بقبوله استقالة – والأصح اقالة- الجنرال ستانلي ماكريستال، قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي العاملة في أفغانستان، يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما قد اختار أهون الشرين: التضحية بضابطه المشاكس، أو التضحية بمكانته وسمعته كرئيس قادر على إدارة من يعملون بإمرته وضبطهم عند الضرورة.
وما كان له أن يتردد في الاختيار وهو على عتبات انتخابات الكونغرس القادمة التي يتوعده الجمهوريون بحسمها لصالحهم، ويركزون بشكل خاص في حملاتهم الدعائية على ضعف الرئيس أوباما وفشل استراتيجياته في التصدي "للإرهاب"، وفي الحفاظ على مكانة أميركا القيادية في العالم.

لكن إقالة ماكريستال ليست سوى تسوية جزئية لتهدئة غضب كبار المسؤولين الأميركيين الذين طالتهم انتقاداته اللاذعة التي أدلى بها لمجلة "رولينغ ستون"، ورأوا فيها فضيحة مدوية لهم على الملأ، وخروجا للعسكر على تقاليد الانضباط والطاعة الواجبة للمسؤولين السياسيين المدنيين.
ولأن أوباما يدرك الأثر الذي ستحدثه إقالة قائد كبير مثل ماكريستال في أوساط المنافسين والحلفاء والأعداء، والاستنتاجات التي ستتولد لديهم، وبخاصة بصدد تقييم الوضع في افغانستان، فقد سعى الى التخفيف من وقع القرار بتعيين قائد معروف جيداً بدلا من ماكريستال، هو الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القيادة المركزية، مع التوضيح والتأكيد على ان تغيير القادة لا يعني تغيير الإستراتيجية المعتمدة في أفغانستان.

لكن هذه الأقوال لا تبدو مطمئنة بقدر ما تثير من القلق:
قلق الرأي العام الأميركي، وقلق شركاء أميركا في الحرب.
فقد سبق وان قيل كلامٌ وتأكيدات مشابهة عند تعيين الجنرال ماكريستال نفسه لقيادة القوات في أفغانستان في حزيران- يونيو- 2009، أي قبل عام بالضبط، خلفاً للقائد السابق الجنرال ديفيد ماكيرنان، الذي عُزيت اقالته حينها لفشل الإستراتيجية التقليدية التي يتبعها في مواجهة "العدو" في افغانستان، وكان الجنرال ماكريستال احد ابرز نقادها، فيما كيل المديح لماكريستال وجرى الاحتفاء به وبالإستراتيجية الجديدة التي التي قيل وقتها بأنها ستأتي بالنصر، الى الدرجة التي أغرت اوباما بتحديد موعد لبدء انسحاب تدريجي من أفغانستان بحلول منتصف صيف العام القادم 2011!

توالت الأيام والأسابيع والشهور ثقيلة، ومضت منذ حزيران- يونيو الماضي، دون ان تتمكن القوات الأميركية من تقديم ما يسمح لها بالزعم بأنها حققت ما هو جدير بمسمى النصر، والموارد والجهود والإجراءات التي بذلت طوال سنة: (عشرات الآلاف من الجنود الجدد الذين أرسلوا لساحة الحرب، الأموال الإضافية التي تم ضخها لرشوة فئات افغانية وشراء تعاونها او سكوتها، مجالس "لويا جيرغا" السلام، الزيادة الهائلة في عدد وعدة منتسبي اجهزة الجيش والأمن الافغانية، التعاون مع الحكومة والجيش الباكستاني في المواجهة، والاستراتيجية العسكرية الجديدة القائمة على الزحف البري والاستيلاء على معاقل المقاومة الافغانية، بدل الاستراتيجية السابقة التي اعتمدت على القصف الجوي)، بدا وكأنها بلا طائل، تراوح عاجزة عن احراز تقدم جدي على طريق الاهداف المحددة: تشتيت وتدمير "قوى التمرد"- اي المقاومة الافغانية-، مع العمل على مساومة قياداتها تحت ضغط النار بأمل تطويعها للقبول بالمشاركة في الحكومة تحت سلطة الاحتلال. السعي الى عزل الشعب الافغاني وابعاده عن تأييد المقاومة وتوفير المدد والحاضنة لها، ومحاولة كسب فئات منه على طريقة " صحوات القبائل" واللعب على موضوع الاثنيات والمناطق كما جرى في العراق. تعزيز الحكومة والجيش والامن الافغاني، بما يسمح بتقليل الحاجة تدريجياً للجهد الاميركي والاطلسي.

حصاد هذه الجهود كان التأزم، والمزيد من الخسائر والنفقات، ليس بسبب افتقاد الإرادة لدى اميركا، ولا بسبب نقص كفاءة القادة او الوسائل، بل بسبب رفض اغلبية الشعب الافغاني للاحتلال وادواته، ونجاح مقاومته في استيعاب الاستراتيجية الجديدة وصدها بفاعلية ملحوظة. والتأزم في الوضع بنتجة الاخفاق في الميدان، هو ما دفع بالجنرال ماكريستال ومساعديه الى الاحباط والسخط الذي أفصح عنه الحديث لمجلة "رولنغ ستون". فما كان لقائد آمر من مستوى ماكريستال ان يغامر بسمعته ومركزه الوظيفي المتقدم لو ان الامور تسير على ما يرام، وكان سيتجاوز عن الانتقادات التي اعلنها، او ابقاها ضمن اطار المراتب الهيكلية، لو ان الاوضاع حسنة او حتى محتملة. كان لديه ما يحرص عليه ويضيفه لسجله المهني ويباهي به.. فقط لو كان ثمة ما يَعِد بالتحسن!
يدل على هذا حديثه للصحفيين الذين التقاهم في مقر حلف شمال الاطلسي في بروكسل في 10-6 الماضي، بعد لقائه مع وزراء دفاع الحلف الذين اجتمعوا لتقييم الوضع في افغانستان واستمعوا لتقديره للموقف بعد سنة من مباشرة الاستراتيجية الجديدة. فرغم رغبته في اسماع المتسائلين ما يرضيهم، الا ان ما امكن تعداده من انجازات، بدا ضئيلاً امام الادعاءات التي روجت، والامر الاهم انه لم يصادق على وعد قريب بالنصر والانسحاب، وهو ما يعني الاستمرار في الحرب الدائرة في بلاد بعيدة وتحت سماء غريبة دونما افق منظور بنهاية مرتقبة. وكذا الاستمرار في صرف نفقات جديدة باهظة في ظل ازمة مالية واقتصادية تتفاقم يوماً بعد يوم، وتزداد مع تفاقمها اعداد الناقمين.
هذا التقدير للموقف على الارض هو النقيض لما يدعيه اوباما وفريقه المنهمك في اطلاق وعود لا أقدام لها، تماماً كوعود سلفه جورج بوش الابن، ومن قبلها وعود الرئيس جونسون الذي كان يغرٍق اميركا في فييتنام اكثر كلما ادعى انها تقترب من النصر!

لم يكن أمام ماكريستال اذاً، سوى النجاء بنفسه والتنصل من الإخفاق الذي يراه ويعاينه بناظريه، فألقى بقنبلته الانتقادية التي دوت في واشنطن. اما اوباما الذي وجد نفسه وقد افتضح، فلم يكن امامه ان يفعل سوى ما فعل: اقالة ماكريستال، والدفع بأفضل خيوله الى الميدان الافغاني: الجنرال بترايوس، مؤملاً منه ان يسترد ثقة الامة الأميركية القلقة، والشركاء المنزعجين الذين بدأوا ينسلون مما تورطوا فيه وعلقوا.
لكن الصراع في افغانستان، لا يتقرر بإرادة واشنطن وقادتها واستراتيجياتها المتعددة المتعثرة منذ تسع سنوات، بل بالشعب الافغاني.. بعزيمته، وبمقاومته التي لا تحتاج الا للصمود لسنوات قليلة حتى تقنع الولايات المتحدة بما سبق للمقاومة الفييتنامية وان اقنعتها به.

alhalaseh@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك