اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ، المنكوبون منذ خروجهم من ديارهم ... ومنذ تحولوا خلال أيام إلى لاجئين في البلدان العربية المجاورة (وفق تقسيمات سايكس بيكو اللعينة) التي كانت غالبيتهم تأتي إليها للاصطياف والراحة.. هؤلاء اعتقدوا أنهم سوف يمكثون عدة أيام أو أسابيع ثم يعودون الى فلسطين العربية المحررة بهمة الجيوش العربية وقادتها وملوكها وحكامها.. ظنوا لسوء الحظ أنهم حلوا ضيوفاً على أشقائهم العرب .. وظن الأشقاء أن الأزمة شدة وتزول بعد حين .. لكن الأمر لم يكن كذلك إذ مرت 62 سنة على اللجوء والحياة الأشبه بالجحيم ، دون عودة ودون نصر ودونما تحرير .. خلال تلك السنين تغيرت الحياة وتغيرت المعاملة وخاض اللاجئون الفلسطينيون حروبا فرضتها عليهم عصابات ومنظمات ودول وحكومات ناصرتهم العداء بحجج مختلفة .. فدافعوا عن أنفسهم ومخيماتهم ودفعوا أثماناً باهظة لم يدفعها غيرهم شرق المتوسط.
بالرغم من حالة الحصار والعزل التي استمرت وما زالت مستمرة على مخيمات لبنان ، إلا أنهم لا زالوا يكررون ويعلنون ويقولون أنه لا بديل عن العودة الى فلسطين ، حيث زعترهم الأغلى من أي شجرة أو نبتة أخرى في بلاد الأشقاء سواء أرادوا أن يكونوا عرباً أم فينيقيين.. وسواء فضلوا لغة "عقل" على لغة الضاد والعقل.

الفلسطينيون جوهرة "الشرق الأوسط":

هؤلاء الغرباء في بلد الأرز ساهموا بفعالية وجدية في بناء لبنان الجديد ، وفي رفع شأن الاقتصاد والإدارة والأعمال والبنوك والتجارة والسياحة والزراعة والعلوم والتعليم والأدب والثقافة والموسيقى والرياضة والطب والهندسة والطيران .. ولا مجال هنا لذكر الأسماء والألقاب والمؤسسات والشخصيات المعروفة للبنانيين أنفسهم. يكفي المرء أن يقرأ مقالة " الفلسطينيون جوهرة الشرق الأوسط " للزميل طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية والتي نشرت يوم السابع من آب/أغسطس سنة 2008 ليعرف كم وحجم الشخصيات الفلسطينية التي ساهمت مساهمة فعالة وهامة في بناء لبنان الحديث.

نكبات حلت على الشعب الفلسطيني منذ سنة 1948 وحتى يومنا هذا... كانت وما زالت تتجدد ، فيما الحياة لم تتبدل إلا نحو الأسوأ .. فمنذ غادر هؤلاء بلدهم المحتل فلسطين تحت ضغط الإجرام والإرهاب وآلة الحرب الصهيونية ، في ظل تواطؤ وخذلان الحكام العرب ، وهزيمة جيوشهم على أرض المعركة ، بالرغم من تضحيات كبيرة قدمها بعض ضباط وجنود جيش الإنقاذ العربي. منذ ذلك الوقت ومساحة المخيمات الجغرافية لم تتبدل ، بقيت على حالها ، فالبناء في المخيمات يتم بشكل عمودي، ولا توجد إمكانية للتوسع الأفقي ، ويتم البناء بطرق عشوائية مما يهدد حياة السكان.. القوانين اللبنانية الرسمية تمنع البناء في المخيمات وتمنع أيضاً إدخال مواد البناء الى المخيمات .. وهي تفعل ذلك منذ النكبة الفلسطينية الكبرى سنة 1948 .. وكل ما شيد وبني في المخيمات تم بشكل غير قانوني ، فقانون الحياة والصمود والإرادات هو الذي يسير أحوال الناس في المخيمات..

الأنكى في القوانين اللبنانية بحق الفلسطينيين أنها ازدادت عنصرية في السنوات الأخيرة ، وصار التمييز ضد الفلسطينيين أمراً عادياً.. حيث يستغل العمال من قبل أرباب العمل ، الذين يحتالون عليهم ولا يدفعون لهم أجورهم ويحرمونهم من الضمان الصحي أسوة بأقرانهم من اللبنانيين.. أضف إلى ذلك القوانين الجائرة مثل منع الفلسطيني من التملك والتوريث .. ومنعه من العمل في كثير من المهن والحرف... التمييز بالمعاملات والإجراءات والقوانين حدث ولا حرج... فلكي تدخل مواد البناء الى مخيم مثل عين الحلوة أو الرشيدية والآن نهر البارد ، عليك أن تدور على المؤسسات والوزارات والثكنات والواسطات والأحزاب والعائلات والقادة المحليين .. عليك أن تفعل ذلك لأن القانون لا يعطيك حقك ، لا بل أن القانون يمنع عنك هذا الحق البديهي .. فأنت فلسطيني لاجئ ، جدك وجدتك ووالدك ووالدتك وشقيقك وشقيقتك وابنك وابنتك وكل أهلك من اللاجئين ، الكبار والصغار منهم لاجئين ، لا فرق بين من أتى إلى لبنان لاجئاً سنة 1948 وبين الذين ولدوا فيه خلال 62 سنة من اللجوء ، لا حقوق ولا احترام ، احتقار وتحقير وإذلال ومهانة ، معاملة سيئة ، في المؤسسات والوزارات والدوائر...

"المدّة اللي بتشرب فيها قهوتك بتعمل فيها بطاقة هويتك" – "المدّة اللي بتساوي فيها شعرِك بتعملي فيها بطاقة هويتك":

ففي دائرة الجوازات يعامل الفلسطيني الذي يريد استصدار وثيقة سفر أو بطاقة هوية أو أية معاملة شخصية أخرى معاملة سيئة جداً تبدأ بالإهمال والانتظار الطويل والتحقير والإساءة والكلمات البذيئة والاهانات والشتائم، كما ولا تنتهي بعدم توفر الوقت والموظفين لانهاء المعاملة في الوقت المناسب. ينتظر الفلسطيني أسابيع حتى يحصل على معاملته وبطاقة الهوية مع أن الصحف اللبنانية تعج بالإعلانات مثل " المدّة اللي بتساوي فيها شعرِك بتعملي فيها بطاقة هويتك" .. أو " المدّة اللي بتشرب فيها قهوتك بتعمل فيها بطاقة هويتك"... لم تبد السلطات اللبنانية أي نية للتعاون وتغيير هذا الواقع الجحيمي ، فبحجة رفض التوطين ومنعه ومحاربته ، وهذا شعار مضلل اصبح يستخدمه كل من يريد التنكيل بالفلسطينيين في لبنان وغير لبنان ، يستخدم لإجبار اللاجئين الفلسطينيين على اليأس والرحيل والهجرة والتخلي عن حق العودة الى فلسطين. والهدف منه تهجير أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين في لبنان الى أوروبا والغرب كما حصل مع فلسطينيي العراق ، الذين تم توزيعهم وتشتيتهم على كل جهات الدنيا.

لا يوجد مكان في لبنان أقل فوضى وتسليحاً من المخيمات:

لا غرابة ولا تعجب فالحواجز منتشرة على ابواب ومداخل المخيمات المحاصرة بدبابات جيش لبنان الموحد .. بحجة وجود سلاح وإرهابيين وفارين من العدالة وفوضى والخ يخنق الآلاف في مخيماتهم .. مع العلم أنه لا يوجد مكان في لبنان أقل فوضى وتسليحاً من المخيمات. ففي لبنان ينتشر السلاح وتنتشر الفوضى والجريمة ، مثل جريمة كفر مايا مؤخراً، وسقوط السلطة في اختبار حماية المتهم المصري الذي تم قتله وسحله وتعليقه على عمود كهرباء في البلدة.. الفوضى خارج المخيمات أكثر منها داخلها. صحيح أن مخيم مثل عين الحلوة أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان فيه مطلوبون للسلطات اللبنانية. لكن معظم هؤلاء المطلوبين لا توجد إثباتات وأدلة تدينهم. إذ تعتمد الدولة على تقارير مخبريها وعلى اتهامات لا صحة لها. والمشكلة أن أي مطلوب يسلم نفسه للسلطات ، يتم ابتزازه والطلب منه أن يعمل لصالح المخابرات اللبنانية. وهناك من مات تحت التعذيب في سجون الدولة ، وهناك مظلومون اضطروا تحت التعذيب أن يعترفوا بما لا علاقة لهم به وأن يوقعوا على أوراق وملفات تحقيق جاهزة. ولدينا أمثلة عديدة نحتفظ بها الى أن يحين وقت كشفها.

مخيم نهر البارد وقرارات الوزير زياد بارود:

تلك الحواجز كانت سبباً في تحويل مخيم نهر البارد الى دمار وأنقاض .. كما ولا زالت تمنع أهله من العودة إليه بالرغم من دخولهم عاماً ثالثاً في النكبة الجديدة. فلا يحق لساكن ومالك البيت أن يزور بيته في المخيم القديم بنهر البارد ، ولا يحق للعمال أن يذهبوا الى أعمالهم دونما تصريح يومي من جيش لبنان العربي ، الذي بسط سيادته على المخيم الصغير. بعدما قتل وأسر جماعة فتح الإسلام ، التي وفدت الى المخيم بدعم من جهات رسمية هامة في البلد.
لم تكتف الدولة بذلك فبتاريخ 25 شباط/فبراير الفائت اصدر وزير الداخلية اللبناني (زياد بارود) تعميماً حمل الرقم 4268 ، طلب فيه من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي " متابعة موضوع فتح وإنشاء مراكز ومكاتب غير مرخصة لمؤسسات إنسانية واجتماعية في مخيم نهر البارد ، والطلب من مسؤولي هذه المؤسسات والجمعيات وجوب الحصول على تراخيص قانونية لها تحت طائلة اتخاذ التدابير القانونية". ورد في قرار الوزير أسماء 23 جمعية ومؤسسة فلسطينية ، يمكن تلخيصها بالتالي :

خمسة مستوصفات طبية ، ثلاث مؤسسات ثقافية ، أربع مؤسسات اجتماعية وإنمائية ، ثلاث رياض أطفال ، سبع مؤسسات رياضية وشبابية وكشفية بالإضافة للجنة الشعبية في المخيم.

يبدو القرار بريئاً في ظاهره ، وحقاً من حقوق السلطة اللبنانية ، لكن الحقيقة عكس ذلك ، فحياة معظم سكان نهر البارد معلقة بالمساعدات التي تقدمها تلك المؤسسات وتمتنع الدولة اللبنانية عن تقديمها للنازحين من اللاجئين. عدد الذين عادوا الى المخيم الجديد 18 الفاً من أصل 40 ألف نسمة هم تعداد سكان مخيم نهر البارد. المخيم القديم مغلق وما زال منطقة عسكرية تمنع من دخولها حتى المؤسسات والجمعيات الأجنبية بحسب ما قالته لي ناشطة أجنبية ومسؤولة منظمة دولية تعمل في المنطقة ، التقيتها مؤخراً في بيروت.

تنفيذ قرار الوزير يعني توقف كافة أشكال المساعدات المقدمة الى النازحين من لاجئي مخيم نهر البارد. ويعني كذلك اقفال المستوصفات التي تقدم لهم المساعدات الطبية. مما قد يؤدي إلى تدهور الوضع الصحي والحياتي والمعيشي وازدياد معاناة أهل المخيم.
أما اللجنة الشعبية في المخيم فهي التي تمثل أهل نهر البارد وليست بحاجة لترخيص من الوزير أو غيره حتى تعمل فهي لجنة شعبية وليست لجنة بلدية.. ولو أن للاجئين حقوق عندها يمكن أن نقول أن عليهم واجبات .. لكنهم بلا حقوق ويقدمون ويتحملون واجبات فوق طاقتهم ..
قرار الوزير يثير تساؤلات كثيرة حول مغزاه ومنحاه ، فإذا كان الوزير ومعه السلطة في لبنان يعتبرون ما جرى ويجري في نهر البارد نموذجاً لمخيمات حديثة تريدها الدولة بدعم خارجي وإقليمي وبتشجيع من فريق فلسطيني مستسلم ، تخلى منذ سنوات كثيرة عن اللاجئين الفلسطينيين وقضيتهم وعودتهم، فهذا النموذج سيئ و مسيء للبنان وللفلسطينيين وللأخوة ، ولبلد المقاومة والصمود. وهو بالطبع نموذج لا يمكن لأي مخيم آخر أن يقبل به. لأنه لن يوفر للاجئين الفلسطينيين في لبنان لا حقوق مدنية ولا حياة أفضل ولا كرامة شخصية ولا حق عودة الى فلسطين بل تهجير وتشتيت وتوطين.

مجلس النواب مع فلسطين .. ضد الفلسطينيين:

هذه المقالة كتبت في شهر أيار / مايو الفائت في لبنان وكان من المفترض ان تنشر في حينه لكن مقص الرقيب حال دون ذلك ، الآن وبعد أن عقد مجلس النواب اللبناني جلسته حول الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان وانتهت بالفشل وبتأكيد بقاء لبنان الطائفي منقسماً طائفياً بين مسلمين ومسيحيين وبين عروبيين وتابعين للغرب .. فقد أكد أنه مجلس طائفي وأنه مازال هناك الكثيرون من أعداء الفلسطينيين ولبنان العربي ، فهؤلاء استطاعوا أمس في جلسة البرلمان التي كانت تناقش موضوع الحقوق المدنية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان أن يعطلوا كل شيء ، وأن يتكتلوا طائفياً ، ويعيدوا الى الأسماع أحاديثهم القديمة عن التوطين وغير التوطين.

قاسم س قاسم كتب في جريدة الأخبار اللبنانية يوم الأربعاء الموافق 16/06/2010 تحت عنوان "مجلس النواب مع فلسطين .. ضد الفلسطينيين" ووصف الجدل والنقاشات بين البرلمانيين .. نقتطف من مقالته التالي :
" إذاً، انقسم مجلس النواب أمس انقساماً «عمودياً» بين المسلمين والمسيحيين، في مشهد توقّع اللبنانيّون أن يكون قد تخطاه. وفشل النواب في فصل الجانب الاجتماعي عن الجانب السياسي، فتمترسوا وراء شعارات قديمة.
هي أربعة اقتراحات كان يمكنها أن تقرّ لو لم يخيّم «شبح التوطين» على النواب المعترضين. شبح غريب أمره، لا يحضر ولا يجري استحضاره إلا عند كل موضوع يتعلق بحياة الفلسطينيين وبتحسين أوضاعهم في المخيمات.".

مطلوب من اللبنانيين أن يفكروا جيداً بالحقوق المدنية للفلسطينيين في مخيمات لبنان ، فهؤلاء موجودن في لبنان منذ 62 عاماً ولا شيء يدل على أن تحرير فلسطين أصبح قاب قوسين أو أدنى حتى تستمر عملية تجاهلهم واستثناء حقوقهم المدنية والاجتماعية والإنسانية. فترك الأمور بدون حل ليس في مصلحة الطرفين. لذا على الدولة اللبنانية أن تفكر بسبل أنجع وأفضل تقربها من اللاجئين ومعاناتهم التي تجاهلتها على مدار أكثر من 62 سنة. والتي ساهمت في تأجيجها عبر سلسلة من قوانين التمييز الظالمة ، التي يخجل منها أي لبناني ينتمي إلى لبنان كمال جنبلاط ، رشيد كرامي ، معروف سعد ، عماد مغنية ، جورج حاوي ، بلال قبرصلي و سناء محيدلي ... وكل لبناني ينتمي إلى لبنان العربي...

sofsafi@gmail.com



Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك