\"على الشعوب ألا تعي بالضرورة حقيقية ومصدر التدليس: لقد تم تبنيه (فكريا) في السابق بصفة نهائية قسرا،.. وعندما ترسخ في الأذهان... أصبح بالتكرار بديهيا،.. ويجب اعتباره فصاعدا، موثقا أبديا،... فلا بد، والحالة هذه، من مواربة حقيقية بدايته ومصادره، إذا كنا لا نرغب في أن يوضع حد له قريبا\" ... الفليسوف -الثيولوجي -الرياضي\" باسكال\" Pascal من كتابه: \" أفكار\"Pensées ... نقلا عن الكاتبة والخبيرة الاقتصادية الفرنسية Viviane Forrester \"فيفيان فوريستير\"من كتابها : \"الفظاعة الإقتصاديةL’horreur économique ص 9\".

وهكذا تتم عقلنة \"الخديعة\" في الفكر الغربي بالعقل المنهجي الأرسطي،والتبرير الإيديولوجي،والدليل العقلي...، وما على بُلهاء اليابسة،- من خارج الأنظومة الغربية- سوى قبول \"منطق\"التدليس المستمر عبر تاريخ الفكر الغربي،وأنفها معفر بالتراب –حسب تعبير \"ألبير كامو\"
ولعل رائد أدب الخيال السياسي \"Policy Fiction الكاتب الأنجليزي الكبير \"جورج أوريل\"، الذي لخص لنا هذا التدليس الغربي بعبارته الشهيرة \"...لقد أصبح اليوم السلم هو الحرب،والحرية هي الإستعباد، والجهل هو القوة \" في روايته الشهيرة \" 1984\" Nineteen Eighty-four التي تعرض فيها لموجة التحذير التي كانت تجتاح العالم خلال مؤشرات التغييرات الخطيرة للصراعات اللا أخلاقية الخفية والظاهرة للقطبين :الرأسمالي والاشتراكي، التي أسفرت عن امتصاص وهج التمرد الشيوعي (وليد الأنظومة الغربية نفسها ) وإزاحته إلى غير رجعة من حلبة المنافسة على اقتسام الكعكعة، حيث بدأ العالم من جديد– المتقدم أو المتخلف- يواجه التحذير الحقيقي– حسب أوريل \"للاحادية القطبية وهيمنة بشاعات عبوديات \"شحنتي: \"السوق الأحادية\" وعبادة \"العلموية\" المؤديتين إلى بداية عصر جديد ، أصبح فيه الخطر يتهدد الجميع، ذكرت المثقفين في العالم ب\"الجحيم الدانتي\" لدانتي وب\"الأرض الخراب\" لـ:ت. س. إليوت كنماذج إبداعية توضح الإرتعاب الغربي في كل مراحل تحوله التي تؤدي بالبشرية إلى الدمار

تقديم:
أسس الجنرال دوغول \"الجمهورية الفرنسية الخامسة\"... و\"فصل مقاسها على قامته- حساً ومعنىً \"-كما كان يردد عدوه التقليدي \"فرانسوا ميتيران\"...، وكان دوغول يكرر- كمؤرخ للأكاديمية العسكرية الفرنسية، فضلا عن صفته الجنرال العسكري الميداني ،بأن: مناط سر نجاحه في قيادة شعبه نحو التحرر من النازية ،تكمن في أنه كان يِِؤمن بالمسيح (عليه السلام) وبالإنجيل،وبمنهج الإستقراء التاريخي لـ\"جاك بانفيل\" في نظريته \" تناتج التاريخ \" التي مؤداها :\" بأن السياسي والمثقف الجاهلان لدراسة التاريخ- استجلاءا لعبره-لا يمكنهما سوى تكرار نفس الأخطاء التاريخية الفادحة في حق شعوبهما وحضارتهما\"
أما نحن ،... فإننا نؤمن بالقرآن الكريم والكتب المنزلة، وكل الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وسير الأمم الخالية وعبرها،وصحة الإستقراء الخلدوني \"القائل :إن الأحكام في القضايا الكبرى للحضارات،يصدرها التاريخ وينفذها من خلال أجياله وأناسه: سلاطينُه وسياسيوه و قاداتُه، ومفكروه ونخبُه وشعوبُه...،وتكمن وسائل التاريخ في ذلك: أن يُعلي من شأن أمم ويُهبط بأخرى... ويُذل أقواماً بعد علوها في الأرض ويُعز أخرى بعد نكوصها ..،.بقصد إعادة الموازين الكونية إلى الإعتدال، لأن مقاصد التاريخ هي: العدالة،وطريقها الإستقامة، وبهما يربط الخالق،سبحانه، الأكوان، ليَربط صلاح الدنيا بصلاح أهلها- حسب المقولة الخلدونية-.... وقد يبطئ التاريخ خطواته أحيانا في سبيل تطبيق عدالته،...فتستغرق الجيل أو الأجيال،أو القرن والقرون،ولكنه يصل يقينا،...وقد تكون عدالته عرجاء او مبتورة ولكنها حتما مقضية ولو بعد حين

والذي شهدته الحضارات الإنسانية الفائتة قبل أفولها على مستويات سموها أو هبوطها - قبل الحضارة الغربية المعاصرة بقرون- لم يكن عجبا،... فما هي إلا العملة الرائجة ،التي تدير لنا الوجه الآخر، أو مثل العجلة الدوارة في مسارات تواريخ الحضارات

وها هي الحضارة الغربية قد وصلت إلى مداها بعد اكتمال دورتها الزمنية،لتصل إلى نهاية علوها في الأرض، بعد تمكنها من مقادير الحضارات والثقافات ومصائر البشر،فيحق عليها القول، لتدفع أقساطها المتأخرة التي طالت،وذاك قانون التداول والتعاقب في تاريخ نهوض الأمم وانحطاطها،حيث لم يُعرف أن حضارة جاوزت أكثر من الخمسة قرون ،حسب الإستقراء التاريخي لعلامتنا ابن خلدون، والمؤرخين البريطانيين \"توينبي\" و\"ديورانت\" \"وتلك الأيام ندوالها بين الناس لقوم يتفكرون\" حسب المقولة القرآنية الكريمة

\"تطورية\" الإرتعاب الغربي :

إن ظاهرة الإرتعاب من السقوط والإنحدار، ظاهرة كونية تؤمن بها كل الحضارات القديمة من الصين بأقصى آسيا،إلى البيرو والمكسيك بأقصى القارتين الأمريكيتين،وكانت هذه الحضارات \"اللاغربية\" تؤمن بزوال السلالات الحاكمة،عندما توهن عزائمها عوامل التحضر المادي، وشيوع زيف القيم الأخلاقية المصاحبة للتطور العضواني الصرف،المولدة للنزوعية الفردية والأنانية،والإفراط في اللذات الحسية المدمرة المؤدية إلى المواة القيمي التام، حيث كانت هذه الحضارات (وخاصة تلك المنافسة للحضارة الغربية مثل الهند والصين والإسلام) تؤصل لإطارها المذهبي، وخلفياتها الثقافية،على أساس فكرة دورات الحضارة، باعتبار أن مفهوم \"الإنتكاس\" في المنظور الكوني الكوسمولوجي الشرقي،عموما،لا يشكل سوى جزرٍ مؤقت، ومرحلة في نظام لا يتغير ما بين المد والجزر،(فكل حضارة انهارت يمكنها استرداد وهجها اذا توفرت لها شروطها الموضوعية الخاصة بها) بينما تعتبر \"الفوضى\" في المفهوم الإغريقي، و\"التشوش\" عند \"العبرانيين\" موقف كوني أصلي سابق للظهور البشري (وهو ما يفسر كون الغرب المعاصر يعتمد في مراحله المسماة ب\"التغيير\"على التشوش والفوضى \"التي دعمتها منذ السبعينات،أبحاث العلوم الحقة في مراكز البنتاغون، ومعهد الأبحاث العسكرية بكاليفورنيا بالولايات المتحدة، ومعهد \"جوناثان\" لنتانياهو بالقدس في السبعينات، للعمل على الإطاحة بالاتحاد السوفياتي والأنظومات الإشتراكية)

والجدير بالذكر، بأنه ما من حضارة في تاريخ الحضارات، آمنت بخلودها الأبدي، مثل الحضارة الغربية المعاصرة ذات الجذور (الإغريقية- الرومانية- اليهودية- المسيحية) (1)... ولذا رافقتها في مسارات تحولاتها المستمرة، تخوفات السقوط– كما صورتها ميثولوجيات الأغارقة عبر صراعات آلهات الأولمب في عليائها، وعبر حوارت سقراط مع تلميذه أفلاطون، اللذان كانا يرسلان-خفية- الأماديح والتراتيل لرب الارباب \"زوس\" تزلفا وامتنانا،كونهما خُلقا أثينيين،ولم يولدا بربريين همجيين من \"خارج الصور المديني الحضاري الأثيني\"...

واستنادا،بالتالي، إلى القوانين الرياضية لـ: التماثل أو التناظر أو التطابق، فإن \"إسرائيل\" والولايات المتحدة يؤطران لنفسهما (عقديا وثقافيا وإيديولوجيا): كونهما الوريثان الحصريان للتنظير( الإغريقي-الروماني-اليهودي)، ويصنفان أوروبا- بعد ذبول إمبريالتها- مجرد ذيل وتابع لهما، وكونهما المدنيتان الكائنتان \"داخل الصور المديني\" كما طبقتها الولايات المتحدة على الإثتيات الأصلية لسكان القارة الأمريكية بالإبادات والإستأصال والإحلال، بعد أن \"تحرر المستوطنون من الرواد البيض الأوروبيين الأوائل، من وطأة التاريخ الأوربي الثقيل، ليؤسسوا تاريخهم الخاص على العهدين القديم والجديد \"–حسب المؤرخ الأمريكي Edwin ; Scott Gaustad ،وعن التجربة الامريكية في اندفاعيتها الدينية (التلمودية-البروتستانتية) لمغامرة كولومبس المسماة ب\"نهاية الحج العظيم\" و \"نهاية البحث الروحي العظيم\" والممارسات التي اصلت للاسثناءات الامريكية ( الدينية\"العقدية\" والجغرافية والتاريخية) عبر الابادات المنطمة للرواد الاوربيين البيض الأوائل التي تم استنساخ نفس التجربة وإحيائها على الأرض المقدسة للعرب والمسلمين بفلسطين، مع نهاية الحرب العالمية الأولى (1914)،عبر السمسرة اليهودية العالمية والمؤامرات (الفرنسية-البريطانية)- ولا يهمنا هنا رأي نفاة المؤامرة- حيث اكتمل بذلك تغريب العالم في شكل الملحمة الكولونيالية الأوروبية، والصهيونية العالمية، والإمبريالية الأمريكية الجديدة، التي سيسيطر الغرب-عبر هذه التشكيلات المتآلفة على الكرة الأرضية -حيث ينظر المؤرخون الغربيون المنتشون بهذا الإنتصار الجديد- بمعية المثقفين الثالثيين المزيفين- على أنه بداية \"العهد الجميل\" للبشرية ،حسب التعبير الظريف للأنثروبولوجي الفرنسي \"سيرج لاتوش\"

أوروبا الجديدة أو: ميلاد \"مملكة الرعب الجديدة\"

\"عندما ينحدرمستوى منسوب المياه في البحار، فإن البواخر تتبع حركة التيار...،وعندما تنتشر المخاوف، فإننا نصاب بالهلع والتشتت، ونرتمي في أتون السفاسف والهذيانات، فتنتابنا حالات الهستيريا المستشيطة، مثل الحمى المتصاعدة...، نفتح الصحف فنخال العالم الأوروبي وكأنه تحول إلى حوض ماء عكر يدور حول وسط زوبعته الدول الأوروبية التي تنجرف حثيثا إلى القعر، لتبتلعها الأزمة الخانقة الواحدة تلو الاخرى\" .. كما صور هذاالمشهد الاوروبي المرعب لعام 2010، القاص والمحلل الاسباني المعروف \"بينجمان برادو\" Benjaman Prado في مقالة له بشهر مارس\" بجريدة El pais الإسبانية، وفي قصته : \"أوروبا: مملكة الرعب\"....ثم يأتينا من \"ألمانيا بلدالأنوار\" نبي الإبيستيمولوجيا، وفلسفة السياسية، وآخر \"الكانطيين\" \"يورغان هابيرماس\" الذي تململ– بعد لأي- لينذر النخب الأوربية وساساتها ومثقفيها، بأن الأزمة الأوروبية الحالية،ما هي إلا زوبعة في كأس– ولم تتراءى له بأنها زوبعة في بحر هادر مائج ... مكتفيا بتنبيه كل من: ميركل و بوتين وساركوزي وسائر الرؤساء الأوروبيين، بالتحلي ب\"روح الشجاعة والجرأة\" للحفاظ على \"لحمة أوروبا، وحماية روح تقاليدها العريقة\" ولسنا ندري عن أية روح يتحدث هذا الديناصور الألماني، الذي صمت دهرا ونطق كفرا، فهاجت لقولته هذه الصحف الأوروبية وماجت ، من برشلونة إلى بون، منتشية بهذا \"الفتح الهابيرماسي الجديد\" حيث تبارت النخب السياسية ومثقفيها في المسارعة إلى إظهار الولاء للتقاليد الأوروبية العريقة بالتكدس في عرين التطرف ومطاوح الفوبيات، والتحذير من الأجانب، والتنافس في الدفاع عن التنظيرات الجديدة الداعية إلى \"الحفاظ على الهويات القومية وخصوصياتها الوطنية، والإستلهام من عراقة الأعراف الدينية (المسيحية-اليهودية) ورموزها الثقافية في الفن والعمارة، والإستلهام – إبداعيا- من أنماط العيش لما قبل الأنوار، والنظرة إلى \"الآخر\"...حيث يبدو الإمتزاج واضحا اليوم في المشهد (السياسي-الثقافي) الأوربي، ما بين مفاهيم: الحضارة والثقافة والهوية كما يراها الأنثروبولوجي والمفكر الفرنسي: \"فرنان بروديل\" Fernand Braudel بأن الحضارة هي: \"...الطريقة التي نولد بها، ونحيا ونحب ونتزوج ونفكر، ونؤمن ونضحك ونلبس ونبني منازلنا وننظم حقولنا، ويتصرف بعضنا إزاء بعضنا الآخر \"التي تشكل هويتنا الحضارية\" (من كتابه: L’identité de la France.).. وهي الموجة الجديدة التي بدأ يتزعمها- \"ساركوزي\" المؤدية إلى تنامي التيارات المعادية حتى للمواطنين الأوروبيين من الجيل الثاني أو الثالث أو الرابع، من ذوي الأصول العرقية \"الغير بيضاء\" والدين الغير (مسيحي- يهودي) حيث تقوم النخب الغربية -على مختلف انتماءاتها- بالتذكير على إعادة النظر إلى أوروبا وهويتها ضمن :

- ضميمة الديانتين الحصريتين: (المسيحية –اليهودية) مع إقصاء الإسلام (وقد تم التخلص من \"الإسلام الأبيض\" في أوروبا عبر بلقنة وتشتيت المسلمين الأوروبيين عبر حرب البوسنة)
- وضمن: فلسفة واحدة هي التنوير،...
- وضمن عرق واحد هو: العرق الأبيض... ويا له من مشهد جديد: \"ديموقراطي\"، \"عقلاني\"، \"إنساني\"..
... إنها المهزلة الإنسانية الجديدة في مهرجان التدليس الغربي الجديد \"حيث تعيد توضيح مقولة \"اورويل\" السابقة التحايل على الحقائق من التدليس الى التلبيس التي ذكرها في الثمانينات :
\"إن السلم هو الحرب ، والحرية هي الإستعباد، والجهل هو القوة\" وأضاف المفكر والمحلل السياسي الأمريكي \"Webster Griffin Tarply او أهم كتاب بيبليوغرافيات رؤساء الولايات المتحدة - وخاصة بيليوغرافيا او باما عام 2008، بأن \"الحقيقة اليوم في الغرب الأوروبي والولايات المتحدة هي الخديعة\" ... وذاك هو منطق التدليس.

(للموضوع صلة...)

baiti@hotmail.fr



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك