الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
سينما
حجم الخط: + -
حين يلون فيلم "خان الهندي" الصورة السوداء لأمريكا
|
25 - 06 - 2010
محمود عبد الرحيم |
يمكن القول إن فيلم "أسمي خان" للمخرج الهندي كاران جوهر، وبطولة نجمي بوليوود شاه روخ خان وكاجول ديفغان، من الأفلام، التي توافرت له عناصر الإبهار الشديد، غير أنها لا يجب أن تعمي أبصارنا عن رؤية ما بين السطور، والرسالة السياسية الخفية التي يحملها.
وإذا ما تأملناها بعمق، سندرك أنها تضع الفيلم في خانة الدعاية، والترويج للحلم الأمريكي من جديد، أو بالأحرى محاولة ترميم صورة الولايات المتحدة، التي تمزقت في عهد الرئيس السابق جورج بوش، وإعادة تلوينها، واعتبار مجيء اوباما فتحا جديدا، وعودة إلى تراث التسامح وقبول الآخر، وأن ما جرى، خلال السنوات السابقة، سحابة صيف مضت.
وحتى ذلك المناخ المتعصب، والعنصرية ضد الأجانب، من أصحاب الدين والعرق المختلف، له ما يبرره، متمثلا في الصدمة، التى أصابت الأمريكان، جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فضلا عن الإشارات ذات الدلالة، من قبيل أنه إذا كان المسلمون قد تعرضوا لممارسات عنصرية، فأن منهم المتطرفين الدمويين، الذين لا يسلم من تطرفهم أبناء جلدتهم.
بالإضافة إلى دعوة كل من يصاب بأذى نفسي، أو مادي من الأقليات، سواء كانت مسلمة، أو مسيحية سوداء إلى الالتحام، ليس لمواجهة الآخر "الأبيض العنصري"، ورفض الظلم والتمييز، وإنما للتضامن المعنوي السلبي، وتكريس مفاهيم، من قبيل الصبر علي الابتلاء، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وأنا أشاهد، للمرة الثانية، هذا الفيلم الهندي المنشأ، والأمريكي التوجه، تداعى إلي ذهني، ما جاء في كتاب "الحرب الباردة الثقافية"، للباحثة ومخرجة الأفلام التسجيلية البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز، عن دور الاستخبارات الأمريكية، والتمويل الأمريكي السري لمثقفين وفنانين من دول مختلفة، لتكريس الرؤية الأمريكية، وخدمة المصالح الأمريكية، وتقويض أيدلوجيات الآخرين، وفرض النموذج الأمريكي.
وينطلق الفيلم من فرضية أن سوء الفهم وغياب الحوار، هو الذي يقف وراءه المناخ المحتقن، والممارسات العنصرية في أمريكا، فضلا عن أن الآخر الأمريكي لا يعرف حقيقة الدين الإسلامي والمسلمين، وأنه إذا وصلته الرسالة الصحيحة، فأنه سيتلقفها، ويحل السلام والوئام، ولذا علينا كمسلمين أن نأخذ زمام المبادرة، مهما كانت الصعوبة، لأن الحصاد وافر والخير قادم، وهي معان قريبة من التي وردت في خطاب اوباما، سواء في كلمته في إسطنبول أو في القاهرة.
ولذا نرى بطل الفيلم من أول لقطة إلى آخر لقطة، يسيطر عليه هاجس الوصول إلى الرئيس الأمريكي، لتوصيل رسالة أن" اسمه خان، وأنه ليس إرهابيا"، في منحى يضع المسلم في خانة المتهم، الذي عليه أن يثبت براءته، ويدافع عن نفسه، لا أن يواجه النهج العدواني الأمريكي، ويفضح جنون القوة، الذي أصاب الولايات المتحدة، وجعلها تستغل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الذي لم يُحسم إلى الآن من فعلها.. هل القاعدة، أم جماعات متطرفة صهيونية، أم المخابرات الأمريكية ذاتها؟، وذلك لممارسة الظلم والعدوان داخل وخارج أمريكا.
وقد سعى المخرج إلى إخفاء رسالته الدعائية السياسية، وراء إطار إنساني عاطفي، في جانب منه كوميدي، لجعلها تبدو غير مباشرة، حتى يتسنى تلقيها، دون ممانعة أو تحفظ.
واعتمد على الملامح البارزة للسينما الهندية، من تقديم البطل الخارق للعادة والمبهر، وزاد عليه هنا لمزيد من التعاطف أن جعله مريضا بالتوحد، لكنه يبدو عبقريا شجاعا مرحا "يُصلح أي شيء"، وينافس الأصحاء في التسامح، ويساعد المحتاجين، بصرف النظر عن خلفياتهم وانتماءاتهم، فضلا عن رومانسيته، وعشقه لفتاة هندوسية، ظل يلاحقها إلى أن وقعت في غرامه، حتى طفلها العنيد المشاكس، أستطاع أن يكسبه بإبهاره بذكائه، وقدرته على الفوز في المسابقات، ومشاركته ألعابه.
وهنا قمة المبالغة في رسم الشخصية والأحداث.
ولم يكن اختيار بطله هنديا مسلما عفويا، فثمة دلالة تٌخدم على رسالته الرئيسة، فالمسلمون في الهند أقلية، في مجتمع متعدد الأعراق والديانات، ولكن السيادة للهندوس، وثمة احتقانات تحدث من وقت لآخر، ومظاهر عنصرية، لذا حين نقارب بين وضعه في الولايات المتحدة، فالصورة لا تختلف كثيرا، وتبرر ما جرى معه.
على العكس العنصرية هنا وقتية وعابرة، وثمة مزايا أخرى ومغريات، أهمها الرفاه والتقدم العلمي وفرص الترقي.
وتبدو ثمة قصدية واضحة في جعل البطل مصابا بالتوحد، لأن مثل هذا الشخص يعيش أشبه بالإنسان الآلي المبرمج، ومسلما، لأنه النموذج المراد تعميمه، وهو ما جرى طرحه بالفعل واقعيا، إذا قاربنا هذا الطرح مع "مبادرة الشرق الأوسط الكبير"، والضغط الأمريكي، لجهة "التغيير الديمقراطي"، وتغيير المناهج الدينية والتعليمية في العالم الإسلامي.
فضلا عن أن الرسالة الموجهة في الفيلم، أساسا، للمسلمين(مصدر الخطر الراهن في الذهنية الغربية).
وثمة محاولة لتقديم خان بشكل جذاب ومؤثر، يغازل النفسية المسلمة، بجعله يرتدي من وقت لآخر الزي الإسلامي، ويردد بعض آيات القرآن، ويمارس طقوس إسلامية، ويجادل المتطرفين بالحجة، ويذكرهم بصحيح الدين، وبنسك رمي الجمرات، حين يضرب الشيخ المتشدد بالحجارة، ويلقبه بالشيطان.
ومن الملاحظ أنه حتى في أحلك الظروف، التى يمر بها الأبطال نرى المخرج يعتمد على اللقطات الواسعة والطويلة، مع الحركة الدائرية للكاميرا، التي تستعرض الأماكن، وتبرز جمالياتها من زوايا مختلفة، غالبا على خلفية موسيقية، وغنائية هندية، على نحو انبهاري، أقرب إلى النظرة السياحية.
ولذا نراه يبرز صورة الهند الفقيرة، في لقطات شبه قاتمة، مليئة بالزحام والشوارع الضيقة، والبيوت الكئيبة ، والوجوه البائسة، بينما في المقابل يركز طوال الوقت، على أمريكا الملونة، والمضاءة بكثافة معظم الوقت.. أمريكا الطائرات الفائقة السرعة، والمطارات الضخمة، والشوارع الواسعة النظيفة، والجبال الرائعة، والشواطئ الساحرة، والأبراج الشاهقة، والبشر الأكثر جاذبية، كتماثيل منحوتة بعناية، بل أن بطله ذاته، ما أن تطأ قدامه أمريكا، يعبر عن هذا المعنى بجملة مفتاحية شديدة الإيحاء " أنها أمريكا تتحدث".
ونراه في لقطة دالة للغاية، يصعد السلم المتحرك، وتتبعه الكاميرا من أسفل لأعلى، كما لو كان يتجه نحو المجد.
بالإضافة إلى أن تعلقه في الهند كان بحجارة صغيرة، يمسكها طوال الوقت بأيديه، وما ترمز إليه من البدائية، فيما استبدلها في أمريكا بكاميرا ديجيتال، رمز التقدم التقني في أرقى صوره.
حتى عمل خان نفسه يبدو دالا، ويكرس فكرة الاختلاف، والتمايز بين وضعيته في موطنه الأصلي، الذي عاش فيه طفولة بائسة ، فيها رفض من الآخرين له، وإيذاء نفسي وبدني، حتى من أخيه، وبين بلد الأحلام أمريكا. فهناك كان يعمل في كراج لإصلاح السيارات العتيقة والتوك توك، ثم في إصلاح التليفزيونات القديمة، بينما هنا يمارس عملا بسيطا ومريحا، يدر عليه دخلا وافرا، من تجارة أدوات التجميل.
وخلال فترة وجيزة في الولايات المتحدة، حقق أحلامه في الزواج بسيدة شابة فاتنة، وامتلاك صالون للتجميل، وبيت فاخر.
لكنه التطرف الإسلامي، الذي قلب الأوضاع رأسا على عقب، وأضره، مثلما أضر الأمريكان، لذا نرى المخرج يبرز تفجير برجي مركز التجارة العالمي، ويركز على تصوير هذا الحادث ككابوس، وعلامة فارقة في تاريخ البشرية، ليبرر فيما بعد كل الانتهاكات، التى تحدث.
فخان، وزوجته نائمان في سلام، وفجأة يستيقظان على اتصال هاتفي، ثم يهرولان لمشاهدة التليفزيون، والفزع يعلو وجهيهما، ثم نراهما يحضران حفل تأبين للضحايا، ويبادر إلى التبرع، وقراءة الفاتحة على أرواحهم، وذكر مقولته:" إن التاريخ قبل هذا الحادث، سواء كان ميلاديا أو هجريا، ليس كما بعده".
ثم تبدأ سلسلة الانتهاكات، بدءا من ملاحقة المحجبات، إلى كساد تجارة المسلمين، وأعمالهم، ويصل الأمر إلى مقتل ابن زوجته الصغير، على يد أقارنه المشحونين بالتعصب، وعيش المسلمين في عزلة، وفي موضع شك، وارتياب من المجتمع حولهم، وحين يهم خان بمقابلة الرئيس بوش أثناء مرور موكبه، يتم توقيفه، وتشويه رسالته، ومعاملته كإرهابي..
وحتى هذا الانتهاك لحقوقه الإنسانية، يتم تبريرها بالإجراءات الوقائية والخطر المحتمل، لكن ما أن تظهر الحقائق، حتى يتم الإفراج عنه سريعا، دون تعنت، على العكس ينال شهرة واسعة، ويصبح مثالا يحتذى، وسط الخائفين المترددين، وتزداد شهرته رسوخا، حين يذهب لمساعدة ضحايا الفيضان من المسيحيين السود، الذي لم يرق لمتطرف مسلم، فيتم طعنه بالسكين، عقابا له على تسامحه.
في المقابل، مع مرور الوقت، وزوال أثر صدمة الانفجارات، تتغير سلوكيات البشر، وتعود إلى طبيعتها، فنرى زوجة الأخ تعود للتدريس بالجامعة بالحجاب، والمحقق الذي كان يرفض التحقيق في مقتل الطفل، يتحمس لإظهار الحقيقة، والمتورطون في الجرم، وأهاليهم، يبادرون إلى الاعتذار، وطلب الصفح، وكذا الجيران، فيما الأم المكلومة تعاملهم بتسامح، وكأن شيئا لم يحدث.
وهذا أيضا مشهد دال، يلعب على المقاربة بين العنصرية الأمريكية الوقتية، المبررة بالخوف والخطر، وبين التطرف الإسلامي الدموي، المؤسس على قناعات فكرية، ورفض الآخر.
وتتصاعد الأحداث، وتصل إلى ذروتها بوصول خان إلى المستشفى، وفى الغيبوبة يستدعي كل الأحداث، التي مرت بحياته، ومنها الإيذاء الذي كان يتعرض له في الهند، والأحداث الصعبة، التي مرت به، واللحظات المبهجة، وكأنه يريد أن يقول إن ما جرى ماض، وانتهى بخيره وشره، وعلينا أن ننظر للأمام، ولذا نرى المخرج يقطع على أوباما، ونتائج الانتخابات الامريكية، ليكرس هذا المعنى، ثم يجعل خان يصر مرة أخرى على الذهاب لرؤية الرئيس الأمريكي، وسط قلق زوجته، وبهذا المشهد الأخير تتكرس رسالة الفيلم، إذ نجد رجال الأمن ذاتهم، هم الذين يطلبون منه التقدم، لأن الرئيس أوباما بنفسه يريد ان يراه، ونشاهد الرئيس يهرول لاستقباله بحفاوة، والاعتذار له، ولأسرته.
ونرى لقطة واسعة للبيت الأبيض في الخلفية، والمشهد مضاء بقوة، والزينات معلقة، والأعلام، والجماهير مبتهجة، خاصة الأقليات، التي تصفق بحماس، وكأن هذه الصفحة السوداء قد طُويت، وانتصارا قد حدث، وعرس الأقليات قد بدأ في أمريكا، التي ترحب طول الوقت بالآخر، وتحتويه.
وهو ما كشفت الأحداث، وحقيقة المواقف، ومرور ما يزيد عن عام ونصف على تولي أوباما، أنه وهم كبير، لكنه يُراد تكريسه، عبر وسيط ساحر كالسينما، بأيادي هندية وليست أمريكية فحسب.
كاتب وناقد مصري: mabdelreheem@hotmail.com