لسنا مدعين أو مفترين على رئيس حكومة العدو "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو، عندما نصفه بأنه كذابٌ بالفطرة، من منطلق أننا نكرهه، كونه رئيس حكومةِ دولةِ الاحتلال، التي احتلت أرضنا، واغتصبت حقوقنا، وطردت أهلنا، وبالتالي فإذا وصفناه بأنه كذابٌ أشر، وقاتلٌ محترف، وإرهابي خطر، فإننا لا نغالي في ذلك، ولا نفتري عليه، ولا نصفه بما ليس فيه، مع أن من حقنا أن نصفه بأكثر من ذلك، فهو الذي يقتل أهلنا، ويعتدي على حقوقنا، ويدنس مقدساتنا، ويصادر أرضنا، ويرتكب ضدنا كل يومٍ جرائم دولية موصوفة، ويجاهر في ممارساته المعادية لشعبنا وأمتنا.

ولكن الذي يصفه بأنه كذابٌ بالفطرة ليس العرب ولا المسلمون، إنما هم أهله وتجمعه اليهودي، وأسرته وذووه، والمقربون منه والعارفون به، فينعتونه بالكذاب، ويعرفونه بالدجال، ويؤكدون أن صفة الكذب ملازمةً له منذ الطفولة، فقد شهد بها والده وأسرته، وعندما كان تلميذاً في صفوف الدراسة، عرفه زملاؤه بأنه كذوب، وأنه يتعمد ويتحرى الكذب في كل شيء، ليصل من خلاله إلى هدفه ومبتغاه، ويحاول أن يبرر تصرفاته وسلوكياته بالكذب، وقد حافظ على هذه الصفة خلال سنوات عمره، وفي كل المراحل، ولازمته في كل مناصبه ومواقعه، حتى وهو رئيساً لحكومة العدو "الإسرائيلية".

ففي يناير من العام 1997، وبعد مضيّ نصف عام على توليه رئاسة الوزراء لأول مرة، استضافه الصحافي "الإسرائيلي" نسيم مشعال في برنامج "واحد على واحد" في قناة التلفزة "الإسرائيلية" الأولى، وكانت الجملة الأولى التي وجهها مشعال لنتنياهو "سيدي لقد سألت 95 نائباً في الكنيست من أصل 120 عن أهم انطباع تولد لديهم عنك، فأشاروا جميعاً إلى ميلك الفطري للكذب، وأنهم لا يثقون بك"، ومؤخراً علق رئيس الكنيست "الإسرائيلي" روفي ريفلين، وهو القيادي في حزب الليكود وأحد مقربي نتنياهو، للإذاعة "الإسرائيلية" في 20-3-2010 أنه قال لنتنياهو بأنه ذو ثلاثة وجوه، حيث إنه يقول "للإسرائيليين" والأمريكيين والفلسطينيين كلاماً مختلفاً، وأنه غير قادر ببساطة على قول الحقيقة.

ولكن نتنياهو لا يكذب على تجمعه اليهودي وأسرته فقط، فهذا شأنٌ لا يعنينا، وأمرٌ لا نستغربه عليه، إذ هي صفةٌ أصيلةٌ فيه، نمت وترعرعت معه، وهو يعتقد أنه يكمل بها نقائص شخصيته، ويجمل بها صورته، ويعتقد أنه من خلالها يستطيع أن ينقذ نفسه من كثيرٍ من المآزقِ والأزمات، وأنه بها يستطيع أن يتجاوز الصعاب والعقبات، كما يستطيع من خلالها أن يصلب مواقفه، وأن يمتن تطرفه، فإذا ارتضاه تجمعه اليهودي رئيساً لحكومتهم، وهم على يقينٍ من أنه كاذبٌ لصالحهم، فهذا شأنهم، وهم أحرار في أن يجعلوا على رأس أمرهم رجلاً كاذباً، لا يسمي الأشياء بمسمياتها، ولا يصف الحقائق بواقعية، ولا يتعرف بما ارتكب، ولا يهمه شيء سوى البقاء في السلطة رئيساً، والحفاظ على المركز، بل إن الكثير من قادة الأحزاب "الإسرائيلية" اليمينية المتحالفة معه في حكومته، تعرف عنه هذه الصفة، وتتعايش معها، ولكنها تستخدم معرفتها بأنه كاذب لتبتزه، وتجبره على القبول بمطالبها، وعدم الخروج عن الخطوط الحمراء التي وضعتها لاستمرار التحالف الحكومي.

ولكن نتنياهو يعرف متى وأين يكذب، كما يعرف على من يكذب، ويعرف أيضاً متى يجب عليه أن يكون صادقاً، وما هي المواطن التي تتطلب منه الصدق والأمانة، والمواطن التي يجيز لنفسه أن يكون فيها كاذباً ومراوغاً، فهو يكذب على القادة العرب، وعلى المسؤولين الفلسطينيين عندما يدعي أنه يريد السلام، وأنه يسعى إلى السلام، ولكنه في الحقيقة لا يسعى إلى السلام ولا يريده، وإنما يعمل على تخريب كل فرصة قد تؤدي إلى سلامٍ في المنطقة، في الوقت الذي يكون فيه صادقاً مع نفسه وتجمعه اليهودي، عندما يهود القدس، ويطرد أهلها، ويقدم الخطوات التي تعجل ببناء الهيكل، ويصادر أراضي الضفة الغربية، ويوسع "المستوطنات"، ويمعن في أعمال القتل والاعتقال، ويبالغ في الحصار والتجويع، وهو يكذب عندما يعلن عن استعداده للاعتراف بدولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب "الدولة العبرية"، فهو لا يريد أن يمنح الفلسطينيين أياً من حقوقهم، ولا يقبل بأن يكون لهم دولة، أو أن يعودوا إلى وطنهم.

كذب نتنياهو عندما أعلن عن قراره بتجيمد "الاستيطان" في القدس الشرقية وفي الضفة الغربية لعشرة أشهر، بينما واصلت جرافاته وآلياته أعمال البناء والتوسعة، وكذب نتنياهو عندما ادعى بأن جنوده كانوا يدافعون عن أنفسهم عندما قاموا بإطلاق النار على المتضامنين الدوليين، فقتلوا تسعة من المواطنين الأتراك، وكذب نتنياهو عندما أعلن قبوله بشروط حركة حماس لإجراء صفقة تبادل الأسرى مع آسري الجندي "الإسرائيلي" جلعاد شاليط، وكذب أيضاً عندما اتهم حركة حماس بالنكول عن الاتفاق، وأنها تراجعت عن الشروط التي توصل إليها الوسطاء لإتمام الصفقة.

ولما كان نتنياهو يحسن استعمال ميزة الكذب لخدمة مصالح كيانه، وتنفيذ أحلام تجمعه اليهودي الاستعماري، فإن "الإسرائيليين" راضون عنه، ولا يشعرون بأسف إذ أنه يخدع العرب، ويعطيهم من طرف اللسان حلاوة، ويروغ منهم كما يروغ الثعلب، ويماطل الإدارة الأمريكية ولا يستجيب إلى مطالبها ولا يصغي السمع إلى نصحها، ولا يخضع لضغوطها، ويرواغ مع الفلسطينيين ويعدهم ويمنيهم بما لا يؤمن به، ويدعي أنه يريد بناء الثقة معهم، في الوقت الذي يمضي فيه قدماً في تنفيذ سياساته "الاستيطانية"، ملبياً شروط ومطالب قادة الأحزاب الدينية المتطرفة، ومستجيباً لتعليمات صقور حزب الليكود، وقادة المنظمات "الاستيطانية".

إن كان بنيامين نتنياهو كذابٌ بالفطرة، فهو يكذب لمصلحة كيانه الاستعماري، وحرصاً على مستقبل التجمع اليهودي الاستعماري، ولمَ لا يكذب إن كان يجد آذاناً تصغي له، وقادةً يصدقون كلامه، ويدافعون عن مواقفه، ويروجون لنواياه الحسنة، ويتهمون الأطراف الأخرى بأنها هي التي تضيع فرص السلام، وتهدم خطوات بناء الثقة، وتعرض أمن وسلامة المنطقة إلى الخطر، فهنيئاً لنتنياهو قدرته الكبيرة على تطويع قدراته ومواهبه لخدمة كيانه، وهنيئاً له أنه قادر دوماً على بلع بصاقه، وتمريغ أنفه، وتلويث وجهه، طالما أنه يعمل كل هذا خدمةً لكيانه، وحرصاً على مصالحها، ولكن المعيب أن نصدق كذبه، وأن ننجر وراء الإشاعات "الإسرائيلية" المخادعة، التي تصور نتنياهو بأنه كاذب، إذ أن الحقيقة أنه رجلٌ صادق لمبادئه وأهدافه، وصادق في عداءه للعرب والفلسطينيين، وصادق في نيته طرد الفلسطينيين، وتهويد القدس، وهو صادقٌ مع نفسه عندما يكذب على القادة العرب، وعلى صناع القرار في الإدارة الأمريكية، وأفعاله وممارساته تؤكد للجميع صدقه مع مشروعه "الاستيطاني" الإحلالي، حاله ككل "الإسرائيليين"، إن لم نقل إنها الجبلة "اليهودية" التي فطروا عليها.

elleddawi.moustafa@gmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك