الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
قضايا عربية
حجم الخط: + -
حركة 23 يوليو: ثورة أم انقلاب؟
|
23 - 07 - 2010
مخلص الخطيب |
يطلّ علينا من وقت لآخر أفراد يكتبون بحرية غير متاحة لهم في أقطارهم، ليُكرّروا أن حركة 23 يوليو / تموز 1952 ليست ثورة بل انقلاباً، وأن عبد الناصر قد خان رفاقه وخدع العرب... ويتوقفون هنا، دون تعريف الانقلاب مقارنة مع الثورة، ودون تحليل لما يجري بعيد كل انقلاب أو ثورة، وهنا لابدّ من التذكير بمسلمات مُتفق عليها:
الانقلاب:
هو تنحية رئيس دولة من قبل ضابط ذي باع طويلة في الجيش، كما حدث في معظم الدول العربية واللاتينية. إنّ انقلاب الراحل بو مدين، على رفيق دربه بن بيلا الذي كان يعتبر بطلاً جزائرياً وعربياً وعالمياً، يعتبر مثلاً حياً في وطننا العربي، وانقلاب القذافي على ملك مغلوب على أمره كان أمراً يسيراً ومثيراً للجدل، والانقلابات من هذا النوع كانت كثيرة، آخرها حدث في موريتانيا، إثر صراع بين ضباط ومسؤولين مدنيين يطمحون بالوصول إلى السلطة "لخدمة وطنهم" حسب ما يصرحون به.
بات الانقلاب نادراً في بلادنا العربية بسبب تمسك الحاكم في السلطة (من قسم العهد لوقار اللحد) وأصبح نادراً في أمريكا اللاتينية، كون حكامها فهموا أن للرئيس يوماً يصل به وآخر يغادره (إنها الديمقراطية).
الخيانة والخداع:
أما الصراع بين رفاق الدرب بعد نجاح حركة ما، فهو أمر طبيعي وتاريخي، فـ روبيسبير، مثلاً، قاد ثورة فرنسا العلمانية التاريخية مع رفاقه، وما إن نجحوا بثورتهم حتى برزت الخلافات بينهم، وقاموا بتصفية بعضهم بعضاً. وفي جزائر البطولات، ما إن انتصرت ثورتها الخالدة حتى انقسم الثوار إلى فريقيْن متصارعيْن، الأوّل كان يَدّعي العروبة والثاني من أقلية بربر منطقة القبائل، التي من جبالها انطلقت ثورة الشهداء، وما إن انتصر الفريق الأول على الثاني بقتل وإعدام ونفي شخصيات الفريق الثاني، حتى ظهرت الخلافات بين "الأخيْن" بو مدين وبن بيلا، وكان نتيجتها انقلاب 19 حزيران 1965، والإطاحة بمن كان يعتبره العرب بطل ثورة الجزائر.
إن عبارة (الثورة كالقطة تأكل أولادها) لم تطلق جزافاً، بل تعبّر عن حقيقة "بشرية"، وما يجري بين رفاق الدرب من خلافات وتصفيات لا يمكن تسميته خيانة أو خداع، ولنذكر الخلاف الذي حصل بين الصحابة، بعيد وفاة نبينا محمد (ص)، والذي لم تنته تبعاته ليومنا هذا، هل نعتبره خيانة منهم أو مخادعة؟ إنها سنة الكون، فلنكن دقيقين في أحكامنا.
عودة لموضوعنا بعد هذه المقدمة التي فرضت نفسها، دون التطرق لتفاصيل وحيثيات تاريخ ثورة يوليو.
انقلاب مصر الثوري:
ما حدث في مصر مختلف عمّا ذكرناه، فقد كان لـ"مصرنا" في العام 1948 عَدُوّان، عدو صهيوني على الحدود، وعدو بريطاني داخلي يتحكّم بمصير مصر ويستغل فساد الملكية التي كانت تحكم البلاد شكلياً، بديمقراطية منتقاة على مقاس الملك، بأحزاب وهمية وحوارات بينها في مجلس نيابي لا يحلّ ولا يربط، نظراً لتبعية هذه الأحزاب آنذاك للملك وللمستعمر، مع بعض الاستثناءات.
إبان حرب الـ48، وبعد الخسارة والنكبة، تنبّه ضباط مصر وهم على أرض فلسطين، إلى فساد الحكم المستشري في بلدهم، بعد أن عرفوا عن كثب ما كان بأيديهم من أسلحة فاسدة أكل الدهر عليها وشرب، فقامت مجموعة منهم بتنظيم حركة تهدف لإصلاح الفساد، وكان (المقدّم) البكباشي / جمال عبد الناصر على رأس هذه الحركة التي سمّت نفسها (حركة الضباط الأحرار).
لم يكن عبد الناصر وقتذاك ضابطاً برتبة عليا، ولم يكن معروفاً من جميع عناصر الجيش، ولم تكن له شعبية تذكر، لا في داخل مصر ولا في خارجها. بيد أنه كان، ضمن مجموعته، معروفاً بحكمة تفكيره وجودة محاضراته وثورية آرائه وبعزيمته على تغيير وضع الفقراء والمحرومين والمظلومين في مصر.
لكي تعطي هذه الحركة العسكرية لنفسها مكانة شعبية، طلبت من اللواء محمد نجيب أن ينضم إليها، فوافق. أعطت هذه الموافقة لحركة الضباط الأحرار نقلة وزخماً ومكانة، لما كان معروفاً عن محمد نجيب من ثقافة ثرية وسيرة طيبة، وكذلك لما كان له من رتبة عسكرية مهمة، أدت لولاء عناصر الجيش له، ناهيك عمّا كان له من تأييد شعبي بسبب البعض من مواقفه المُعارضة للملك فاروق، دون التفكير بإزاحته.
إذن، الفكرة كانت انتفاضة ثورية إصلاحية مصرية.
حركة مصر الثورية:
بعد أحداث وقعت، أهمها حدث نادي الضباط (دون دخول بالتفاصيل)، اتفق جميع الضباط على إنهاء الحكم الملكي وإقامة نظام جمهوري، وتمّ ذلك بانقلاب (ثوري) أبيض، كون الحركة كانت تهدف لتصليح الفساد وفق خطة عمل مؤلفة من ستة مبادئ: القضاء على الإقطاع - القضاء على الاستعمار - القضاء على سيطرة رأس المال - إقامة حياة ديمقراطية سليمة - إقامة جيش وطني قوي - إقامة عدالة اجتماعية، وتمّ القضاء سلمياً على نظام برمته، وتبديله بنظام مختلف جذرياً، وهذا بحد ذاته واحد من أهم عناصر تعريف الثورة، كان العنصر الثاني تأييد الجماهير، وهنا يجب الاعتراف أن المواطن والعسكري المصريين كانا مؤيديْن للحركة الثورية هذه، من خلال ثقتهما بشخص محمد نجيب.
تحرّك الجيش وأنهى الحكم الملكي بحركة ناصعة البياض وأقام حكماً جمهورياً وُضع على رأسه اللواء محمد نجيب. تنحى نجيب أو أقيل، ثم عاد بطلب من الجماهير ودعْم من جمال عبد الناصر، وجرى في مصر ما يجرى بعد كل حركة ثورية في العالم، حيث تمرّس بعض الضباط في مناصب مدنية لا تليق بهم، فبدأت عملية تنظيف، وصدقت مقولة (الثورة كالقطة تأكل أولادها بعد أن تنتصر). لم يكن لمحمد نجيب شخصية (كارزماتية) تتيح له فرض نفسه على رفاقه أو الحسم مع المستعمر البريطاني أو حتى الجرأة على تطبيق المبادئ الستة، فقد عُرف عنه بتصديق كل من يبلغه معلومة، والكل يعرف أن القائد يجب أن يكون ذا شخصية قوية تفرض احترامها بحسم.
تطوّرت الأمور، وانتهت الأحداث بوصول جمال عبد الناصر إلى قيادة الدولة، دون أن يكون معروفاً (تماماً) من الشعب أو من الإعلام. وهنا انتهت مرحلة الانقلاب الثوري، وبدأت مرحلة حركة ثورية اقتلعت نظام حكم من جذوره، وبدأت بالترويج لتنفيذ المبادئ التي قامت عليها، وأبرزت قائداً ذا هيبة وصاحب إرادة حقيقية بطرد المستعمر وبالتغيير الاجتماعي. تحقق كل ذلك، سوى التفاف الجماهير المطلق حول القائد.
الثورة:
ما إن تسلم القائد جمال عبد الناصر السلطة في مصر نهاية 1954، حتى بدأ بتنفيذ المبادئ الستة التي قامت عليها حركة 23 يوليو / تموز 1952، وهنا بدأت ثورة الشعب المصري تمدّ جذورها بالتفاف الجماهير المصرية حولها، وتعلقها بعبد الناصر، كأول من سُمّيَ (رَيّس)، وكأول رئيس دولة في مصر من أصل مصري، وكأول قائد يقف بجانب الفلاح والعامل والموظف والفقير والمحروم، وكأول زعيم يخطط لإنشاء مصانع ومعامل، وكأول مسؤول جاء من الشعب، وكأول مُجيد للخطاب الحماسي الهادف الصادق، وكأول من يقترب من الشعب دون تخوّف منه ولا خوف منه على حياته، وخاصة، دون تمييز بين أديان شعبه وطوائفه وأعراقه ومشاربه الفكرية.
بدأ الإعلام العربي ينوّه عن نوايا هذا القائد فيما يخص تأييده ودعمه لثورة الجزائر الخالدة، وبرفضه بقاء القوات البريطانية على أرض مصر العربية، وبتشكيكه بنوايا حلف بغداد الذي كانت تسيّره بريطانيا المستعمرة، وبدعوته لتحرير فلسطين كاملة عن طريق توحّد الأمة العربية. ثم جاءت مشاركة الرئيس العربي الوحيد جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونغ مع مجموعة من قادة العالم الآسيو- إفريقي، كـ نهرو وتيتو وسوكارنو وسيكوتوري ونيكروما، وبمشاركة تيتو، الأوربي الشيوعي المتمرد على الاتحاد السوفييتي وقتذاك، لتجعل هذه المشاركة من جمال عبد الناصر (الذي اعترف به كأحد كبار مؤسسي منظمة دول عدم الحياد) قائداً لمصر وأملاً للمجتمعات العربية الأخرى، التي بدأ مواطنوها يهتمون ويُتابعون مسيرة هذا القائد الذي انتظروه منذ قرون وأجيال.
* كان لتحدّيه المعسكر الغربي الاستعماري وقع كبير في أوساط المثقفين في كل أنحاء الوطن العربي.
* كان رفضه للولايات المتحدة بقبوله تشييدها السد العالي، مقابل اعترافه بالكيان الجرثومي، المبرّر الأول لتعلق الجماهير العربية فيه،
* كان توقيع جمال عبد الناصر مع السوفييت على عقد تشييد السد العالي صفعة لأمريكا، وفرحة كبرى للعرب،
* كان لتنفيذ مبادئ الثورة الستة على أرض الواقع، أثر بالغ في نفوس كل فلاح وكل عامل وكل موظف وكل فقير في مصر، وانتشر حب شعب مصر لجمال عبد الناصر إلى جماهير بعض الدول العربية ومثقفيها،
* كانت زيارات جمال عبد الناصر إلى دول إفريقيا وآسيا لدعوتهم لتأييد ثورة الجزائر وتفهم قضية فلسطين ولتشجيعهم على عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، تصل إلى قلوب الملايين العربية بغبطة ما عرفوها من تاريخ ذي قبل،
* "وكانت الضربة القوية... في الميدان في إسكندرية"، حين أعلن القائد والزعيم المصري تأميم قناة السويس مبتدئاً بقوله: باسم الأمة، لا باسم الملك، فانتاب هذا الشعب، الذي ما كان قبله أحد يُقسم به، شعوراً بالعزة والكرامة، وهنا تحوّل جمال عبد الناصر إلى قائد لأمة العرب وتحوّلت ثورة مصر إلى [[ ثورة عربية ملايينية عارمة ]]، ناهيك عمّا حدث من عدوان ثلاثي غاشم، ومن أكبر التضحيات من أبناء مدن مصر العربية، من شعب مصر الذي دفع الثمن باهظاً مُضحياً بأبنائه الجنود والمدنيين للدفاع عن أحيائهم، ولإعادة قناة السويس لأبنائها الذين بنوها بعرق جبينهم.
ابتداءً من هذا الإنجاز باتت حركة 23 يوليو [[ ثورة بكل ما للثورة من معان ]]، وباتت مصر شقيقة العرب الكبرى.
لن نتطرق لما حدث بعد الثورة العملاقة، الثورة المثال، بيد أنه لا بدّ من التأكيد أن من يتفلسفون ويتبجحون ويتساءلون إن كانت حركة 23 يوليو، انقلاباً أم ثورة:
حركة 23 يوليو بدأت بانقلاب عسكري "ثوري"، وانتهت بـ"ثورة وحدوية عربية خلاّقة"... إنها ثورة شعبية تمتد جذورها لأحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول... إنها الثورة التي أعطت رجالاً وضباطاً كرفاق جمال عبد الناصر المصريين الأحرار.
وبمناسبة مرور 58 سنة على ثورة 23 يوليو المصرية العربية، ونظراً لما صمدت وتصمد عليه هذه الثورة العملاقة من تزييف وتهجم، يتوجّب علينا رثاء قائدها جمال عبد الناصر، الذي قتلته هموم أمته العربية ومواقف ملوكها وأمرائها وبعض قادتها المتواطئين... علينا أن لا نرثيه فقط بترديد قصيدة نزار قباني حين كتب قصيدته المشهورة: (قتلناك يا آخر الأنبياء)، بل بنشيد:
فقدناك يا آخر الأنبياء، يا آخر الشرفاء، يا آخر العظماء... فقدناك يا قائد الثورة، ويا من كنت حاميها من الأوباش قبل الرحيل.
Mokhlesselkhatib@aol.com