إن التيارين الفلسطينيين اللذين اجتمعا في القاهرة، بينهما خلاف حول برنامجين متناقضين تماماً ولا توجد قواسم مشتركة بينهما، والمثير للسخرية أن يكون التفاوض بينهما تحت هيمنة إدارة المخابرات المصرية التي وظيفتها ضبط الأمن أي ملاحقة المعادين للكيان الصهيوني والرافضين للاعتراف والتطبيع معه، والمطالبين بالحرية والكرامة والديمقراطية.. والضغوطات التي مارستها رئاسة تلك الاستخبارات على التيار الوطني المقاوم وعلى رأسه حركة حماس ليست خافية على أحد، ولا نريد الخوض في الشأن المصري وسلطته الخائنة والمعترفة بكيان العدو، فهذا يتم القفز عنه نتيجة الحدود المشتركة العربية الوحيدة مع القطاع، ولكن ذلك أسس لطبيعة ما يسمى المصالحة في مفهوم السلطة المصرية! والسؤال هنا: ماذا يمكن أن يتحقق تحت رعاية مخابرات تحركها أصابع أمريكا والصهيونية؟!
منذ ما قبل اتفاقيات أوسلو والتيار الفلسطيني المستسلم والمتخاذل يتآمر على المقاومة والشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة لصالح الكيان الصهيوني، وقد ازداد التآمر مع توقيع الاتفاقيات المذلة والخائنة لشعبنا، وملاحقة المقاومة.. وأخيراً الموقف خلال الاعتداء على قطاع غزة والمؤامرات التي حيكت للقضاء على المقاومة، وليس موقف مخابرات دايتون – سلطة أوسلو التي أحكمت قبضتها على الضفة خلال الاعتداء على غزة وأجهضت تحرك شعبنا فيها سوى صورة عما تريده أمريكا والصهاينة وعرب أمريكا وجماعة أوسلو من القطاع والمقاومة ومستقبل القضية الفلسطينية، وإن أدى ذلك إلى التجويع والدمار والقمع والاعتقال وقتل الأبرياء من أبناء شعبنا!
وقد ظهر للعيان أنه بعد فشل/ إخفاق التآمر الأسلوي باستعادة قيادة حركة فتح لزمام الأمور في القطاع ثم فشل تآمرها مع الكيان الصهيوني والأمريكي والأوروبي وعرب أمريكا، لضرب المقاومة في القطاع، اندفعوا لتعجيل لقاء القاهرة لاحتواء المقاومة مستغلين شعار إعادة إعمار القطاع.. والمضحك تلك الصورة المتناقضة: يدمرون القطاع بيد ويسعون لإعماره بيد أخرى!!
إن الحديث عن صراع الإخوة بات سخرية بتلك الأخوة المزيفة، فالأخ الوطني هو الذي يعمل على مصلحة الشعب الفلسطيني والتمسك بالثوابت وعدم الاعتداء على المقاومة، ومن لم يلتزم بذلك فهو ليس أخاً بل هو خائن للوطن والشعب وآماله!
نعم الطريق لتحرير الوطن كله وتثبيت برنامج المقاومة ورفض الاعتراف بالعدو الصهيوني، لا بد له من معركة مع التيار الخائن، وكفانا خداعاً لشعبنا من مقولات الإخوة الأعداء التي يروج لها الإعلام بسذاجة وغباء، فالقضية في جوهرها هي التصدي لمن يريد فرض الخيانة على شعبنا، والتصدي لمن يستخدم كل الأساليب القذرة لفرض الاستسلام على شعبنا ومقاومته..
إن سلطة أوسلو لا تمت لشعبنا الأبي بصلة ولا هم لها سوى قبض الدولارات والمناصب لقاء تصفية القضية الفلسطينية، وما الاعتراف بالعدو الصهيوني وبشرعية اغتصابه لأكثر من 80 % (ولربما تصل إلى 92 %) من أرض فلسطين وإلغاء التحرير والعودة والقضاء على المقاومة، سوى دليل على أنها مجرد أداة بيد الصهيونية بل هي صهيونية أكثر من الصهاينة!
حقاً نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب أمور البيت الفلسطيني ولكن بجذرية ورؤى واضحة لإنهاء التيار المتخاذل والمستسلم نهائياً، ولنفرض برنامج المقاومة التي هدفها تحرير فلسطين كلها، وإزالة الكيان من الوجود كله، وهذا ليس صعب التحقيق (تجربة لبنان والعراق والقطاع..) فالكيان قاعدة استعمارية وظيفية فقط؛ مقاييسها والقائمون عليها هي مقاييس التاجر من خلال الربح والخسارة لا غير.
لقد مرت القضية الفلسطينية بصعاب كثيرة عبر تاريخها النضالي وكانت الخلافات والتناقضات والصراعات والمشاكل بين برنامجين وهذه ليست جديدة ومستحدثة كما يتوهم البعض، حتى قبل قيام الكيان ولا سيما خلال ثورة الـ 36، ثم مع قرار التقسيم والنكبة ثم مع نشوء فصائل المقاومة وبروز التيار المتآمر والمساوم الذي دفع باتجاه مشروع الدولتين والاعتراف بالكيان الصهيوني.. ومشروع الدولة الديموقراطية.. وما الإخفاقات إلا نتيجة استمرارية بقاء التيار التابع والمستسلم والمتخاذل والمتآمر ونتيجة الخجل من صراع الإخوة الأعداء!!
ولو كانت الرؤية واضحة تماماً تجاه ذاك التيار وحسم أمره جذرياً منذ البدايات لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، لكن التيار المقاوم لم يكن جذرياً هو أيضاً خلال تاريخه في أطروحاته وممارساته، لأنه كان من المفترض قبل الدخول في معركة التحرير ضد العدو الصهيوني، أن يحدد من هم الأصدقاء والأعداء، وأن يفرض نفسه وأطروحاته على ذاك التيار المتخاذل والمستسلم منذ البدايات وأن يطهر ساحة المقاومة من كل العقبات والعوائق، ليتمكن من التفرغ لتحقيق أهدافه في التحرير، ونتيجة عدم جذريته بقي التيار المتخاذل متحكماً في القرار والمال ومسار الثورة!!
والآن علينا أن نستفيد من تجربة الثورة خلال تاريخها المرير، حتى قبل النكبة وبعدها ومع بروز العمل الفدائي وتجربة الأردن ولبنان.. حتى الانتفاضة الأولى والثانية ودراسة أسباب إخفاق اندلاع الانتفاضة الثالثة.. وذلك لتجاوز أسباب إخفاقات الماضي.
إن الوحدة الوطنية المبنية على التمسك بالثوابت وبالميثاق الوطني/ القومي وببرنامج المقاومة والتحرير الكامل هدف ملح جداً، وهو مبني على الرؤية الواضحة، والجذرية في الممارسة، وعدم الخلط بين الإستراتيجية والتكتيك لأن العلاقة بينهما جدلية فالتكتيك يخدم الهدف الإستراتيجي ويعمل من أجله وليس على حسابه. والطريق إلى الوحدة الوطنية يتطلب البدء ببناء جبهة تحالف وطني ترفع العلم الواحد وهو علم فلسطين والخروج من النرجسية الفصائلية واستيعاب جدلية الخاص والعام مقابل مصلحة الوطن والشعب!
وكل هذا يترافق مع حسم قضية أعداء الشعب والثورة، وخاصة ممن هو محسوب على الفلسطينيين ولكنه لا يمت لفلسطين بأية صلة ولا لشعبها!


Creative Commons License

Share/Save/Bookmark

للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق (نأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى الحذف)

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك