سياساتهم كانت هي الصحيحة .
ولهذا باتت الإجابة على سؤال : ما هي الأسس التي تسمح بتحديد طبيعة الثورة؟ باتت مسألة ملحة. لكن بات أيضاً البحث في الواقع القائم الآن، مسألة أساسية كذلك من أجل التحديد الدقيق لطبيعة الثورة، وبالتالي للإستراتيجية الضرورية لتحقيقها، وأيضاً التكتيكات الصحيحة المفضية إلى ذلك.
ما الذي يحدد طابع الثورة؟
يمكن تلمس اتجاهين صاغا طبيعة الثورة، الاتجاه الأول ينطلق من "المهمات "(أي جزئياً من الواقع)، والاتجاه الثاني ينطلق من"الأفكار " (أي من الايدولوجيا). وهما الاتجاهان اللذان قالا بالثورة الديمقراطية البرجوازية (الأول )، أو بالثورة الاشتراكية (الثاني). وسوف نلمس أنهما يلتقيان في الأساس الذي ينطلقان منه، وهو أن الثورة الاشتراكية هي المهمة الوحيدة للطبقة العاملة، أي من موقف دوغمائي يتأسس على فكرة لماركس. لكن الاتجاه الأول يؤخرها إنطلاقاً من "مهمة للواقع" ، حيث يجب إنجاز انتصار الرأسمالية لكي يكون ممكناً الانتقال إلى الاشتراكية، بينما يتجاوز الثاني الرأسمالية نحو الاشتراكية إنطلاقاً من أن وجود الطبقة العاملة ودورها يفرضان تحقيق الثورة الاشتراكية. وبالتالي فإن الاتجاه الأول ينطلق من "العفوية"، أو "الموضوعية"، أو يستند إلى منطق حسي، حيث تتشكل الرأسمالية وتنمو ومن ثَمّ يجب أن تنتصر، بمعزل عن إرادة الطبقات الأخرى ، ودورها . وينطلق الاتجاه الثاني من "الإرادة"، حيث ما دامت نشأت الطبقة العاملة فإن عليها تحقيق الثورة الاشتراكية، وأنه بإمكانها تحقيقها بغض النظر عن الواقع. إذن الخلاف هنا يتحدد في القول بأن دور الطبقة العاملة لم يحن بعد ( كما في الاتجاه الأول)، أو أنه قد حان (كما في الاتجاه الثاني). لكن الترابط بين الطبقة العاملة والاشتراكية حاسم لدى كل منهما، وأن الماركسية مندغمة بالاشتراكية في كل الأحوال. وبالتالي فقد صيغت المسألة في معادلة مبسطة تجعل كل من الطبقة العاملة والماركسية والاشتراكية في كتلة متماسكة لا فكاك فيها. ومن ثم ليس من رؤية غير هذه التي تنطلق من هذا الدمج. وأي خروج هو تحريف للماركسية.
هل من الحتمي أن ترتبط الطبقة العاملة بتحقيق الاشتراكية فقط؟ لا شك في أن تحقيق الاشتراكية هو مهمة الطبقة العاملة وليس أي طبقة أخرى. هذا مؤكد، لكن ألا تلعب أدواراً أخرى ؟ ألا تقوم بمهمات أخرى في سياق تحقيقها الاشتراكية؟
ربما لا تظهر المشكلة في الأمم الرأسمالية المتطورة، حيث تبلورت الطبقات بشكل واضح ، وتحققت المهمات الديمقراطية، وأصبح التناقض هو بين الرأسمال والعمل. لكن ظهرت المشكلة، ولازالت تظهر، في الأمم المخلّفة (ومنها روسيا القيصرية). هذه الأمم التي لم تتحقق فيها جلّ المهمات الديمقراطية (الإصلاح الزراعي، بناء الصناعة، التحديث، الدمقرطة والعلمنة، حل المسألة القومية).هنا ينفتح كل هذا النقاش حول طبيعة الثورة ودور الطبقة العاملة. وهو النقاش الذي يمكن أن يفضي إلى تبلور استراتيجيات متناقضة وتكتيكات متباينة .
ماركسية ماركس (أو المرحلة الأولى من الماركسية) رأت أن توسع الرأسمالية ( بالمعنى السياسي / العسكري – أي الاستعمار – وبالمعنى الاقتصادي – أي تصدير السلعة- ) يقود حتماً إلى انتصار الرأسمالية، حيث " تجذب البرجوازية الأمم كلها ، بمن فيها الأكثر همجية إلى موكب الحضارة ، ذلك أن الأسعار المتهاودة لمنتجاتها هي بمثابة مدفعيتها الثقيلة التي تدك بها كل أسوار الصين وتدحرج بها الكره العنيد الذي يضمره أعتى الهمجيين للأجانب، وترغم بها كل الأمم، مخافة اندثارها، على تبني نمط الإنتاج البرجوازي. وتدفع بها كل الأمم إلى إدخال حضارتها المزعومة إلى عقر دارها، أي أن تصبح تلك الأمم نفسها برجوازية. وبإيجاز، تقوم البرجوازية بخلق عالم على صورتها" ( البيان الشيوعي ص43 ).
لكن ملاحظات أخرى لماركس وإنجلز أفضت إلى التشكك في هذه النتيجة.أو أن رؤيتهما لتحقيق الثورة الاشتراكية "في الأمم المتمدنة" قادت إلى التأكيد على أن الاشتراكية المنتصرة سوف تساعد تلك الأمم على تجاوز تخلفها والانتقال إلى الاشتراكية. وقبل ذلك ظلت الرؤية تقوم على أن مسار تلك الأمم هو انتصار الرأسمالية . وهي الفكرة التي ظلت تحكم الأممية الثانية، وظلت أساس إستراتيجية قطاع مهم من حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. حيث كانت روسيا هي البلد الأول الذي طرحت فيه مشكلة طبيعة الثورة ودور الطبقات فيها ( ربما نشير هنا إلى أنها طرحت عرضاً في ألمانيا أواسط القرن التاسع عشر – 1849 / 1851- (5)) حيث كانت لم تصبح بعد رأسمالية.
وفي روسيا تبلورت الرؤى الثلاث التي حكمت القرن العشرين، التي أشرنا إليها قبل قليل. فقد ظل المناشفة على الخط "الماركسي القويم" يؤكدون على ضرورة انتصار الرأسمالية في روسيا قبل التفكير بتحقيق الثورة الاشتراكية، حيث سوف يفضي انتصار الرأسمالية إلى نشوء طبقة عاملة كبيرة وقوية، تمثل الأغلبية في المجتمع، تكون وحدها القادرة على تحقيق الانتقال إلى الاشتراكية، بعد أن تستنفذ الرأسمالية مبررات وجودها(6). بينما عمل كل من لينين وتروتسكي على تأسيس رؤيتين أخريين، تروتسكي أحكم الربط بين الطبقة العاملة (التي كانت جنينية بعد) والثورة الاشتراكية، وأعلن أن الهدف الراهن للطبقة العاملة هو تحقيق ديكتاتورية البروليتاريا، وفي ثنايا ذلك تتحقق المهمات الديمقراطية غير المنجزة، أو أن تحقيق هذه المهمة غير المنجزة يفرض حتماً الانتقال إلى الاشتراكية (7).
أما لينين فلاحظ بأن المهمات الديمقراطية أعقد من أن تحلّ في ثنايا ثورة اشتراكية(8). خصوصاً وأنه دقق جيداُ في ميزان القوى الطبقي، ولمس أنه عاجز عن تحقيق الثورة الاشتراكية، حيث يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار مصالح الفلاحين والفئات الوسطى (البرجوازية الصغيرة)، لكي يكون ممكناً دحر القيصرية وانتصار الثورة. فهذه الطبقات لا تسير خلف شعار الثورة الاشتراكية. لكنه رأى بأن انتصار الثورة متوقف كذلك على الدور الحاسم للطبقة العاملة (وللحزب)، فاقترح إستراتيجية تقوم على التحالف بين العمال والفلاحين الفقراء، وشلّ تذبذب البرجوازية الصغيرة، في سياق السعي لتحقيق " الثورة الديمقراطية برجوازية الطابع"(9).
وهذه الفكرة هي التي أثمرت انتصارات في مناطق شاسعة من العالم. حيث أنه انطلق من المهمات الواقعية (التي هي حكماً مهمات ديمقراطية)، لكنه رأى أن البرجوازية عاجزة عن تحقيقها نتيجة الحبل الموصول مع الإقطاع، وبالتالي نتيجة طابعها غير المنتج. الأمر الذي فرض على الطبقة العاملة التحالف مع الفلاحين لتحقيق الثورة. ولا شك في أن فكرة لينين حول " التحليل الملموس للواقع الملموس " كانت في أساس كل ذلك.
هنا سنلمس بأن تحديد أهمية "المهمات" المطروحة، أمر ضروري من أجل تحديد طبيعة الثورة. لكن يجب كذلك دراسة موقف الطبقات ودورها في تحقيق تلك المهمات. فأي الطبقات هي المعنية والقادرة على تحقيقها؟ إذن، لا يجوز فصل المهمات عن دور الطبقات ومصالحها وإلا إنطلقنا من تصور أيديولوجي مسبق، كما جرى في " الماركسية السوفيتية"، وكذلك في التروتسكية . وبالتالي أصبحت الايديولوجيا هي التي تحكم النظر، وليس "التحليل الملموس للواقع الملموس" استناداً إلى الجدل المادي . الأمر الذي يفرض البحث في الواقع الراهن، في التكوين العالمي الذي أوجده النمط الرأسمالي، وفي الواقع الملموس في كل الأمم.
التكوين العالمي الراهن:
إن فكرة "التحليل الملموس للواقع الملموس" هي فكرة جوهرية، لأنها تشير إلى ضرورة وعي الواقع والانطلاق منه من أجل صياغة الأفكار والتصورات، وكذلك الإستراتيجية السياسية. وهي قائمة على فهم عميق للجدل المادي الذي هو أس الماركسية، حيث عبره يمكن ويجب البحث في الواقع من أجل وعي صيرورته، ومن أجل تحديد الإستراتيجية الممكنة التي تجعل للفعل البشري دور في هذه الصيرورة .
ولهذا من الضروري وعي التكوين العالمي الراهن. التكوين الاقتصادي الاجتماعي، كما التكوين السياسي. وأيضاً التكوين العالمي كون النمط الرأسمالي كان عالمياً منذ البدء، والتكوين المحدّد في كل بلد من البلدان . ولكن يجب أن نلحظ انقسام العالم إلى " تكوينيين" : الأمم الصناعية والأمم المخلفة ، رغم التمايز الممكن في إطار كل مجموعة. وهذا الانقسام الأخير نابع من طبيعة "الاستقطاب على الصعيد العالمي" كما يشير د.سمير أمين(10)، وهو الانقسام الذي ربما يكون في أساس تحديد طبيعة الثورة في كلا المجموعتين، لأن عالمية النمط الرأسمالي الذي قام على نهب الأمم المخلّفة، فرض إعادة صياغة التكوين الطبقي في الأمم الصناعية بما لا يسمح بتحقيق الثورة أولاً، والاشتراكية ثانياً، لأنه وسّع من وضع الطبقات الوسطى، وأسّس لإمكانية تحقيق مصالح الطبقة العاملة المباشرة (الوضع المعيشي) عبر التفاوض والضغط، وهو ما أدى إلى سلب ميلها الثوري، وميلها لتحقيق مشروع خاص بها (أي مشروع استلام السلطة من أجل تحقيق الاشتراكية).
إن نهب العالم أعطى الرأسمالية كل الإمكانية لان تحكم الهيمنة على مراكزها، لأنه كان يَفترض توسيع الفئات الوسطى (التقنيين والمدراء، وموظفي الشركات العملاقة، والمدرسين، وكبار مدراء الدولة)، وبالتالي يحلّ مشكلة الحدود الممكنة لتوسيع الطبقة العاملة، والمرتبطة بحدود توسّع الصناعة. حيث أن فكرة ماركس حول تحوّل الطبقة العاملة إلى أغلبية بدت خاطئة، لأن مسائل التمركز والاحتكار، وفيض الإنتاج فرضت حدود التوسّع الصناعي. بمعنى أن إمكانية نشوء صناعة قادرة على الاستمرار فرض الحجم (التوسع) الممكن لها، والذي لم يكن قادراً على استيعاب الكتلة الأساسية من جيش العمل الاحتياطي. بينما كانت عالمية الرأسمالية تفرض الحاجة ليس إلى العمال فقط، بل أكثر إلى التقنيين والمدراء، وموظفي الشركات العملاقة، وهو الأمر الذي أعطى للتعليم أهمية أعلى. وبالتالي تحدّد حجم الطبقة العاملة كأقلية ( ربما لا يتجاوز حجمها 25-30% من السكان)، وتضمّ فئات مميزة كانت تميل إلى التفاهم مع الرأسمال أكثر مما كانت تفكّر في الصراع معه.
هذا هو أساس نشوء "الاشتراكية الديمقراطية" التي استطاعت تحقيق مطالب عمالية استناداً إلى النضالات العمالية، لكن أيضاً نتيجة المرونة التي إكتسبها الرأسمال نتيجة سيطرته العالمية، ونتيجة انتصار ثورة أكتوبر وتخوّف الرأسمال من تجذر الميل الثوري لدى الطبقة العاملة. ورغم الدور الذي ظل للحزب الشيوعي، والذي كان يعبّر عن ثقل الطبقة العاملة، فقد سيطرت النزعة الإصلاحية المتمثلة في الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، والتي كان هدفها ليس تجاوز الرأسمالية بل تعزيز الطابع "الاجتماعي" عبر تحسين شروط حياة الفئات الوسطى والعمال .
وهنا سنلمس بأن إمكانية الثورة الاشتراكية لم تعد قائمة، ليس نتيجة طبيعة سياسة الأحزاب الشيوعية فقط (فقد كانت هذه السياسات نتاج تشابكات الواقع ذاته)، بل نتيجة الوضع "غير الثوري" لدى قطاع واسع من المجتمع، حيث أسس الرأسمال تكويناً ينزع إلى الإصلاحية أكثر منه إلى الثورة، رغم أن سمات الثورة الاشتراكية الواردة في تحديد ماركس بادية دون لبس، عبر التناقض بين الطابع الخاص للملكية والطابع الاجتماعي لوسائل الإنتاج . لأن الفئات الوسطى هي الكتلة الأساسية في المجتمع ، ولأن الرأسمال كان قادراً على حلّ المشكلة المطلبية للطبقة العاملة، وبالتالي نزع عنها ميلها التغييري. لقد باتت مسألة الملكية غير مطروحة على بساط التغيير، وأصبح الهدف هو المصالح المباشرة، أي الأجور بالقياس إلى الأسعار، ساعات العمل، ووقت الرفاه، الضمان الاجتماعي، وضمان الشيخوخة، التعليم. وأصبحت مواقف الطبقات من الأحزاب ( خلال الانتخابات ) قائمة على هذه المسائل.
وبالتالي بات، نتيجة كل ذلك، حل ذاك التناقض عبر إلغاء الملكية الخاصة مستحيلاً الآن. وهو ما أسس لتعمّق الميل "الإصلاحي"، و"المطلبي"، وتجاوز الميل الثوري. وهو الأمر الذي جعل إمكانية تحقيق "ثورة اشتراكية" أمراً مستحيلاً، وفرض التفكير العميق في صيغة بديلة، هي حتماً ليست صيغة الاشتراكية الديمقراطية، حيث أنها فشلت نتيجة كونها غرقت في الإصلاحية، ثم في ممالأة الرأسمال. وهي صيغة لا تبدأ من إلغاء الملكية الخاصة، بل تسعى إلى الوصول إليها، عبر تعزيز الطابع الاجتماعي في مختلف المجالات إنطلاقاً من أهداف محدّدة. بمعنى أن الاشتراكية ليست ممكنة الآن، لكن يمكن البناء من "تحت" عبر نضالات مطلبية تعزز الطابع الاجتماعي للعلاقات والقوانين والتمثيل السياسي ، وللوضع المعيشي، والتعليم، والبيئة، وللعلاقة مع العالم.
إذن، الثورة الاشتراكية غير ممكنة في الأمم الصناعية، وتحقيق الاشتراكية ليس راهناً. لهذا فإن الثورية هنا لا تعني رفض الإصلاح، بل يجب أن تتضمنه. لكن الثورية الحقيقية تتمثل في الموقف من العالم، من صيغة العالم الذي صنعته الرأسمالية القائمة على الاستقطاب، لأن في تغييره ممكنات تحقيق الاشتراكية في هذه الأمم.
في المقابل سنلمس بان عالمية الرأسمالية فرضت عكس ما توقع ماركس: أي ليس تمدين الأمم المتخلفة بل تخليفها. فقد كانت الرأسمالية بحاجة إلى المواد الأولية (القطن ، القمح ، ثم النفط..) والأسواق لتصريف بضائعها، لهذا كانت ترى في أن نشؤ الصناعة في تلك الأمم يهدّد مصالحها ، حيث يحدّ من حصولها على المواد الأولية، والأسواق. لهذا كانت معنية بتكريس البنى التقليدية القائمة (الإقطاعية)، وتكريس الوعي التقليدي، والنظم التقليدية، سوى تلك التي تخدم سيطرتها ومصالحها. وبالتالي لم تفعل سوى تكييف البنى التقليدية بما يخدم هذه المصالح. وعملت على إفشال كل محاولات التطور، سواء في المستوى الاقتصادي ( الصناعة)، أو في المستوى السياسي ( تجربة محمد علي باشا ) ، ودعمت الوعي التقليدي ضد الوعي الحديث ( البرجوازي ).
إن حدود التوسع الصناعي باتت مغلقة . بمعنى أن نشؤ الصناعة وتطورها بات يقتضي عدم إنتشارها في الأمم التي لم تصبح صناعية بعد،لأن فيض الإنتاج يفرض احتكار الأسواق، وبالتالي منع نشؤ منافسين قبل المنافسة. كما أن الحاجة إلى المواد الأولية (النفط) تفرض منع نشؤ صناعات جديدة، تؤدي إلى اشتداد المنافسة حوله، وبالتالي ارتفاع أسعاره، وأيضاً نضوبه السريع.
لهذا لم تتحقق المهمات التي كانت البرجوازية الأوروبية قد حققتها، والتي أسميت : المهمات الديمقراطية. والتي منها إنهاء الإقطاع (عبر الإصلاح الزراعي، وهو ما قامت به الفئات الوسطى في العديد من الأمم)، وتأسيس الجمهورية الديمقراطية، والعلمنة، وتحديث المؤسسات والتعليم، وحل المسألة القومية. حيث لم يفض التطور إلى نشؤ الصناعة بفعل السيطرة الاستعمارية والمنافسة الاقتصادية، الأمر الذي حوّل التراكم الرأسمالي المتحقق (رغم أن جلّه كان ينهب من قبل الرأسمالي الامبريالي) إلى النشاط في القطاعات غير المنتجة (التجارة / الخدمات / المال)، بدل النشاط في الصناعة. وبالتالي باتت المهمات الديمقراطية متضمنة بناء الصناعة وتطوير الزراعية.
مع ملاحظة أن سيطرة الرأسمال الإمبريالي وتكييف البنى المحلية بما يخدم ذاك الرأسمال،أفضيا إلى نشؤ طبقة عاملة، لكنها كانت محدودة العّدد، وربما كانت تدعم بجيش من الفلاحين الفقراء، والعمال الزراعيين. وهو الأمر الذي جعل ماو تسي تونغ يعتمد على فقراء الفلاحين كأساس لجيشه.
ورغم أن حدّة التناقض الطبقي تستدعي الميول الثورية، وبالتالي تهيئ لنشؤ ماركسية ثورية، فإن كلية الوضع كانت لا تجعل من الممكن قيام الثورة الاشتراكية. لأن المسألة هنا لا تتعلق ب"الإرادة" فقط، ولا بالوعي وحسب، بل تتعلق بالظروف الموضوعية التي كانت تفرض تحقيق المهمات الديمقراطية وبناء الصناعة معاً، لأن ليس من الممكن إلغاء الملكية الخاصة في وضع يفتقد وجود وسائل الإنتاج، ويتسم بهيمنة الرأسمال الصغير. وليس من الممكن تكريس "ديكتاتورية البروليتاريا" وهي أقلية في بحر من الفلاحين والفئات الوسطى المدينية، والمهمشين. وضع لم يحقق لا المسألة القومية، ولا العلمنة، ولا الحداثة، التي هي أساسية في نشؤ التكوين المجتمعي الضروري لتحقيق الاشتراكية. وبالتالي يتسم بسيادة البنى التقليدية .
إن مشكلة الأمم المخلّفة تكمن في أنها لم تنجز المهمات الديمقراطية نتيجة إحتجاز تطورها الذي كان يقوم على بناء الصناعة. وبالتالي فإن هذه المهمات هي التي يجب أن تتحقق على الضد من الرأسمالية المحلية والامبريالية. ولتبدو مسألة بناء الصناعة كمهمة أولى، وذات أولوية ، لأنه ليس من الممكن تجاوز البنى التقليدية في العلاقات الاجتماعية والمؤسسات والوعي، دون إعادة بناء الاقتصاد إنطلاقاً من وسيلة الإنتاج الجديدة: التي هي الصناعة.
ولهذا سيبدو تحقيق الاشتراكية مستحيلاً في بنية لا زالت لم تتحقق فيها الحداثة ولا أقول الرأسمالية، فالمسألة لا تتعلق بالطبقة الرأسمالية بل تتعلق بالتكوين الذي تشكّل مع انتصارها، التكوين المدني الحديث. وإذا كانت الرأسمالية المتشكلة في الأمم المخلّفة لم تعد معنية بتحقيق هذه الحداثة، فإن تحقيقها بات من مهمة الطبقة العاملة في سياق سعيها لتحقيق الاشتراكية. وهنا تعمل الطبقة العاملة من أجل تجاوز البنى (الاقتصادية الاجتماعية، والسياسية وتلك المتعلقة بالوعي) التقليدية، وتحقيق الحداثة، كخطوة ضرورية من أجل تحقيق الاشتراكية. إنها أولاً تبني القوى المنتجة المفتقدة في هذه الأمم، لكي يكون ممكناً تحقيق الاشتراكية. حيث ليس من الممكن أن تتحقق الاشتراكية على بنى زراعية مهمشة ، و"صناعية" محدودة، وتكرس البنى الاجتماعية والسياسية العتيقة. إن الانتقال إلى مجتمع مدني حديث هو ضرورة من أجل تحقيق الاشتراكية.
الوضع الراهن للثورة الاشتراكية:
وبالتالي ليست الثورة الاشتراكية أمراً راهناً، لا في الأمم الصناعية ولا في الأمم المخلّفة، وهي ليست راهنة لأنها ليست ممكنة. إنها في الأمم الصناعية صيرورة تحوّلات اجتماعية يمكن أن تفضي في نهاية الأمر إلى الاشتراكية، لكن بعد إنشقاق العالم المخلّف عن النمط الرأسمالي، وبالتالي انتهاء طابعه العالمي. وهي في الأمم المخلّفة صيرورة تحقيق المهمات الديمقراطية من أجل الانتقال إلى الاشتراكية، إن مهمة الاشتراكيين هي تحقيق المهمات الديمقراطية في صيرورة توصل إلى الاشتراكية .
لكن هنا وهناك يجب أن تلعب الطبقة العاملة، وبالتالي الحزب الماركسي المعبّر عنها، الدور الفاعل والحاسم في هذه الصيرورة، حيث لا يمكن لغيره أن يكملها إلى النهاية، فهي صيرورة تطور ضد الرأسمالية. وبالتالي فهما ضمانة الوصل بالاشتراكية. بمعنى أن دور الطبقة العاملة والحزب الذي يمثلها هما أساس صيرورة التطور وصولاً إلى الاشتراكية، رغم أن أولويته تتحدد في تحقيق المهمات الديمقراطية، دون أن يعني ذلك أن "جداراً" يفصل بين هذه وتلك، حيث سوف يفرض ميزان القوى بين الطبقات تسارع أو تباطؤ الوصول إلى الاشتراكية.
وأيضاً يجب أن يكون واضحاً بأن هذه المهمات تتحقق على الضد من الرأسمالية المحلية والإمبريالية، لأن التطور مرهون بهزيمة هؤلاء، لأنهم الطبقة المسيطرة في التشكيل الراهن، والذي يصيغ الواقع كما يبدو راهناً، وكما أشرت إليه للتو. وبالتالي فهي مهمات ديمقراطية تتحقق ضد النمط الرأسمالي وعلى أنقاضه. وهو الأمر الذي يفرض أن تكون الطبقة العاملة وحزبها القوة الأساسية في تحقيق هذه المهمات، لأن الطبقة العاملة هي النقيض للرأسمالية، وهي التي تقدم البديل لها، بينما تسعى الطبقات الأخرى (الفئات الوسطى والبرجوازية الصغيرة) إلى إعادة إنتاج الرأسمالية، وهو الأمر الذي يجعل تجاربها تفضي إلى الفشل في تحقيق التطور الضروري لأن تصبح الأمم المخلفة أمماً حديثة.
وبديل الطبقة العاملة الأساس هو الاشتراكية، لأنها النقيض للنمط الرأسمالي والمرحلة الأولى في الانتقال إلى الشيوعية. وليس من حل ممكن لوضعها إلا في الوصول إلى الاشتراكية. لكن واقع العالم الراهن لا يتيح لها الوصول إلى ذلك نتيجة كل ما أشرنا إليه، حيث أن هزيمة الرأسمال تفرض التحالف مع طبقات أخرى، هي ليست معنية بتحقيق الاشتراكية. إن ميزان القوى الطبقي هو الذي يحدد ممكنات المهمات وليس حلم أيٍّ كان.
رغم ذلك ليس من الممكن أن ننتصر على الرأسمال إلا بأن تصبح الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء هي الطبقة القائدة. وهي هنا الضمانة لتحقيق الانتقال إلى الاشتراكية. وبالتالي يمكن القول بأن الاشتراكية هي البديل، نعم. لكن المهمات الواقعية وميزان القوى الطبقي يفرض أن تتحقق المهمات الديمقراطية أولاً. إننا إذن، في مرحلة تحقيق المهمات الديمقراطية. هذا هو ملخص الوضع الراهن، بغض النظر عن تصورات ماركس، أو مطامح كل الذين يسعون إلى إنهاء الظلم والاضطهاد عبر تحقيق الاشتراكية، فليس من اشتراكية ممكنة في الواقع، رغم أن الطبقة التي تحققها هي التي يجب أن تلعب الدور الأساس اليوم.
كيف نفهم المسألة في الوطن العربي؟
وإذا كانت الفكرة الأساسية التي تطرح أحياناً في هذا المجال هي أن النضال من أجل التطور في حقبة العولمة الراهنة، الذي لا بد من أن يكون نضالاً معادياً للرأسمالية، هو نضال اشتراكي. حيث أن بديل الرأسمالية هو الاشتراكية، فإن هذا الوضع يفرض التفكير العميق في طبيعة المهمات المطروحة، وبالتالي في طبيعة الثورة الراهنة، بعيداً عن هذا الطرح الحدي، فحديته تُظهر كم هو مجرّد.
هنا سنلمس مقدمة ونتيجة في علاقة بسيطة. إن التحليل المعمق يوصل إلى أن التطور العربي، وبالتالي تحقيق الاستقلال والوحدة والتنمية، لن يكون ممكناً إلا في تناقض مع الرأسمالية، وفي صيغة تتجاوز الرأسمالية، لان الرأسمالية الإمبريالية صاغت الوطن العربي في صيغة وطن مجزأ إلى دول، تقوم في وسطه الدولة الصهيونية، ومحافظ على البنى "التقليدية" في الاقتصاد والوعي، رغم انتشار العلاقات الرأسمالية. لهذا فإن تجاوز هذا التكوين يفرض التناقض مع الرأسمالية الإمبريالية، وفروعها المحلية (الصهيونية، والرأسماليات العربية التابعة).
لكن هل أن الوصول إلى هذه النتيجة يفرض أن تتحوّل إلى سبب يفضي إلى نتيجة أن هذا النضال يجب أن يكون اشتراكياً ؟ هل أن كل نضال ضد الرأسمالية هو نضال اشتراكي ؟ المنطق الصوري الذي يؤسس لثنائية رأسمالية / اشتراكية، يفرض أن تكون النتيجة هي: ضرورة النضال الاشتراكي. هل الأمور محدّدة في خيارين : إما، أو . إما الرأسمالية أو الاشتراكية . وبالتالي فما دام النضال هو ضد الرأسمالية فيجب أن يكون حتماً نضالاً اشتراكياً ؟
هنا الأمور أعمق من أن تحدد بهذه الطريقة. حيث أن ضد الرأسمالية طبقات عديدة: طبقات تقليدية قديمة ترفضها من موقع رجعي، والفئات الوسطى المدينية التي تسعى لان تحصل على جزء من الفائض لكي تحسّن وضعها وتتحول إلى رأسمالية. والفئات الوسطى الريفية التي تسعى لتجاوز التكوين الزراعي والتحول إلى الطبقة الرأسمالية. وأخيراً الطبقة العاملة ( والفلاحين الفقراء ) التي تسعى لتجاوز الرأسمالية نحو الاشتراكية . إنه إذن صراع يقوم على رفض السياسات الرأسمالية وليس الرأسمالية كنمط بالضرورة، كما يتبدى لدى بعض الطبقات مثل البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى والفلاحين، وهي كتلة مهمة في التكوين الطبقي القائم. بينما تسعى الطبقة العاملة لأن تتجاوز النمط الرأسمالي ككل لتأسيس النمط البديل: أي الاشتراكية.
إذن هناك طيف من التناقضات يجب أن يلحظ، ولان الرأسمالية الإمبريالية تمنع التطور (تجهض التطور) وهي قوة ضغط وتأثير محلي، وبالتالي لأن الصراع هو ضد الرأسمالية كنمط، وضد الرأسمالية التابعة المحلية، يتلون الصراع بألوان "اشتراكية"، لان التطور"الطبيعي" للرأسمالية لم يعد ممكناً. لكن ذلك لا يجعل مشاريع تلك الطبقات ومطامحها واحدة، بل يجعل الاشتراكية بالنسبة للفئات الوسطى، إما أنها تعني المساواة في التملك، أو تساوي الدور الاقتصادي للدولة، وبالتالي تكون غطاءً لتحقيق مصالحها الرأسمالية. حيث تسعى للهيمنة على الدولة من أجل نهب الفائض، وفتح الأفق لنشوء "رأسمالية جديدة". وهو الأمر الذي يتناقض مع مصالح الطبقة العاملة.
فإذن، هذا الانتقال البسيط من أن رفض الرأسمالية يعني تحقيق الاشتراكية، يغطي هذا "الوعي الزائف" الذي تطرحه الفئات الوسطى في مرحلة معينة ونتيجة ظرف محدّد، لأنه يجعل من كل نضال ضد الرأسمالية نضالاً اشتراكياً، بعيداً عن المصالح الحقيقية لمختلف الطبقات "الطبقات الشعبية". وتغطية على هذه المصالح.
ثم أن الانتقال البسيط يلغي البحث، الضروري إلى أبعد الحدود، في السؤال حول: هل أن تحقيق الاشتراكية هو أمر ممكن؟ هنا ننتقل إلى البحث في معنى الاشتراكية، وأسس تحققها. الفارق بين "اشتراكية البرجوازية الصغيرة" والاشتراكية الماركسية هو في الموقف من الملكية الخاصة، الأولى تكرسها (وبالتالي لا تعود اشتراكية، لان القول بالمساواة لا يعني على أرضية الملكية الخاصة سوى تحوّلها إلى لا مساواة، أي تمركز الثروة من جديد) . والثانية تقوم على إلغائها، حيث إن إلغاء الملكية الخاصة هو مفصل تحقق الاشتراكية. وأقول مفصل لان تحقيق الاشتراكية يستلزم عناصر متعددة، منها شكل السلطة وطبيعة الدولة، وطبيعة العلاقة بين المنتجين والفائض ... .
وبالتالي فإن الانتقال إلى الاشتراكية بالمعنى الماركسي يفترض تشكل وسائل الإنتاج الحديثة (الصناعة) وتشكل التكوين المجتمعي الحديث كذلك (طبيعة الدولة ، الوعي )، وتحوّل الطبقة العاملة (الصناعية والزراعية والخدمية) إلى ثقل حاسم في التكوين الطبقي القائم. وأحرى تحقق الوحدة والاستقلال، وكل المهمات الديمقراطية. بمعنى أن الوضع الاقتصادي الاجتماعي يجب أن ينضج بما يسمح لان يجري الانتقال إلى الاشتراكية. وكل انتقال قبل ذلك (وهو ممكن) سوف يؤسس لمشكلات عميقة يجب أن تلحظ منذ البدء. حيث أن تحقيق التطور ذاته، بما يعني من تطوير للصناعة، يمكن أن يستلزم الصيغة الاشتراكية في مرحلة من مراحل التطور. وبالتالي أن يجري تحقيق هذا التطور في صيغة "مثال/ وهم". لكن ليس من الممكن البناء على هذا الاحتمال مسبقاً، لأنه مرتبط بميزان القوى الطبقي، وبموقع الطبقة العاملة فيه. حيث يمكن أن يتحقق حينما يصبح حاجة يحتملها الواقع.
الآن ، هل أن الظروف الواقعية تسمح بالقول أن النضال ضد الرأسمالية هو نضال اشتراكي؟
إن المحدد لطبيعة التطور كما أشرت قبلاً هو: 1) المهمات المطروحة، و2) ميزان القوى بين الطبقات المعنية بتحقيق هذه المهمات، وبالتالي فإن الإجابة على بديل الرأسمالية تفرض تحديد هاتين المسألتين. وسنلمس بأن المهمات المطروحة هي مهمات ديموقراطية في جوهرها، أي الاستقلال والوحدة القومية، الحداثة ، وبناء الصناعة وحل المسألة الزراعية، المرأة. ولهذا فإن تحقيقها هو الذي يحظى بالأولوية، الأمر الذي يجعل طبيعة التطور هي من طبيعة ديمقراطية. وبالتالي بغض النظر عن الهدف الذي نسعى إليه، يجب أن تتحقق هذه المهمات كخطوة ضرورية في مسار التطور.
ثم أن ميزان القوى الطبقي لا يعطي للطبقة العاملة الموقع الحاسم نتيجة تخلف البنى الاقتصادية وهامشية الصناعة. رغم أن الطبقة العاملة هي القادرة على تكتيل قوّة طبقية مهمة، منها ومن الفلاحين الفقراء، حيث تبدو أنها الأكثر قدرة على أن تتماسك وتتوحد، بعكس الفئات الوسطى والبرجوازية الصغيرة. وبالتالي فهي قادرة على تأسيس تحالف طبقي مع الفئات الوسطى، وبالتالي عزل البرجوازية. وهو التحالف الضروري من أجل تحقيق الانتصار. ولكن هذا التحالف لا يمكن أن يقوم على أساس إلغاء الملكية الخاصة، بل يمكن أن يقوم على أساس تحقيق المهمات الديمقراطية، بما في ذلك دور مركزي للدولة في تحقيق التطور الاقتصادي، ومصادرة الملكيات الكبيرة. هذه هي الحدود التي تسمح بقيامه، وبالتالي تجعل هذه الفئات تقبل بقيادة الطبقة العاملة.
ولهذا، إذا كان التطور لا يتحقق إلا على الضد من الرأسمالية الإمبريالية والرأسمالية المحلية، إلا أن اتخاذه طابعاً اشتراكياً مسألة غير ممكنة (إلا على صعيد الشطح الفكري)، نتيجة المهمات الواقعية وضرورة بناء وسائل الإنتاج، ونتيجة وضع الطبقة العاملة ذاتها، وبالأساس نتيجة الحاجة الموضوعية لتحقيق التحالف. لكن التباس البديل لدى القوى التي تقود التغيير، وعدم وضوح انه متناقض جذرياً مع الرأسمالية، سوف يجهض التطور ذاته، وهو ما تحاوله الفئات الوسطى عادة، وهو ما تكرر خلال القرن العشرين في العديد من الأمم .
هذا الإشكال هو الذي فرض أن تكون القوى الماركسية (والطبقة العاملة) هي الفاعلة والقائدة لعملية التغيير، لكن من اجل تحقيق برنامج ديمقراطي وليس اشتراكياً، وكتمهيد للانتقال إلى الاشتراكية، كان يتحقق بعد الوصول إلى السلطة .
ما أشرت إليه هو أن الانطلاق من سبب صحيح يمكن أن يقود إلى نتيجة خاطئة في حال سيادة المنطق الصوري، وابتسار خيارات التطور في: إما الرأسمالية أو الاشتراكية، وهو الابتسار الذي يقوم به المنطق الصوري ذاته. وما من شك أنه من الزاوية الشكلية (والشكلية هنا لا تعني ما هو سلبي بالقطع، أي من ناحية الشكل) فإن بديل الرأسمالية هو الاشتراكية، وهو كذلك في المنظور التاريخي، لكن المسألة تتعلق بواقع، وبتطور واقعي. هنا يجب أن ننتقل من الشكل إلى المضمون، أن ننتقل من "التجريد" إلى الواقع ، هل يزكي الواقع هذه النتيجة بناء على السبب الذي كما قلنا هو صحيح تماماً ؟ الواقع يطرح خياراً مركباً معقداً كما لاحظنا للتو، لأن شروط تحقق الاشتراكية لم تتهيأ بعد، لكن يجب تجاوز الرأسمالية في كل الأحوال كما أشرنا للتو. لان شروط تحقق الاشتراكية لم تتهيأ بعد ، نتيجة أن القوة المعنية بتحقيقها ليست بالقوة التي تجعلها قادرة على ذلك (ويجب أن نشير هنا إلى أنها ليست بالقوة القادرة نتيجة تخلف الوضع الاقتصادي والمجتمعي بالأساس، حيث لم تصبح البنية صناعية حقيقة). لكنها قادرة وفق تناقضات الواقع (أي تناقض الطبقات الشعبية مع الرأسمالية الإمبريالية والرأسمالية المحلية) أن تنجز ما يجعلها مع الفئات الوسطى في إطار تحالف الطبقات الشعبية، وإن تكون هي قائدة ذلك.
بمعنى أن عجز الرأسمالية عن تحقيق المهمات الديمقراطية (وهذا سبب) يقود حتماً إلى تحديد أن القادر على ذلك هي الطبقة العاملة، لكن ليس من أجل تحقيق الاشتراكية بل في إطار تحالف طبقي يضم الفئات الوسطى (وهذه نتيجة يفرضها الواقع الطبقي ذاته). لكنه لا يقود إلى أن الطبقة العاملة قادرة على تحقيق الاشتراكية. إنه يقود إلى أن تلعب الطبقة العاملة دوراً قيادياً، ولكن لكي تنجح عليها أن تؤسس التحالف الطبقي ذاك، الذي لن يُبنى سوى على المهمات التي يطرحها الواقع، والتي هي مهمات ديمقراطية. مهمات الاستقلال والوحدة، والحداثة والعلمنة والديمقراطية، وصيغة للتطور الاقتصادي لا تتناقض مع ميل الفئات الوسطى للتملك، وهي الصيغة التي تقوم على الدور الاقتصادي ( الحمائي والاستثماري ) للدولة ، والتي تضبط مسارها قيادة الطبقة العاملة للتحالف الطبقي ( الحاكم )، بعكس ما فعلت الفئات الوسطى حينما قادت الدولة ضمن هذه الصيغة (11) .
من هنا ربما كانت أهمية فكرة لينين بأن "رأسمالية الدولة" هي خطوة هامة نحو الانتقال إلى الاشتراكية (12). لكننا نضيف بعد التجربة الطويلة للنظم الاشتراكية، أن ذلك صحيح في المرحلة الأولى من التطور، حيث يجب إنجاز المهمات الديمقراطية وبناء وسائل الإنتاج ، لكنها مدمرة إذا ما استمرت بعد ذلك، وبالتالي من الضروري التأسيس للانتقال إلى الاشتراكية، وربما كان تكوين نظام ديمقراطي، وسيطرة المنتجين على وسائل الإنتاج هو الذي يسهم في ذلك.
إن تجاوز التبسيط يفرض أن نفهم بعمق مشكلات الواقع وممكناته. وبالتالي أن نؤسس لبديل تحققه ممكنات الواقع ذاته. يجب أن ننتقل من الشكل (فشل التطور الرأسمالي) إلى العمق (ممكنات الواقع). وهنا الجمع الكمي للطبقات الشعبية، التي تصبح كتلة هائلة ومؤثرة، دون لمس التمايز فيما بينها، واختلاف تصوراتها للمستقبل، لان تحديد الطبقة التي يجب أن تلعب دوراً قيادياً مسالة حاسمة هنا، بغض النظر عن الكم. إن تحوّل هذا الكم إلى نوع يفرض تلك القيادة ، وإلا تفكك وإنهار دون أن يحقق التطور الضروري.
خاتمة:
إن تحديد صيرورة التطور هذه، والتي تشير إلى أن تحقيق الاشتراكية ليس أمراً راهناً، والمؤسس على طبيعة التكوين العالمي للنمط الرأسمالي ذاته، لا تعني تجاهل الاشتراكية، فالطبقة العاملة تهدف إلى تحقيق الاشتراكية، وهي تناضل من أجل ذلك، لأن الاشتراكية هي الحل الحقيقي لوضعها وللمجتمع ككل. والماركسية هي التي تؤسس الوعي الطبقي الذي يفتح الأفق للوصول إلى الاشتراكية.
وما من شك في أن الانهيار "العظيم" الذي حدث للتجربة الاشتراكية التي استمرت أكثر من ثلاثة أرباع القرن، يفرض إعادة التأكيد على الاشتراكية، وأن تعاد إليها قيمتها "الرمزية" كونها البديل الحقيقي للنمط الرأسمالي، وأيضاً أنها الصيغة الوحيدة التي بات التطور المجتمعي مرتبطاً بها. فمهما حققت الرأسمالية من تطور في المستوى العلمي والتكنولوجي (الذي هو نتاج تراكم تطور وخبرة طويلين)، إلا أنها تكرس التخلف المجتمعي في بقاع واسعة من العالم. حيث تبقي البنى ما قبل الرأسمالية، وتعمم نزعات التفكك القائمة على علاقات القرون الوسطى، كما توسع التهميش والفقر. لأنها تمنع نشؤ وسائل الإنتاج الجديدة، التي تعتبر أنها حكر لها، كما باتت تدمر وسائل الإنتاج القديمة، أي الزراعة، من أجل تعميم سلعها الزراعية. إنها تمنع التصنيع وتدمر الزراعة إذن، الأمر الذي يفرض تجاوزها، وبناء نمط اقتصادي على أنقاضها. هذه مسألة بديهية لا يجب أن تكون مجال خلاف في إطار الماركسيين. رغم أن هناك من لازال يتشبث ب "أفكار ماركس"، ويكرر ما توصل إليه أواسط القرن التاسع عشر.
لهذا فإن التأكيد على أن العالم لا يؤسس لتحقيق الاشتراكية الآن، لا يعني القول بأن الخيار الوحيد هو الرأسمالية. لا، فالرأسمالية هي الواقع القائم في المراكز كما في الأطراف، رغم الاختلاف العميق بين المراكز والأطراف كما أشرنا للتو. وبالتالي فإن المطروح هو تجاوزها، هذه أساسية لكل ماركسي، ليس فقط من أجل "الحلم" أو "المثال" الاشتراكي الذي تطرحه الماركسية، بل أيضاً وأساساً من أجل التطور ذاته. من أجل أن ينتقل العالم (وليس المراكز فقط) إلى "المرحلة الصناعية"، والتكوين الذي ينبني على كون الصناعة هي وسيلة الإنتاج الأساسية. حيث أن الشرخ العميق الذي يحكم العالم هو هذا. فالتخلف وإعادة إنتاج التخلف، والتخليف، في الأطراف هي نتاج منعها من الانتقال إلى "المرحلة الصناعية". وهذه تفترض تحقيق المهمات الديمقراطية.
وبالتالي فإن التأكيد على أن الواقع العالمي لا يؤسس لتحقيق الاشتراكية لا يعني كذلك تجاوز المحاولة، بل أن الواقع يمكن أن يطرح في مناطق عديدة هذه الإمكانية، وربما كان أفق أميركا اللاتينية يشير إلى ذلك، لكن يجب التنبه من التسرع في التقدير نتيجة كل ما قلته سابقاً، رغم أنه تجب المحاولة، لأن ذلك هو أفق البشرية. وكذلك يمكن أن تطرح من جديد في الأمم التي كانت اشتراكية، لأن هذا هو خيارها الوحيد.
إن ملخص التجربة الاشتراكية هو أن الطبقة العاملة والماركسية هما اللذان استطاعا تحقيق التطور الصناعي وبالتالي المجتمعي، في عصر السيطرة الشاملة للرأسمال. حيث أوقف التطور "العفوي"، "الطبيعي"، الذي يحول التراكم البدائي للرأسمال إلى أن ينشئ الصناعة، وبالتالي ينقل المجتمعات إلى الحداثة. وحيث بات يتحول هذا التراكم إلى النشاط في الوساطة والخدمات والمال، لأن ذلك هو الضامن من المنافسة التي يفرضها الرأسمال الإمبريالي، وهو الأمر الذي يحوله إلى ملحق بذاك الرأسمال الإمبريالي.
هذا الملخص هو الذي يجب أن يحفز على أن يعاد للاشتراكية كل مخزونها "الرمزي"، وكل "قوة المثال" التي تسكنها. وأيضاً كل الأثر الفعلي الذي قامت به لنقل مجتمعات إلى الحداثة. لكن أن يجري الانطلاق من أن هدف الماركسيين يتحدد في دفع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء لأن يكونوا قيادة في النضال من أجل تحقيق المهمات الديمقراطية، وتهيئة الظروف لتحقيق الاشتراكية. إن المسألة الجوهرية اليوم هي أن يعمل الماركسيين على ترسيخ مبدأ أن عليهم أن يحققوا هم هذه المهمات، وبالتالي أن يرتبطوا بالطبقة المعنية بشكل أشد بتحقيقها، أي العمال والفلاحين الفقراء.
إن المسألة الجوهرية إذن، هي كيف تصبح الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء هم قيادة النضال من أجل تحقيق المهمات الديمقراطية؟ كيف يكون واضحاً أن هذه هي المهمة الأساس للماركسيين اليوم؟ وهي المهمة التي تفضي بالضرورة إلى تحقيق الاشتراكية؟
موقع الأفق الاشتراكي: socialisthorizon@gmail.com
هوامش:
1- انظر تحليل إنجلز لهذه المسألة في: فريدريك انجلس "تطور الاشتراكية من طوباوية إلى علم" دار الفارابي/ بيروت1978.
2- هذا ما يرد في البيان الشيوعي مثلاً، أنظر: ماركس/ انجلس "بيان الحزب الشيوعي" دار التقدم /موسكو (ص 46).
3- انظر: لينين "خطتا الاشتراكية –الديمقراطية في الثورة الديمقراطية" دار التقدم/ موسكو.
4- انظر: لينين "إلى الفلاحين الفقراء" دار التقدم/ موسكو.
5- أنظر: كارل ماركس، فريدريك إنجلز "الجريدة الرينانية الجديدة" دار ابن خلدون/ بيروت 1976 .
6- أنظر مثلاً: بليخانوف "المؤلفات الفلسفية" المجلد الأول، دار دمشق/ دمشق،ط1(ص309-355).
7- أنظر: ليون تروتسكي "نتائج وتوقعات" منشور في كتاب، ليون تروتسكي "الثورة الدائمة" دار الطليعة/ بيروت ط2/1968.
8- أنظر انتقاد لينين لدعاة الاشتراكية في: لينين "خطتا الاشتراكية –الديمقراطية" سبق ذكره،( ص17).
9- المصدر ذاته، (ص 113).
10- أنظر: د.سمير أمين "في مواجهة أزمة عصرنا" دار سينا/ القاهرة، دار الانتشار العربي/ بيروت، ط1/1997، الصفحات13-34).
11- لقد ناقشت هذه المسألة في: سلامة كيلة "الاشتراكية أو البربرية" دار الكنوز الأدبية/ بيروت، ط1/2001.
12- حول ذلك يمكن العودة إلى: لينين "رأسمالية الدولة في مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية" دار التقدم/ موسكو 1983. والكتاب تجميع لمقالات وخطابات كتبها لينين بعيد ثورة أكتوبر، وتتحدث عن طبيعة النمط الاقتصادي الذي يجب أن يسود.