الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
العَلمانية في لبنان: تجربة خاصة وممكنة! (الجزء الأول والثاني)
|
25 - 06 - 2010
د. ليلى نقولا الرحباني |
الفهرس:
الجزء الأول:
مقدمة:
أولاً: التطور التاريخي للنظام الطائفي اللبناني
ثانياً: الإشكاليات التي يخلقها مفهوم العَلمانية في لبنان
ثالثاً: استغلالات المفهوم في لبنان.
الجزء الثاني:
رابعاً: تفسير يلائم البيئة اللبنانية
خامساً: هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟
الجزء الأول:
مقدمة:
يمكن قراءة العَلمانية على انها جملة التحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والأيديولوجية التي أدّت الى اعتبار أن الانسان الفرد بوصفه ذاتاً حرّة هو أساس التكوين الاجتماعي، وغرض الثقافة والسياسة، ما يعني أن الانتماء الأكثر أهمية، من وجهة نظر العَلمانية، هو الانتماء الإنساني. من هنا يكون كل تمييز للإنسان على أساس الانتماءات اللاحقة للانتماء الإنساني هو تمييز مخالف لطبيعة الإنسان، وانتقاص من قيمته الإنسانية.
تمثّل العَلمانية أحد المكتسبات الأساسية للبشرية، وخطوة مركزية في تحرير العقل البشري وحلاً لمسألة الغيبيات. هي مسألة سياسية أولاً قبل كل شيء، وليست مسألة دينية على الإطلاق، ولعلها الأقدر على إعطاء البعد الروحي والديني للانسان كل مفاعيله وموجباته.
إن جوهر العَلمانية يرتبط الى حد بعيد بالحرية، حرية الآخر المختلف في الوجود، وفي حقه في الاختلاف، لذا تبتعد العَلمانية عن التكفير، وتحترم الحرية الدينية وتعترف بالتعددية وحرية الاعتقاد، بل والحق في تغيير الدين، وتضمن في الآن نفسه استقلال إرادة الإنسان وحريته الفردية.
تتجسد العَلمانية الحقيقية في رعاية حرية الإنسان وحمايتها، وعلى رأسها حق الفرد في التفكير والتعبير عن الرأي وإعلان المعتقد، وحقه في أن يمارس شعائر الدين أو لا يمارسها، وحقه في أن يحدد بنفسه درجة علاقته بالدين وطبيعة هذه العلاقة، وحقه في أن يعارض الحكومة ويناقض توجهاتها بأسلوب سلمي، وغير ذلك من الحقوق المندرجة في المواطنية.
وعليه، تكون "الدولة العَلمانية" هي الحل الضروري والإنقاذي لإخراج لبنان من الأزمة البنيوية للنظام السياسي، وللفصل بين النظام القابل للتعديل والتغيير، وبين الكيان الوطني الثابت. لكن تجاوزاً لحساسية البعض على استخدام مصطلح "العَلمانية" ولئلا نغرق في الشكليات والتسميات وننسى المضمون والهدف المنوي تحقيقه، يمكن لنا استخدام تعبير "الدولة المدنية" بدل "الدولة العَلمانية"، طالما أن الجوهر واحد.
فما هي أسس هذه الدولة العَلمانية - أو الدولة المدنية- المناسبة للبنان؟ ولماذا يرفضها كثرٌ في لبنان، وكيف يستغلونها؟ وكيف نتصورها كمفهوم صالح للبيئة اللبنانية ومتأقلم ومتصالح معها؟
أولاً- التطور التاريخي للنظام الطائفي اللبناني:
المعلوم أن الكيان اللبناني كان قد برز في الحيّز الدولي كساحة صراع بين الدول الكبرى للسيطرة على المنطقة، وقد أُدخلت الطوائف الدينية اللبنانية ومذاهبها المختلفة في شبكة نفوذ تلك الدول، فكل دولة أجنبية، بسبب لونها الديني، تدخلت مدّعية حماية طائفة معينة من الطوائف اللبنانية فروسيا القيصرية مثلاً حمت الطائفة الأرثوذكسية، وفرنسا حمت الطائفة المارونية، والإمبراطورية النمساوية حمت الروم الكاثوليك، والإنكليز حموا الدروز، أما السلطنة العثمانية فحمت الطائفة السنّية.
وقد نشأت عن تلك الظروف ثقافة سياسية عُرفت بـ "ثقافة القناصل" لدى أعيان ووجهاء لبنان الذين اخترعوا أنواعاً مختلفة ومتناقضة من الأفكار القومية والوطنية المتأثرة بالنفوذ الفكري والثقافي للدول الأجنبية الحامية.
وكنتيجة لذلك، تطوّرت نزعات مختلفة تماماً لدى الطوائف اللبنانية، اتخذت شعارات عدة منها "خوف المسيحيين" و "غبن لاحق بالمسلمين" [1]، أضيف اليها مصطلحات تلاءمت مع التطورات الاقليمية السائدة، كمصطلحات "العروبة العَلمانية" مقابل "العروبة الإسلامية الطابع"، زد على ذلك "القومية اللبنانية" على الطريقة الكتائبية مقابل "عقيدة وحدة بلاد الشام" على طريقة الحزب السوري القومي الاجتماعي.
هذا بالإضافة إلى تطوير عقيدة سياسية على يد كل من شارل مالك وميشال شيحا وغيرهما تقول بأن الديمقراطية في لبنان لا يمكن أن تكون ديمقراطية مبنية على حرية الفرد، بل على المساواة السياسية بين الطوائف، على أن تكون الدولة مجرّد حَكَم في صراع الطوائف فيما بينها، وهو في النتيجة والواقع العملي "صراع الدول الحامية لتلك الطوائف".
ولعل نظام المحاصصة الطائفية الذي بدأ مؤقتاً عام 1943 وتحول الى عرف دائم، كرّسه الدستور بعد التعديلات التي أقرّت عام 1990 بناءً على اتفاق الطائف، قد جعل الدولة مساحة لتحاصص الطوائف المختزلة بزعمائها، وجعل التناقضات والصراعات بينهم تأخذ طابعاً طائفياً مقيتاً، فتعيق عمل السلطة، وتعرقل بناء دولة القانون والمؤسسات، وتفتح المجال لتغطية الولاءات والمراهنات الخارجية ولحماية وتفشي الفساد والفاسدين ونمط الزبائنية، وينتج فتناً وحروباً أهلية متكررة، ويجعل لبنان ساحة مفتوحة لصراع تتداخل فيه العوامل الخارجية مع الداخلية، فتضعف سيادة الدولة الخارجية والداخلية المنقوصة أساساً، فقد تنازلت الدولة عن صلاحياتها للطوائف، أو بالاحرى إن الطوائف التي سبق وجودها وجود الدولة أسست دولة هشّة ومحدودة القوة وتركت لنفسها الكثير من الاستقلالية والصلاحيات المفترض بالدولة الاضطلاع بها. وهكذا قامت علاقة عكسية بين سيادة الدولة وقوة الطوائف في لبنان، فكلما زادت قوة الطوائف تقلصت سيادة الدولة والعكس بالعكس.
تحولت الطائفية نظام حياة الشعب اللبناني بأكمله، تخترق بناه الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية وتدخل في تركيبة مؤسساته. واذا كانت وقائع التاريخ اللبناني قد أثبتت أن هذه المحاصصة الطائفية كانت السبب في كثير من الأزمات الداخلية والحروب، وإنها الحاجز المانع للتطور الديموقراطي للنظام، فان هناك في المقابل قوى واسعة ترى أن هذا النظام الطائفي هو سبب وجود لبنان، وان الدعوة الى تجاوزه تعني إلغاء هذا الكيان.
وفي هذا الإطار، يصف الفقيه الدستوري ادمون رباط صيغة تعايش اللبنانيين التي كرّسها الدستور بعد التعديلات التي اقرّت عام 1990 بالقول: "ان اللبنانيين سيبقون خاضعين، كل منهم في إطار طائفته، لقوانينها وشرائعها، في حياتهم العائلية والروحية العامة، باعتبار ان لا بد لكل مواطن لبناني من ان يكون منتمياً الى طائفة معينة، في ولادته وزواجه ووفاته، وبالتالي في حياته العامة، الأمر الذي يجعل الروح الطائفية ملتصقة بشخصه وأسرته، ويجعل كل عمل سياسي يقوم به، كالانتخاب والمنافسة في اقتناص الوظائف العامة والوزارات مستمراً، طبيعياً، في خضوعه لروح طائفته وميولها ومصالحها وتياراتها، وذلك كله لأنه سيبقى عضواً حياً لطائفته الأصلية [2]".
وعليه، ومن أجل الخروج من هذه الدوامة المستمرة من التدخلات والتدخلات المضادة، ومن أجل العبور بلبنان من دولة الرعايا الى دولة المواطنين، والتخلص من الفكرة الدولية التي ترى في لبنان "الدولة الحاجز" أو "الدولة الساحة"، علينا أن نقضي على المحاصصة الطائفية والزبائنية والسير باتجاه علمنة الدولة والمجتمع، وهذا هو التحدي أمام القوى التغييرية والتحررية التي هدفها تحرر الإنسان- المواطن اللبناني بعدما أنجزت تحرير الأرض.
ولكي ننجح في تحقيق هذا الهدف البعيد المدى، وإدارة هذه المعركة السياسية الصعبة بنجاح، لا بد من رؤية سياسية واضحة تربط بين كل العناصر الإشكالية بأوجهها المختلفة، اللبنانية والعربية والدولية، تبدأ بتوضيح مفهوم العَلمانية على ضوء معطيات الواقع اللبناني المرتبط الى حد بعيد بالواقع العربي والإسلامي كون لبنان جزء لا يتجزأ من محيط أكبر يتفاعل معه ويتأثر به وبالتحولات الجارية فيه.
ثانياً- الإشكاليات التي يخلقها مفهوم العَلمانية في لبنان:
تبدو العَلمانية غير مفهومة في لبنان، وفي كثير من البلدان العربية الأخرى وذلك بسبب تعدد وجهات النظر حول هذا المفهوم الخارج من التجربة الأوروبية، ولعل ما يزيد في الغموض هو ان العَلمانية كما الديمقراطية قد تكون عالمية بجوهرها ومفاهيمها ولكنها تختلف من حيث التطبيق بين بلد وآخر، وهذا ما نلاحظه في البلدان العريقة بالعَلمانية، كفرنسا وانكلترا والولايات المتحدة وغيرها.
فالعَلمانية على الطريقة الفرنسية بمعنى Laïcité قامت بفصل الدولة عن الدين بشكل تام، بينما في الدول الأنكلو – سكسونية لا يزال الدين يلعب دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية والسياسية، فملكة بريطانيا هي رأس الكنيسة الإنجيلية الرسمية، وكذلك الحال في أميركا حيث تزدهر التيارات الأصولية البروتستنتية، وقد عاد "المقدس" الى المفردات السياسية في الولايات المتحدة الأميركية بعد 11 أيلول 2001 وخاصة خلال عهد بوش الابن... غير أن الدول في تلك المجتمعات تبقى على الحياد في الأمور الدينية ولذلك لا تمانع إنشاء كنائس جديدة من حيث معتقداتها اللاهوتية ولا ترفض وجود طوائف دينية من غير الديانة المسيحية.
بالنسبة للبنان، لم يشهد مفهوم سياسي معارضة حادة قادتها مكوّنات النظام الطائفي اللبناني كما شهده مفهوم العَلمانية. فقد توحدت المؤسسات الدينية والروحية، المسيحية منها والإسلامية وسائر الفاعليات السياسية ضد هذا الشعار، منذ طرحه.
رأت فيه هذه القوى خطراً يتهدد مصالحها وينقل البلد الى إطار سياسي مختلف، فاتخذت الحملة ضد العَلمانية طابعاً سياسياً دينياً ايديولوجياً، فوسمتها بالإلحاد والسعي إلى إلغاء الأديان وتهديم المجتمع والقضاء على الطوائف، ووصل الأمر الى حد وصف العَلمانية بأنها أداة تدمير مقومات الكيان والنظام والأسس التي قام عليها لبنان.
قوى ثلاث تقف في وجه الإصلاح في لبنان: الإقطاع السياسي الذي يتألف من وجهاء تقليديين، زعماء الحروب الطائفية الذين تحوّلوا الى سياسيين، وطبقة أصحاب الصفقات. وتشكل الطائفية رأس مال الثلاثة معاً، والوسيلة التي يحافظون بها على السلطة ويتناقلونها... وهذا ما حوّل النظام السياسي اللبناني إلى حرب أهلية صامتة. ولقد شوّه هؤلاء المتضررون العَلمانية، وحرضوا المجتمع ضدها وذلك من خلال ما يلي:
- وسمها بالإلحاد: لأن جهل المفهوم طغى على الكثيرين من متوسطي الثقافة والمعرفة، وجمهور الناس الأوسع، فألصقوا بها الكثير مما لا يدخل في صلبها ولا يشكّل روحها الحي، فاعتقدوا أنها "إلحاد" ينكر الله ويتنكّر للأديان، والبعض اختزلها بأنها "حرب على رجال الدين".
- تغليب المصلحة الخاصة، أدرك من يتضرر منها، أي أصحاب النفوذ في مجتمع العلاقات الإقطاعية والتقسيمات العشائرية والعائلية والطائفية، الذين جعلتهم هذه العلاقات زعماء راسخين يتوارثون الزعامة كتوارث الأملاك الشخصية، أدركوا العَلمانية على حقيقتها، بوصفها خلاصاً للمجتمع من ذلك الإرث المتخلّف، وكسراً للتقاليد، وتجاوزاً للعشيرة والطائفة، وصولاً إلى التساوي أمام القانون، وإلغاء كل أشكال التمييز غير الناجم عن الكفاءات... أدركوا تأثيرها عليهم فحاربوها ونعتوها بأبشع الأوصاف.
- رفض إسلامي ومسيحي: كثر من المسلمين يرفضون العَلمانية معتبرين أنها نتاج مسيحي وذلك بسبب الخلط الذي يقيمونه بين المسيحية والغرب، فبالنسبة لهم الغرب والمسيحية واحد.
وهناك بعض المسيحيين الذين يصدّقون مقولة "علمانية الإسلام" فيرفضون العَلمانية لأنها – برأيهم- تتفق مع النظام المجتمعي الإسلامي مع ما في ذلك من مفارقات.
- التطبيق الخاطئ الذي مارسه مدّعو العَلمانية، وذلك من خلال أمرين:
أ- تحت رايات العَلمانية والوحدة وغيرها من المفاهيم قامت أنظمة قمعية في دول الجوار اللبناني، وفي ظل شعاراتها جرى إضعاف الحراك السياسي في المجتمعات العربية، وانتشرت الأحادية في الفكر والسياسة والحياة الحزبية، وانصرف الناس عن السياسة إلى ضفاف أخرى، بعضها عدمي، وأكثرها تقليدي، أي أنهم عادوا إلى التذرع بالعشيرة أو الطائفة أو العائلة.
ب- خسرت العَلمانية حجتها حين تداخلت مع بعض البنى الفكرية الهشة، فصارت علمانية سطحية مسكونة بالتخلف والتعصب للرأي ورفض الآخر وقمع المخالفين لإرادة قادة الأحزاب والمؤسسات والحكومات، وتسخير المنابر الإعلامية لرأي دون آخر، واحتقار هواجس وآراء الجماعات التي تعيش قلقاً فعلياً وليس اعلامياً، قلق غذاه واستفاد منه مدّعو التكلم باسم الأديان.
ولعل التطبيق الخاطئ من قبل مدّعي العَلمانية، والاستخدامات المصلحية في المجتمع اللبناني، ساهمت الى حد بعيد في تأخير مسيرة العَلمانية في لبنان، فكلما سارت عجلة الإصلاحات المؤدية الى تطبيق العَلمانية كلما زاد الضغط الذي يمارسه المتضررون، وبرزت استخدامات خاطئة للعلمانية في لبنان شوهتها وحدّت من إمكانية تطبيقها وهو ما سنذكره في ما يلي.
ثالثاً- استغلالات المفهوم في لبنان [3]:
لقد استغل كثر من السياسيين والمفكرين والإعلاميين اللبنانيين مفاهيم العَلمانية، لغايات خاصة بعيدة كل البعد عن الهدف الأسمى لتحقيق العَلمانية ألا وهو إحلال الولاء الوطني بدل الولاء الطائفي، وتحويل لبنان من فدرالية الطوائف الى وطن يعيش فيه أبناؤه على قدم المساواة. ويمكن القول ان هذه الاستخدامات والاستغلالات للعلمانية تراوحت بين الجهل وسوء الفهم أو عدم إدراك في بعض الحالات وسوء النية في حالات أخرى.
أ- الاستخدام الوظيفي:
يطالب بعض اللبنانيين بالعَلمانية لأنها تحول دون طائفية الوظيفة، وتلغي الكوتا المخصصة لكل طائفة. والملاحظ أنه في المقابل، يتشبث بعض المسلمين والمسيحيين بالطائفية معتبرين أن فيها "مصلحة للطائفة وتأميناً لحقوقها" في الوظائف العامة وخاصة وظائف الفئة الأولى، وهنا السؤال الأكبر: كيف يؤمن وصول شخص من طائفة معينة - بغض النظر عن كفاءته- حقوق الجماعة بأكملها؟ وكيف يمكن لمساواة شكلية (6 و6 مكرر) أن تؤمن مساواة بين المواطنين وحفاظاً على حقوقهم ؟
ب- الاستخدام القانوني:
يهم بعض اللبنانيين من العَلمانية فقط إلغاء قوانين الأحوال الشخصية، والوصول إلى قانون مدني، وبالأخص قانون طلاق مدني سهل، يوفر عليهم الجهد والمال المبذول للمحاكم الروحية خاصة المسيحية منها.
ت- الاستخدام السياسي:
هناك البعض الآخر من اللبنانيين الذين يهمهم من العَلمانية موضوع "إلغاء الطائفية السياسية"، لأنها تخولهم أن يصلوا الى المراكز العليا في الدولة التي حجزها الدستور والأعراف لطوائف دون أخرى.
ث- الاستخدام الامتيازي:
يرفض كثر من المسيحيين العَلمانية لأن الطائفية برأيهم تؤمن لطوائفهم "امتيازات" في النظام، يخافون أن تضيع منهم إذا تمت العَلمانية، وقد تزايد هذا الخوف من العلمانية و"إلغاء الطائفية السياسة" بعد نشر دراسات إحصائية تفيد أن نسبة المسيحيين تقلصت في لبنان الى ما دون الثلاثين بالمئة. وهكذا يربط هؤلاء ضياع هذه "الامتيازات" أو "الضمانات" بضياع "المسيحية في لبنان" بل ونهاية لبنان بشكله التعددي!!
ج- الاستخدام التعجيزي:
يطالب بعض اللبنانيين بالعَلمانية "الشاملة"، فيرفعون السقف مطالبين "إما علمانية شاملة أو لا علمانية" وفي ذلك قطع الطريق على العَلمانية بحد ذاتها.
في إدراك هؤلاء أن المسلمين يريدون "إلغاء الطائفية السياسية" لان الميزان الديمغرافي هو لمصلحتهم، بينما يرفضون علمنة "قانون الأحوال الشخصية" لذا إن المطالبة بالعَلمانية الشاملة تؤدي إلى "رفض إسلامي لها".
في المقابل قد يقبل المسيحيون بعلمنة "الأحوال الشخصية" ولكنهم بالتأكيد لن يقبلوا بالغاء الامتيازات وإلغاء المناصفة بين المسيحيين والمسلمين التي أقرّها الدستور في الرئاسات الثلاث ووظائف الفئة الاولى، لذا فإن المطالبة بالعَلمانية الشاملة سيؤدي أيضاً الى رفض مسيحي لها.
وهكذا، وانطلاقاً من المقاربة الواقعية، ندرك أنه لا يمكن تطبيق العَلمانية في لبنان إلا من خلال "تكييف" المفهوم وأقلمته مع الواقع اللبناني السائد، لأن مقاربة موضوع العَلمانية في لبنان من منطلق أكاديمي بحت هي مقاربة خاطئة لا بل قاتلة، لأنه لا يمكن لنا مقاربة هذا الموضوع إلا من خلال دراسة التجربة المعيوشة للدولة الطائفية القائمة في بلدنا، وتكييف المفهوم ليتلاءم معها.
الجزء الثاني:
رابعاً: تفسير يلائم البيئة اللبنانية
خامساً: هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟
رابعاً- تفسير يلائم البيئة اللبنانية:
بما انه ليس للعلمانية تفسير واحد وليس لها نهج موحد، وبما أن العَلمانية كالديمقراطية وحقوق الإنسان تختلف في تطبيقاتها العملية باختلاف البيئة الثقافية والاجتماعية في بلد معين، فهذا يفرض علينا إيجاد التفسير الملائم لها في المجتمع المعني أي في المجتمع اللبناني، وإيجاد خريطة طريق مناسبة لتحقيقه.
بداية، وبما أن المجتمع اللبناني موسوم بالعامل الديني والطائفي، فلا بد من تنظيف المفهوم مما علق به من رواسب ومفاهيم ألصقت به زوراً وأهمها صفة الإلحاد أو محاربة الدين.
1- العَلمانية لا ترفض الله ولا تقبله، بل هي قاصرة وعاجزة عن قول أي شيء بالله، إذا كان موجود أو غير موجود. العَلمانية لا تدّعي أن لها قولاً تقوله عن الله، بل تترك ذلك لله ورسله وكتبه وللإيمان بهم. وعليه، يكون من الطبيعي وجود "علمانيين مؤمنين" يعيشون في الوقت ذاته الدين وقيمه والعالم الزمني وقيمه، ويميزون بين الاثنين ولا يخافون من تفاعلهما. فالدين هو علاقة فردية عمودية بين الإنسان وخالقه تفرض عليه التزاماً بنصوص "مقدسة" وقواعد سلوكية معينة، أما العالم الزمني فيعيشه الإنسان في علاقات جماعية وفردية أفقية، تفرض عليه أنواعاً أخرى من الالتزامات وضعتها القوانين الوضعية. وهكذا فإن اختلاف الحيز الذي يُمارس فيه الديني والزمني، يفرض تمييزاً واستقلالية بين الاثنين، يعيشهما الإنسان بدون مزج بينهما أو سيطرة أحدهما على الآخر.
وهكذا تكون العَلمانية هي الاستقلالية عن الدين، والاستقلالية لا تعني بأي شكل من الأشكال العدائية، بل الحياد التام بينهما. لذلك يمكن أن نقول أن العدائية للدين ليست عَلمانية بل هي ضد العَلمانية لأنها تجعل ذاتها على مستوى الدين وفي حقله وقيمه ومقوماته، ونقيضاً له ومن ثم تنصّب نفسها ديناً، ولو بالمعنى السلبي.
2- بالنسبة للقيم الدينية، العَلمانية تقبل ما جاءت به الأديان من قيم إنسانية جليلة وهامة للجنس البشري، كاحترام الإنسان، كل إنسان، والمساواة والحرية والعدالة... لكن العَلمانية ترفض على الأديان "احتكارها للقيم الإنسانية" واعتبارها ان "الإنسان لا يصل الى هذه القيم إلا من خلالها"... العَلمانية تقول بهذه القيم نفسها، ولكنها تقول بقيمة القيم بذاتها، أياً كان مصدرها. إن قيمة القيم ليس في ورودها في هذا الكتاب أو ذاك، بل قيمتها أنها لأجل خير الانسان ونموه وتكامله، ولعل الأهم من القيم هو تطبيقها الفعلي على أرض الواقع.
3- العَلمانية ليست مسيحية ولا إسلامية، لأنها صفة للمجتمع ليس للدين. هي نظرة شاملة للعالم تؤكد استقلاليته بكل مقوماته وأبعاده وقيمه. والاستقلالية تعني أن هناك قيماً ذاتية فعلية للعالم والمجتمع والإنسان وقضاياه غير مستمدة من الدين والقيم الدينية وغير خاضعة لهما، أي أنها تجعل تمايزاً بين العالم والدين وتعترف بمميزات كل منهما بدون امتيازات للواحد على الآخر.
4- إن العَلمانية هي السبيل الوحيد لتحقيق مبدأ المواطنية، ولا صحة لأي ادعاء بوجود مواطنية حقيقية بغيرها. فإذا كان مبدأ المواطنية يعني تساوي الناس، أي المواطنين، أمام القانون، فإن العَلمانية هي التي تجعل القانون ذاته قانون مواطنية لا قانون يميّز بينهم على أساس انتمائهم الطائفي.
5- العَلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة لا تعني فصله عن المجتمع أو التقليل من دوره في حياة الناس الاجتماعية، ولا تعني إضعاف مكانته في منظومة القيم الأخلاقية والسلوكية، وفي صوغ هذه القيم وفق مقتضيات الزمن، فالقيم الإنسانية التي تجعلها الأديان محوراً للنشاط الإنساني، تظل ماثلة في الوجدان الاجتماعي ومرشداً للسلوك، وهي تتجلى وفق خصائص البيئة المحددة زمانياً ومكانياً. إن فصل الدين عن المجتمع غير ممكن، والإنسان الفرد، بوصفه الوحدة الاجتماعية الأولى، هو الذي يحدد "بحرية" علاقته بالشعائر الدينية وأفكار الدين وقيمه بحرية تامة.
6- من البديهي أيضاً أن فصل الدين عن السياسة لا يعني فصله عن رجل السياسة. فيمكن للسياسي أن يكون متديناً، لكن المطلوب هو أن ينطلق في نشاطه السياسي من واقع محدد ملموس، ومن قوننة مدنية ديمقراطية للحياة السياسية، لا من منطلقات دينية.
7- أما بالنسبة لرجال الدين فالعَلمانية لا تحارب رجال الدين فلا صلاحية لها بمحاربتهم أو محاكمتهم، بل تحصر نفسها في مواجهتهم عندما يتجاوزون تفرغهم واختصاصهم الديني ليهتموا بالشأن المجتمعي لا سيما السياسي والحزبي منه.
وعليه، يكون على العَلمانية التي نطالب بها في لبنان، أن تؤدي إلى ما يلي:
1- تحرير الوطن، وذلك من خلال إعادة الاعتبار الى المفهوم العالمي الذي يحدد الوطن بوجود شعب مكوّن من أفراد قاموا بعقد اجتماعي فيما بينهم وارتضوا العيش معاً ضمن إقليم معين [5]، ما يسمح بإحلال الانتماء الوطني مكان الانتماء الطائفي، مع الإبقاء على حرية الإيمان والتدين.
2- اعتبار الإنسان اللبناني قيمة بحد ذاته بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الجنسي أو الإثني أو غيره. وهكذا يكون كل إنسان، هو القيمة المطلقة بالنسبة للدولة ومؤسساتها وللدين ومؤسساته، ولا يستمد قيمته من الوسيط الديني أو حتى الوسيط المدني.
3- تحرير الطوائف من الطائفية، وتحرير الدين من التصورات الخاطئة عن الله التي يبثّها المتكلمون باسم الطوائف لأجل استمرارية وجودهم، والادعاء بقدسية السلطة لعدم انتقادها، ومنها التصورات التي تجعل من الله القوة والنصر لفئة المؤمنين به ضد أعدائهم ، القائل بالعنف، بل المحرّض عليه ضد الذين ليسوا من معسكره … كما وتحرير جماعة المؤمنين من التحالفات المشبوهة التي تقيمها الأحزاب الدينية من أجل الوصول الى السلطة.
4- تحرير المواطنية بما تفرضه من مساواة في الحقوق والواجبات من الامتيازات الطائفية التي تجعلها مواطنية ناقصة، حيث لا مساواة فيها بين المواطنين بل تمييزاً فيما بينهم بحسب انتمائهم الديني.
5- استقلالية السياسة عن الدين، واستقلالية الممارسة السياسية عن الانتماء الديني والطائفي، وبالتالي استقلالية هذه الممارسة السياسية عن تدخل الرؤساء الدينيين.
6- تحرير المجتمع من استغلال الحاكم لانتمائه الطائفي سلباً أو ايجاباً في تسهيل او إعاقة عمل المؤسسات.
7- القدرة على محاسبة الحاكم ومحاكمته بدون الخوف من التفاعلات الطائفية وبدون ان يعتبر ذلك مساً بحقوق الطائفة وتهديداً وتحدياً لها.
8- تحرير الوظائف من قاعدة (6 و6 مكرر) التي تضرب أسس الكفاءة والجدارة وتخل بمبدأ "الإنسان المناسب في المكان المناسب".
9- استقلالية المجتمع المدني عن المجتمع الديني والعكس بالعكس، مع الإبقاء على التفاعل بين القيم الإنسانية والقيم الدينية على قدم المساواة، فتغتني القيم الإنسانية من القيم الدينية والعكس بالعكس.
10- استحداث قانون مدني للأحوال الشخصية، وتعميم الثقافة الدينية والأخلاقية والوطنية بدل التعليم الديني في المؤسسات التربوية كافة.
خامساً- هل يمكن لنا أن نحلم بتطبيق ذلك في لبنان؟
نحن نؤمن أن المسألة مسألة تمازج والتحام بين اللبنانيين وليس مسالة فرض كما حصل في تركيا، فمن أجل تطبيق النظام العَلماني في لبنان، نحن بحاجة لموافقة غالبية الشعب اللبناني عليه. ويبدو أن المجتمع اللبناني قد بلغ مرحلة من النضوج لتقبل هذه المفاهيم، فالصعوبات لم تعد روحية وأيديولوجية كما في السابق بل باتت محض سياسية.
ويبقى الأمل هو هذه الأجيال الجديدة التي تتخرج من الجامعات كل سنة، هؤلاء سيغيرون وجه المجتمع، بهم يتجدد علمياً وثقافياً وسياسياً. بالتربية والتعليم والكثير من الجهد والصبر والعمل الدؤوب يمكن أن يتحول المواطن في لبنان الى مواطن طائفي الانتماء وطني الولاء.. إنجاز كهذا يحتاج الى دولة قوية، ومسؤولين علمانيين رؤيويين، ينتزعون الخوف من النفوس، ويزرعون الثقة بين المواطنين، فهل نجد هؤلاء؟
رؤية ومشروع: نموذج التيار الوطني الحر
قدم "التيار الوطني الحر" ("التيار") في لبنان اجتهاداً يشكل رؤية ومشروعاً يحتاج ظروفاً مناسبة لترجمته على الأرض. ولا يتوقف هذا المشروع عند العلمانية وتجلياتها في المجتمع اللبناني فحسب، بل يتجاوز ذلك الى ترسيخ ركائز المواطنية. ونرى انه من المفيد عرض العناوين الرئيسية لهذا المشروع فيا يلي [5]:
لا يرى "التيار" في الديمقراطيّة التوافقيّة، المعمول بها حاليّاً، هدفاً، ولكنّها تصلح، في المرحلة الراهنة، لأن تكون وسيلة مرحليّة تضمن العيش المشترك في سلام، بانتظار تحقيق الشروط الكفيلة باعتماد الديمقراطيّة الأصليّة التي تتحدّد فيها الإرادة العامّة بآليّات النظام الأكثريّ، والتي هي هدف "التيار" ومرتجاه. ويتطلب هذا الاستمرار في تقديم الاقتراحات ومشاريع القوانين القادرة على تعزيز الديمقراطيّة في لبنان وتطويرها.
على رغم أنّ بعض الصفات المدنيّة متوافرة حاليّاً في الدولة اللبنانيّة بموجب الدستور، إلاّ أنّها قائمة أساساً على الطائفيّة في نظامها السياسيّ والإداريّ، وعلى التشريع الدينيّ في قوانين الأحوال الشخصيّة، دون أن يكون للدولة تشريع مدنيّ خاصّ بها، لذلك وانطلاقاً من كون السلطة في لبنان تستمدّ شرعيّتَها من الشعب، ومن كون الدولة تكفل حرّيّة الإيمان والمعتقد من خلال قوانين الأحوال الشخصيّة، فان "التيار" يعمل على أن تعترف الدولة أيضاً بحقّ المواطنين الراغبين في أن تكون علاقتهم بها مباشرة وليست من خلال الطوائف.
يرى "التيار" أن التربية على المواطنيّة مشروع متكامل ويعمل على وضعه في خدمة سياسة تربويّة تهدف إلى بناء الدولة اللبنانيّة العصريّة، وذلك من خلال إعادة النظر في أساس مفهوم المدرسة وأهدافها ووسائلها ومناهجها، وفي ذهنيّة إدارتها ومدرّسيها، وإخضاعها لمساءلة المجتمع المدنيّ، فتصبح وطناً مصغّراً وقادراً على المزج بين اكتساب المهارات العلميّة وممارسة المهارات المواطنيّة، من خلال وحدة الأهداف فيما بينها.
ظل دور الدولة في الرعاية مغيَّباً منذ عهود، وتمّ وضع اليد على مقدّراتها، من أجل توظيفها ضمن دائرة المصالح الفئويّة والشخصيّة والمحسوبية، ما جعل المواطنين في حالة من التخلّي والعَوَز والخوف من الغد، وجعلهم يلجأون الى طوائفهم للحماية، لذا فان "التيار" يعمل على أن تشمل الرعاية الاجتماعيّة جميعَ المواطنين بدون استثناء أو تمييز أو تفضيل من خلال اعتماد نظام متكامل للعدالة الاجتماعية، تكون البطاقة الشخصيّة المتعدّدة الوظائف احدى أركانه.
من خلال مواقع السلطة والقرار التي يسعى "التيار" الى تولّيها بأخلاقيّة نضالاتنا السابقة، فانه سيتابع العمل على تحرير المواطن من الإقطاعيّات، من خلال إستراتيجية إنمائيّة متوازنة، تضمن حقوقه بالتعليم الأساسيّ والصحّة والسكن، وتثبته في أرضه وقريته، مما يؤدي إلى استعادة ولائه للدولة القائمة بواجباتها في الرعاية والحماية، ويتخلى عن الولاءات الجزئية وخاصة الطائفية منها.
سيستمر "التيار" في النضال ضدّ الفساد والمفسدين في كل الميادين، وذلك بهدف القضاء على استغلال الوظيفة العامّة للمآرب الخاصّة، وإجراء التحقيق القضائيّ ـ الماليّ لوضع حدّ للتدهور الاقتصاديّ والماليّ. انها المعركة يرى التيار ان يخوضها من خلال القوانين والإجراءات العمليّة والتشدّد في العقوبات الخاصّة بالفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش، وفصلها عن السلطة التنفيذيّة وإلحاقها بالسلطة القضائيّة، وكفّ يد السياسيّين عن حماية الفاسدين، واعتبار أيّ تدخل مشاركة في الجريمة.
موقع "كلنا شركاء".
mail@kanaanonline.org
الهوامش:
1- تبدل هذا الأمر بعد الطائف والصلاحيات التي اقتطعت من رئيس الجمهورية وأعطيت أما لرئيس مجلس الوزراء أو لمجلس الوزراء مجتمعاً، وهكذا تحول ما سمي الغبن الإسلامي الى "احباط" مسيحي.
2- انظر: ادمون رباط، مقدمة الدستور اللبناني، دار النهار، بيروت، 2004.
3- للتوسع في هذا المضمون: المطران غريغوار حداد، العلمانية الشاملة: عناصر حوار، بيروت، لبنان، 2000.
4- بكلام آخر عدم اعتبار الوطن مؤلف من أجزاء دينية هي الطوائف، بل اعادة الاعتبار الى مفهوم الفرد وحقوقه كمواطن بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي او الجنسي او غيره.
5- انظر: البرنامج الانتخابي للتيار الوطني الحر لعام 2009.