الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
حوارات
حجم الخط: + -
مشعل: معركتنا الوحيدة هي ضد الاحتلال الصهيوني
|
26 - 07 - 2010
المركز الفلسطيني للإعلام |
* ما الإضافة التي قدمتها "حماس" في الجانب الجهادي والنضالي؟ وبماذا تميز أنموذجها المقاوم؟
- لا بد في البداية من تأكيد أن "حماس" كحركة مقاومة ضد المحتل الصهيوني، جزء طبيعي وأصيل من تجربة النضال الفلسطيني، وامتداد لها، وحلقة من حلقاتها المباركة الممتدة والمتواصلة منذ مائة عام؛ بدءاً بأول ثورة وأول شهيد، ومروراً بكل ثوراتها ورموزها وقياداتها، ونضالاتهم الرائعة رغم الظروف المعاكسة الهائلة في عهودهم، من أمثال عز الدين القسام، والحاج أمين الحسيني، وفرحان السعدي، وعبد القادر الحسيني، وغيرهم، وصولاً إلى الثورة الفلسطينية المعاصرة بمختلف فصائلها وقواها وقياداتها ورموزها النضالية. ولا تزال مسيرة النضال الفلسطيني مستمرة بفضل الله حتى اليوم، وستظل قائمة ومتواصلة حتى تنجز هدف التحرير والعودة والخلاص من الاحتلال الصهيوني بإذن الله.
وهذا يعني أن "حماس" كحركة مقاومة ليست شيئاً منفصلاً، أو حلقة معزولة في صحراء تعمل وحدها دون جذور أو امتداد، بل هي جزء من كل؛ جزء من تاريخ شعبنا النضالي ومسيرته الجهادية الحافلة بالعطاء والتضحيات، وبالتحدي والإبداع، وبالصبر وطول النفس، وبالإصرار على مواصلة المسيرة وقهر كل العوائق والتحديات والظروف المعاكسة وغير المواتية حتى بلوغ الهدف النهائي بإذن الله.
وهذا الانتماء والامتداد أكسب "حماس" -كما أكسب غيرها من قوى المقاومة الفلسطينية- إرث ذلك التاريخ وأصالته وروحه وهويته المميزة، وجعلنا نطل على تلك التجربة الطويلة والثرية ونستفيد من مختلف محطاتها، بما احتوته من خبرات وإبداعات، ومن نجاحات وإنجازات، ومن بعض تجارب الفشل والإخفاق كذلك؛ فكلها بالنسبة لنا ولشعبنا رصيد ثري ونفيس. وما اختيارنا لاسم الشهيد عز الدين القسام عنواناً لجناحنا العسكري وكتائبه المجاهدة، إلا تعبيرٌ عن هذا الانتماء والامتداد، وواحدٌ من مظاهره وتجلياته.
وتأكيدنا هنا هذه الحقيقة أمر ضروري ومهم جدّاً؛ حتى يعرف كل منا جذوره ورصيده وعوامل قوته الحقيقية من ناحية، ويعرف كذلك حجمه الحقيقي ومكانه المحدد في هذه المسيرة الطويلة؛ فكما أن الانتماء إلى هكذا تاريخ ومسيرة يعطي الناس أو الحركات قوة وثقة بالنفس من الضروري استحضارها، خاصة في اللحظات الصعبة، فإنه يعطيهم كذلك تواضعاً واحتراماً لأدوار الآخرين لا بد أن يحسوا به ويكتسبوه؛ فنحن وغيرنا جزء من هذه المسيرة المباركة، لم نكن أول حلقة فيها، ولسنا بالضرورة آخر حلقاتها.
نحن وغيرنا نبني على مَنْ سبق ونستفيد منه، ثم نبني تجربتنا الخاصة بما لها وما عليها، ونتفاعل أخذاً وعطاءً مع مَنْ يزاملنا في المسيرة؛ ليكون كل ذلك إرثاً للأجيال القادمة التي تحمل الراية وتواصل مسيرة النضال، حتى يتحقق النصر والتحرير بإذن الله، وهو الهدف الذي سيكون الجميع، السابق واللاحق، شريكاً في صنعه حتى وإن لم يشهد قطف ثمرته النهائية.
أما أنموذجنا المقاوم الذي أنشأناه أداءً للواجب وإسهاماً منّا في هذا الصراع الكبير، وحَرَصنا على أن نقدم من خلاله إضافة مميزة لمسيرة النضال الفلسطيني؛ فقد اجتهدنا أن نصوغه وفق رؤية واضحة، ونرسخ فيه جملة من المفاهيم والسياسات والضوابط المهمة والضرورية، وأن نعطيه الكثير من الروح والإبداع والمثابرة والإصرار.
ومن أبرز هذه الرؤى والمفاهيم والسياسات التي يمكن الإشارة إليها:
أولاً- المقاومة هي وسيلتنا الإستراتيجية لتحقيق الهدف الإستراتيجي، وهو التحرير والعودة واستعادة الحقوق وإنهاء الاحتلال الصهيوني لأرضنا ومقدساتنا.
أي إن المقاومة إستراتيجية التحرير، والمحور الرئيس في عملنا كحركة مقاومة، وليست مجرد عمل من أعمالنا أو خياراً من خياراتنا، بل هي العمود الفقري لمشروعنا. ومع أهمية البرامج والأعمال الأخرى في مسيرة الحركة، كالسياسي والدبلوماسي والجماهيري والإعلامي والاجتماعي والخيري والاقتصادي... الخ، إلا أن قيمتها وتأثيرها الحقيقي في المشروع وفي خدمة الهدف المنشود، يعتمد على كونها تتحرك في ظل المقاومة كبرنامج رئيس، وضمن منظومة عمل تمثل المقاومة عمودها الفقري؛ وذلك لأننا حركة مقاومة في مواجهة احتلال عسكري "استيطاني" إحلالي نقيض لوجودنا، ومن الطبيعي أن تكون المقاومة المسلحة والشاملة هي الأساس وهي العامل المؤثر والحاسم في هذه المواجهة.
ثانياً- المقاومة عندنا وسيلة لا غاية، وهي في خدمة الهدف والغاية، وليست مقاومة من أجل المقاومة. وتضخيم مفهوم المقاومة بحيث تصبح غاية بحد ذاتها يترتب عليه أخطاء كثيرة في الفهم والرؤية، وفي الموقف والسلوك العملي، وخلل في إدارة القرار وتقدير المصلحة.
نعم، المقاومة مهمة جدّاً، وهي المحور الرئيس لمشروعنا، لكنها ليست هي الهدف، وإنما هي السبيل والطريق لتحقيق الهدف، والوسيلة الإستراتيجية للتحرير.
ثالثاً- "حماس" ليست مجموعة عسكرية، بل هي حركة تحرر وطني شاملة، المقاومة محور عملها الرئيس، ووسيلتها الإستراتيجية للتحرير وتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني، وتعمل في ذات الوقت في مختلف المجالات والميادين، ولها أهدافها ورؤيتها السياسية. وهي حركة شعبية تعيش هموم شعبها، في الداخل والخارج، وتدافع عن مصالحه، وتعنى بخدمته قدر استطاعتها في مختلف جوانب الحياة اليومية.
رابعاً- لقد حصرنا المقاومة لتكون ضد المحتل "الإسرائيلي" فقط؛ فمقاومتنا هي ضد العدو الذي يحتل أرضنا ويعتدي على شعبنا ومقدساتنا، لا ضد أحد آخر. بل نحن لم نستخدم المقاومة حتى ضد من أيَّد عدونا ودعمه وأمدَّه بكل أسباب القوة والسلاح الفتاك الذي يقتل به شعبنا.
كما اعتمدنا سياسة حصر المقاومة داخل فلسطين وتجنب ممارستها في الخارج؛ ليس عجزاً، ولكن نصدر في ذلك عن تقدير دقيق للمصلحة، وموازنة بين مختلف الاعتبارات.
خامساً- نحن نتبنى بوضوح سياسة عدم استعمال السلاح والقوة إلا في مواجهة المحتل والعدو الخارجي الذي يعتدي علينا، وهي المقاومة المشروعة. وهذا يعني عدم استعمال السلاح والقوة في الشأن الداخلي ولا في معالجة الخلافات السياسية والفكرية؛ فعلاج الخلافات داخل الصف الوطني يتم عن طريق الحوار والتوافق والاحتكام إلى الشعب عبر الديمقراطية وصناديق الاقتراع.
وما حصل في قطاع غزة من أحداث مؤسفة قبل سنوات ليس خروجاً عن هذه السياسة؛ لأن الحالة مختلفة تماماً، بل معاكسة؛ فهناك فريق فلسطيني رفض نتائج الانتخابات، وسعى للانقلاب عليها، أي على الشرعية الفلسطينية، واستقوى علينا للأسف بالعدو الصهيوني وبالأمريكان، واستعمل السلاح ضدنا؛ فمن حقنا الطبيعي أن ندافع عن أنفسنا اضطراراً، خاصة أننا نفعل ذلك من موقع رئاسة الحكومة الشرعية التي تشكلت عقب انتخابات ديمقراطية نزيهة، واعتمدها المجلس التشريعي المنتخب.
بينما عندما كنا خارج السلطة منذ 1994 وحتى 2006، ورغم أن تلك السلطة اعتقلت الآلاف منا، وعذبتهم تعذيباً شديداً، وقتلت عدداً منهم في سجونها، ولاحقت المقاومة وسلاحها ورجالها، ونسقت ولا تزال تنسق أمنيّاً مع العدو الصهيوني، فإننا آنذاك لم نرد على ذلك كله باستعمال السلاح أو القوة في وجهها، وبقينا نحصر مقاومتنا ضد المحتل الصهيوني فقط، واستعملنا معها في المقابل سياسة كف اليد، وحصر معارضتنا لها وإدارة خلافنا معها بالوسائل السلمية، السياسية والإعلامية والجماهيرية.
سادساً- تبنينا في الحركة سياسة عدم الدخول في أية معارك جانبية في المنطقة، خلافاً لما فعله غيرنا في مراحل سابقة، ولم نستخدم القوة والسلاح ضد أية دولة أو طرف عربي حتى لو آذانا، وحاصرنا وأساء إلينا، أو اعتقل إخواننا وعذبهم، أو طعن مقاومتنا في ظهرها، أو حرَّض علينا؛ فالعرب إخواننا وأهلنا وعمقنا الإستراتيجي، ولا يمكن أن نسيء إليهم حتى لو أساؤوا إلينا. وقد التزمنا بهذه السياسة طوال السنوات الماضية، وسنبقى ملتزمين بها بإذن الله؛ لأن معركتنا الوحيدة هي حصراً ضد الاحتلال الصهيوني.
سابعاً- وقد عُنينا في بناء المقاومة وبشكل أساسي، بالتركيز على بناء الإنسان المقاوم إيمانيّاً وتربويّاً ونفسيّاً وفكريّاً، وإيجاد درجة عالية من الانضباط التنظيمي والسلوكي، والالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية للمقاومة، وتنمية القدرة على الصبر والصمود والتحمل والعمل في أقسى الظروف، إلى جانب الوعي ووضوح الرؤية والهدف لدى المقاتل، وإخلاص القصد والنية، وامتزاج البعد الديني والوطني ليشكل حافزاً قويّاً ومضاعفاً في مسيرة الجهاد والمقاومة؛ فالمجاهد يقاتل في سبيل الله ضد عدوه المحتل، دفاعاً عن وطنه وأرضه ومقدساته، وعن شعبه وأمته، وعن أهله وعرضه.
أما عن الإضافات التي قدمتها الحركة في الجانب الجهادي والنضالي فلا بد من الإشارة ابتداءً إلى نقطة أساسية وجوهرية، وهي أن "حماس" نجحت بفضل الله في بناء وتعزيز مشروعها المقاوم رغم أنها جاءت في الزمن الصعب، وفي مرحلة غابت فيها كثير من العوامل والشروط الموضوعية لنجاح الثورات وحركات التحرر، ومن أبرزها انتهاء الحرب الباردة، وغياب الحليف الدولي، ونشوء نظام دولي قائم على القطب الواحد، وهي الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الأول للكيان الصهيوني، ثم دخول العالم مرحلة الحرب على الإرهاب، وإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام وبحركات المقاومة.
ونضيف إلى ذلك، وهو في الغالب بعض نتائجه وانعكاساته، أن المقاومة في فلسطين ومنذ فترة تعيش حالة حصار خانق، ومحرومة من ساحات جوار صديقة أو حليفة توفر لها العمق والدعم اللوجستي، ومن قاعدة خلفية آمنة تسمح لها بحرية الحركة والمناورة. وهذا كله أدى إلى الصعوبة البالغة في استمرار الكفاح المسلح بطريقته السابقة، خاصة العمل من الخارج إلى الداخل، بل إلى صعوبة تقديم الدعم اللوجستي للمقاومة في الداخل من الخارج.
في ظل هذا التحدي الكبير، ومن أجل استمرار مشروع المقاومة والتغلب على العوائق والحصار، ركزت الحركة على إستراتيجية توسيع مشاركة شعبنا الفلسطيني في الداخل وانخراطه في المقاومة والمواجهة بدرجاتها المختلفة، بدءاً بالحجر؛ فكان الإبداع في نموذج الانتفاضة الأولى ثم الثانية، والتي شارك فيها الجميع، قوى وشخصيات وجماهير، ليعبِّر ذلك عن مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني، وأشكال جديدة ومبتكرة من المقاومة والمواجهة المفتوحة مع الاحتلال.
كما جرى اعتماد إستراتيجية أخرى، وهي البناء الذاتي للمقاومة المسلحة في الداخل، تجنيداً وتدريباً وتسليحاً ومناورة، مع بذل كل الجهود لتحصيل الدعم المالي والفني والتسليح من الخارج بقدر الإمكان. وحين اشتد الحصار أكثر، نشأت وتطورت فكرة تصنيع السلاح في الداخل من المواد الأولية المتاحة، وهكذا.
أي إننا في ظل هذه التحديات الهائلة والحصار والملاحقة، قبلنا التحدي وواجهناه بشجاعة وإصرار، من خلال الإبداع والابتكار والتنويع والتجديد، والاعتماد على الذات، والاستعانة بالله تعالى في كل حال، ومواصلة البحث عن الأصدقاء والحلفاء وما يتوفر من دعم وإسناد. وقلنا في أنفسنا، حتى لو بقينا وحدنا في الميدان، وانقطعت كل أسباب الدعم من الآخرين، فإننا سنمضي في مشروعنا المقاوم، ولن نعجز ولن نستسلم، ولن نتوقف عن المواجهة والمقاومة، وسنظل نحرّض أمتنا على دعمنا والمشاركة معنا في هذا الواجب والشرف، مستأنسين بقوله تعالى لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ (النساء: 84). كنا نقول ذلك رغم قناعتنا وثقتنا بأصالة أمتنا وأنها لن تتخلى عن مسؤولياتها تجاه قضيتها المركزية فلسطين، ومواجهة المشروع الصهيوني الذي تدرك جوهره وأبعاد خطره عليها وعلى المنطقة والعالم.
ومن الإضافة كذلك التي قدمتها "حماس" في الجانب الجهادي والنضالي، التجديد في المقاومة، في أساليبها وتكتيكاتها وأدواتها. ومن ذلك توسيع العمليات الاستشهادية وتطويرها لتتحول إلى سلاح فتاك ضد العدو يضرب نظريته الأمنية في عمقها. ومن ذلك أيضاً تصنيع السلاح في الداخل وتحويله إلى مشروع عملي وحقيقي يمكن الاعتماد عليه ولو مرحليّاً في ظل صعوبات الحصول على السلاح من الخارج، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تصنيع الصواريخ؛ فبعد أن تعامل معها البعض في البداية باستهانة لبدائيتها ومحدودية مداها وفعاليتها آنذاك، تطورت إلى مراحل متقدمة بفضل الله وشكلت إزعاجاً حقيقيّاً للعدو وتأثيراً متزايداً في أمنه.
ومن الإضافات المهمة، تطوير قدرة المقاومة على مواجهة الاجتياحات "الإسرائيلية"، والنجاح في الدفاع عن المناطق والمدن الفلسطينية كما هو النموذج المتميز في قطاع غزة، والمحاولة البطولية في مخيم جنين؛ حيث استُعملت في سبيل ذلك مختلف الطرق والأساليب المعروفة، وأضيف إليها موضوع الأنفاق والإبداع فيها واستعمالها على نطاق واسع في الدفاع والمواجهة، بل وصل الأمر إلى حد صمود المقاومة في مواجهة حرب حقيقية، ودحر العدو وإفشال أهدافه، كما حصل في حرب العدو الصهيوني على قطاع غزة 2008 - 2009، التي كانت في الحقيقة أكبر حرب تشنها "إسرائيل" على الأرض الفلسطينية.
ومن الإضافات كذلك الارتقاء بالمقاومة إلى مرحلة القدرة على الإنجاز وتحرير جزء من الأرض؛ فالمقاومة الفلسطينية بأجنحتها العسكرية وعملياتها الاستشهادية والنوعية، والتأثير الكبير لانتفاضة شعبنا الثانية، تمكنت بفضل الله من إجبار العدو الصهيوني على الرحيل عن قطاع غزة وتفكيك "مستوطناته"؛ وذلك لأول مرة في تاريخ الكيان الصهيوني يفعلها مُجبراً على الأرض الفلسطينية.
وهذا يعني بوضوح أن المقاومة الفلسطينية من خلال تطوير القدرة والزخم والأدوات، والتجديد وتنويع الأساليب والتكتيكات، ومن خلال الإصرار والعناد والنفس الطويل، أصبحت خياراً حقيقيّاً لشعبنا يمكن الرهان عليه، والثقة بقدرته على الصمود والدفاع عن الشعب، وبقدرته على الإنجاز ولو خطوة خطوة، رغم فارق الإمكانات الهائل واستمرار الخلل في ميزان القوى مع العدو.
كما عُنيت الحركة بجانب مهم في تجربتها كحركة مقاومة، وهو المراوحة بين تصعيد المقاومة وتهدئتها، بما يراعي ظروف شعبنا وأحواله، وبما يخدم المصلحة العامة والتقدير السياسي السليم. وقد تكون التهدئة ذاتية أو غير معلنة، حسب الضرورة والحاجة، وكجزء من إدارة قرار المقاومة، وقد تكون التهدئة معلنة وباتفاق قوى المقاومة، مقابل مطالب محددة، كوقف العدوان الصهيوني ورفع الحصار... إلخ.
فنحن وفصائل المقاومة مارسنا ذلك عن وعي وشجاعة وتحمُّل للمسؤولية تجاه شعبنا ومصالحه، ولكن وفي جميع الأحوال مارسنا ذلك على قاعدة التمسك بالمقاومة ومواصلة تطويرها باعتبارها خيارنا الإستراتيجي للتحرير.
وقد قدَّمت الحركة في ميدان المعركة وعلى طريق المقاومة والتحرير -كما قدَّم غيرها من أبناء شعبنا ومن فصائل المقاومة الفلسطينية- كوكبة كبيرة وعظيمة من الشهداء من خيرة قياداتها ورموزها وكوادرها، وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة، وعبد العزيز الرنتيسي، وجمال منصور، وجمال سليم، وإبراهيم المقادمة، وإسماعيل أبو شنب، وصلاح دروزة، ويوسف سركجي، وسعيد صيام، ونزار ريان، وغيرهم من مئات وآلاف الشهداء الكرام.
كما قدمت أسماء لامعة في تاريخ العمل العسكري الفلسطيني، من القادة المبدعين في فنون المقاومة والقتال ضد العدو الصهيوني، كعماد عقل، ويحيى عياش، وصلاح شحادة، ومحمود أبو هنود، وعشرات آخرين لا يتسع المقام لذكر أسمائهم، لكن أسماءهم ستظل محفورة في الذاكرة الفلسطينية وتاريخ النضال الفلسطيني، ومكانتهم عند الله -بإذنه تعالى- أسمى وأجل.
وهناك جانب آخر وإضافة نوعية بالغة الأهمية، وهي إدخال البُعد الإسلامي الديني في المعركة إلى جانب البُعد الوطني والقومي، بكل ما يمثله الدين الإسلامي في حياة الشعب والأمة، وما يمنحه للإنسان المجاهد من روح وقوة وعنفوان، وتعزيز الدافع نحو المقاومة، والقدرة على المزيد من التحمل والصبر والصمود، وقدرة الإسلام كذلك على تعبئة الجماهير وتحريضها وتحريكها وإثارة مشاعرها في مواجهة المحتلين.
كما أن هذا البُعد الجوهري عمل على مضاعفة احتشاد جماهير الأمة العربية والإسلامية ودعمها الشعب الفلسطيني وصموده ومقاومته، وخاصة في الأحداث الكبيرة كالحرب والحصار على غزة وما يتعلق بالقدس والأقصى؛ فالمشاعر الإسلامية من أهم الروابط التي تربط جموع الأمة وجماهيرها ونخبها ورموزها بفلسطين والقدس والمسجد الأقصى، وتربطهم بجهاد الشعب الفلسطيني ونضاله، فكان دخول حركة “حماس” بهويتها الإسلامية الواضحة ميدان المعركة بهذا الثقل الكبير، عاملاً أساسيّاً في إثارة الزخم العربي والإسلامي الواسع واستدعائه لصالح القضية والمقاومة الفلسطينية.
* وكيف تنظرون إلى مسألة التساهل في إراقة الدماء؟
- هناك ضوابط شرعية صارمة معروفة بشأن الدماء وأرواح الناس، شدد عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، وما شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على شيء كما شدد في موضوع الدماء؛ حيث أكدها مراراً، خاصة في خطبة حجة الوداع، فكانت بذلك محوراً أساسيّاً في دستور الأمة. كما أن هناك قواعد أخلاقية وأعرافاً وطنية تتعاقد عليها الشعوب وتتوافق عليها لتنشئ سلماً داخلياً في مجتمعاتها، وكل ذلك مما ينبغي التزام الجميع به دون تجاوز.
ونحن في الحركة حريصون على ذلك أشد الحرص، من خلال تثبيت هذه الضوابط والقواعد الشرعية والأخلاقية والوطنية، وتوعية أبناء الحركة وتثقيفهم بها، وإلزامهم بالتقيد بها في سلوكهم العملي، والمحاسبة على أي تجاوزات أو مخالفات.
ولا شك أن التشديد على هذه المسائل أحوج ما يكون له الجميع في الإطار العسكري ولدى حَمَلة السلاح، بحيث لا يُستعمل السلاح إلا في مجاله الطبيعي ضد العدو المحتل؛ فالذين يحملون السلاح قد يدفعهم شعورهم بالقوة إلى التساهل باستعماله أحياناً دون حاجة حقيقية، وكلما زادت بيئة التوتر الداخلي في أي مجتمع، زادت احتمالات التساهل والتجاوز في استعمال السلاح.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن قسوة التجربة الأمنية للسلطة الفلسطينية في التسعينيات، وسوء أداء أجهزتها الأمنية وفسادها وتنكيلها بالناس، وخاصة بحركات المقاومة، وفي مقدمتها "حماس"، وتعذيب القيادات والرموز وإهانتها، كل ذلك أورث مشاعر ساخطة وآلاماً شديدة، وجروحاً في النفوس لا تكاد تندمل من جراء تلك التجربة القاسية؛ ما جعل البيئة الداخلية في المجتمع الفلسطيني في الداخل ليست سليمة ولا في حالتها الطبيعية، بل متوترة ومستفزة، وزاد من الحزبية الضيقة والتعصب للذات وللفصيل على حساب المصلحة الوطنية العامة. وهذه عيوب لا بد أن نعمل جميعاً على معالجتها، ونتعاون معاً ونتحمل المسؤولية معاً في سبيل التخلص منها؛ لأن ذلك مصلحة الوطن والقضية، ومصلحتنا جميعاً، ولأن استمرار تلك العيوب والظواهر ضار بالجميع، وضار بالقضية والمصلحة الوطنية.
إن امتلاك السلاح والشعور بالقوة وكثرة العدد، تورث أصحابها في الغالب زهواً وإعجاباً واعتداداً بالنفس، وتغريهم بالتساهل في استعمال تلك القوة وذلك السلاح، وقد تدفعهم إلى ارتكاب الأخطاء والتجاوزات بحق الآخرين، بل إن الإنسان بطبيعته يطغى حين يستغني أو يقوى، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق: 6، 7)؛ ما يوجب تهذيب ذلك ولجمه وضبطه عبر الوازع الديني والأخلاقي والوطني، وعبر تشريع الضوابط والقيود والقوانين والعقوبات، والمحاسبة على التجاوزات والمخالفات.
ونحن في الحركة نمارس هذا النهج بشقَّيْه: الوازع الديني والأخلاقي والوطني، والضوابط والقيود والمحاسبة والمعاقبة في حال التجاوزات؛ فهذه مسائل متعلقة بالدين والشرع والمصلحة الوطنية وحقوق الناس، كما أننا نحرص على سلامة النوايا وتنقية الدوافع لدى المقاتلين، ليكون الجهاد والعمل والسلوك دائماً خالصاً لوجه الله تعالى، ومن أجل الوطن والمصلحة الوطنية، بعيداً عن الهوى وشهوة الانتقام، أو تصفية الحسابات، أو الدوافع الشخصية.
ورغم كل ذلك تبقى هنالك بعض الأخطاء والتجاوزات تحصل بين الحين والآخر؛ فالأخطاء جزء من طبيعة البشر، والإنسان بطبيعته خطاء، لكن "وخير الخطائين التوابون" كما قال عليه الصلاة والسلام.
والتجاوزات والأخطاء تحصل في تجارب الأمم والشعوب جميعاً، كما تحصل في جيوش العالم وبطريقة نرى بشاعتها وظلمها للشعوب المستضعفة والمحتلة، كما في العراق وأفغانستان على سبيل المثال، لكننا كأمة عربية وإسلامية، وبحكم مبادئ ديننا وأخلاقنا وإرثنا الحضاري، نحتاج أن نأخذ أنفسنا دائماً بأعلى درجات الانضباط الأخلاقي والسلوكي، وبالحزم تجاه الأخطاء والتجاوزات؛ فأخلاقنا ليست محلية فيما بيننا فقط، بل عالمية وإنسانية نمارسها مع الجميع، بصرف النظر عن أديانهم وأعراقهم وألوانهم.
حتى في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حصلت بعض التجاوزات والأخطاء، لكن علاجها كان حازماً وسريعاً. والقرآن الكريم عالج واحدة منها على سبيل المثال، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (النساء: 94).
والرسول عليه الصلاة والسلام كان حازماً في معالجة تلك التجاوزات على قلتها، والأحاديث النبوية الواردة في ذلك معروفة؛ لأن الانحياز للمبادئ والقيم والأخلاق هو الأصل في الدين، والأساس في حياة الأمة.
من هنا، والتزاماً منا بالضوابط الشرعية والأخلاقية والوطنية، واقتداءً بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ولأننا نعتبر الالتزام بذلك واجباً شرعيّاً، ومصدر خير وبركة وتوفيق، وتحقيقاً للمصلحة الوطنية لشعبنا وقضيتنا؛ فإن سياستنا في الحركة تقوم على عدم إقرار الأخطاء والتجاوزات، وعدم إضفاء الشرعية عليها من أي مصدر كانت، بل نعتبرها مخالفة لنهج الحركة وفكرها والتزامها، ونحاسب عليها بحزم، ونعاقب المخالفين والمتجاوزين.
* ما رؤيتكم لمستقبل المنطقة خلال السنوات الخمس القادمة؟
- المنطقة اليوم تعيش مرحلة مخاض كبير، والسنوات الخمس القادمة مرشحة لأن تشهد استمراراً لهذا المخاض وقوة واتساعاً له، ولعله يسفر في النهاية عن تغيرات إيجابية وولادات مبشرة بإذن الله، حتى لو كانت عسرة. ولدينا ثقة وأمل كبير بأن المستقبل في السنوات القادمة يسير بإذن الله لصالح الأمة، ولصالح مشروع المقاومة والقضية الفلسطينية. الأمة بلا شك تعيش اليوم حالة نهوض وصعود، ولكنه صعود متعب بالضرورة، وقد يرافقه الكثير من النزف والألم، لذلك يتطلب نفساً قويّاً، والمزيد من العزم والإرادة والإصرار، ومضاعفة العمل والبناء من ناحية، وتصعيد المقاومة والمواجهة ضد الأعداء المحتلين من ناحية أخرى.
* البعض يرى أن قراءتكم هذه متفائلة ولا ترتكز على أسس.. على ماذا تبنون توقعاتكم؟
- قراءتنا ليست حالمة، وبالتأكيد ليست مهزومة. قراءتنا واقعية وتستند إلى كثير من الحقائق والشواهد والمؤشرات. ومن ذلك أنَّ مشروع المقاومة في المنطقة تطور تطوراً ملحوظاً وأثبت حضوره وفاعليته، ليس هذا فحسب، بل صمد هذا المشروع وحقق نجاحات مهمة، رغم أنه يعمل في ظل ظروف غير مواتية، ويواجه تحديات كبيرة؛ أهمها الخلل في ميزان القوى الإقليمي والدولي، وحالة الضعف والانقسام التي تعيشها الدول العربية والإسلامية.
ومن ينظر إلى واقع المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان، يعلم أن المقاومة أصبحت رقماً صعباً في المنطقة، وباتت الخيار الحقيقي الذي تراهن عليه شعوب الأمة لمواجهة قوى الهيمنة، ولمقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضها وأمنها ومصالحها، وحماية استقلالها، ورد العدوان الذي يقع عليها من أية دولة في العالم، حتى لو كانت بقوة وجبروت الولايات المتحدة الأمريكية.
إن المقاومة في المنطقة لم تصمد وتنجح في إنجاز خطوات من التحرير كما في غزة وجنوب لبنان فحسب، وتصمد في مواجهة حروب كبيرة فحسب، بل لقد أوقعت هذه المقاومة -في ساحاتها المختلفة- القوى الغازية والطامعة في الهيمنة المباشرة على المنطقة، في ورطة كبيرة ومأزق شديد، بحيث باتت مضطرة إلى إعادة حساباتها. فشعوب المنطقة ومقاوماتها وتضحياتها الجسيمة –بفضل الله- أرغمت تلك القوى والدول الكبرى على إعطاء بعض الاعتبار لهذه الأمة، بعد أن أغرتها أغلب السياسات الرسمية الضعيفة لدول المنطقة بالمزيد من الطمع فينا والاستهانة بنا، وعدم وضعنا في الاعتبار عند رسم سياساتهم الخارجية وقراراتهم المهمة بخصوص المنطقة.
إن الحرب الصهيونية على غزة، وحادثة "أسطول الحرية"، كشفتا عن شيء مهم في مسار الصراع، وهو أن الأمة لا تزال ترى في فلسطين قضيتها الأولى، وأن شعوب الأمة مهما بلغت حالة الإحباط لديها فإنها قادرة على استعادة العافية والتحرك الواسع المؤثر في زمن قياسي، عندما تكون هناك قضايا حقيقية للأمة، ومواجهات جدية مع العدو. وهذه الحيوية الكامنة في الأمة، والتي تتجلى في بعض المحطات والاختبارات الساخنة، هي التي شكلت أحد العوامل والأسباب -وفق معلومات معتبرة– التي دفعت دولاً غربية للضغط على "إسرائيل" للتعجيل بوقف الحرب الأخيرة على غزة، تخوفاً من تداعيات ذلك الغضب العربي والإسلامي الجارف وتأثيراته المقلقة في الواقع السياسي الراهن في المنطقة ومصالح الغرب فيها.
كما أن ثمة تحولات إيجابية مهمة جرت في السنوات الأخيرة في مواقف عدد من الدول العربية والإسلامية، شكلت بمجموعها -إلى جانب قوى المقاومة- حالة متزايدة من القوة والاستقلالية، والانحياز لمشروع المقاومة ومصالح الأمة، ورفض الخضوع للإملاءات والضغوط الخارجية؛ فبالإضافة إلى دول الممانعة الحليفة للمقاومة والداعمة لها، والتي -أي هذه الدول- أحرزت تقدماً ملحوظاً على صعيد دورها في المنطقة، وإلى جانب دول عربية أخرى تطور موقفها وعبَّرت بصراحة وشجاعة عن دعمها المقاومة الفلسطينية، وخيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي الذي أفرزته انتخابات 2006، فقد شهد الأوان الأخير صعوداً واضحاً ومتزايداً لتركيا ودورها الإقليمي، في مسار إيجابي ينزع نحو استقلالية القرار السياسي، والنهوض الاقتصادي، وتعزيز التجربة الديمقراطية، والانفتاح على الأمة العربية والإسلامية، والدخول بشكل لافت وفاعل على خط قضية فلسطين، وقضايا المنطقة الأخرى، وتبني مواقف شجاعة وقوية؛ ما يشير إلى حالة تحول مهمة في المنطقة وعلى صعيد الأمة، تعزز اتجاهها نحو النهوض والتغيير إلى الأفضل.
ولا شك أن هناك إدراكاً واضحاً للجميع، حتى لمن ينكر ذلك مكابرة، أن إستراتيجية التسوية والمفاوضات فشلت فشلاً ذريعاً، ووصلت إلى طريق مسدود؛ وذلك بعد قرابة عشرين عاماً من اعتمادها خياراً وحيداً لمجمل السياسة العربية الرسمية القائمة على ما يسمى "الاعتدال"، وأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتي راهن عليها هؤلاء لمساعدتهم في إنجاح هذه الإستراتيجية، لم تفعل لهم شيئاً، بل أحرجتهم وخذلتهم، وكانت تعطيهم مجرد كلام ووعود، ومواعيد انتظار متلاحقة ومتغيرة، بينما كانت ولا تزال تعطي الكيان الصهيوني الدعم والتأييد والموقف المنحاز سياسيّاً وعمليّاً.
ورغم أن أصحاب هذه الإستراتيجية لا يريدون الاعتراف الرسمي بالفشل؛ حتى لا ينشأ فراغ يستدعي البحث عن البديل، فإن المخاض الجاري في المنطقة لا بد أن يدفع الجميع نحو البحث عن إستراتيجية بديلة، أكثر جدية واحتراماً للذات، وأقدر على مواجهة الواقع الذي تفرضه "إسرائيل" يوميّاً على الأرض، وتتحدى به الجميع، معتدلين وغير معتدلين. أما سياسة الانتظار والمراوحة في المكان، والجمود على السياسة الراهنة، وتجريب الخيارات الفاشلة، وإعادة إنتاجها أكثر من مرة، فلم تعد ممكنة ولا محتملة.
فضلاً عن أن السياسة العربية الرسمية في أغلبها تبدو للأسف عاجزة عن مواكبة التغيرات التي يشهدها الإقليم، وصعود لاعبين جدد، وتنامي أدوار لاعبين آخرين، وما يفرضه ذلك من تحديات على العرب وأمنهم ومصالحهم، والدور الإقليمي لدولهم، خاصة الكبيرة منها.
ورغم أن أمريكا لا تزال تلقي بثقلها المؤثر والضاغط على كثير من دول المنطقة، فإن هناك استياءً خفيّاً منها بدأ يتزايد لدى هذه الدول، حتى الصديقة منها لأمريكا؛ لأنها باختصار تخذلهم ولا تسعفهم في القضايا التي تهم الدول العربية، خاصة بشأن الصراع العربي "الإسرائيلي"، وتراعي الكيان الصهيوني ودول المنطقة الأخرى على حسابهم؛ ما يزيد من حرجهم أمام شعوبهم، ويضعف من قدرتهم على الاستمرار في تسويق إستراتيجية الاعتدال السياسي القائمة على التسوية والمفاوضات والدفاع عنها.
ومن الشواهد التي تعزز الثقة لدينا بأن مستقبل المنطقة لصالحنا، وضع الكيان الصهيوني المتراجع. صحيح أنه لا يزال متفوقاً عسكريّاً، ولا يزال ميزان القوى يعمل لصالحه، لكنه اليوم يعاني الكثير من جوانب الفشل. نعم، هو قادر على شن الحروب، لكنه ومنذ فترة طويلة عاجز عن تحقيق الانتصار فيها.
إن كل هذه الحقائق آنفة الذكر، بما تعكسه من مرارة أحياناً ومن مبشرات واعدة أحياناً أخرى، ومع تنامي الوعي لدى شعوب المنطقة، خاصة العربية منها، في ظل الإعلام الفضائي المفتوح، وعدم القدرة على إخفاء الحقائق، ومع تنامي عودة شعوب الأمة إلى هويتها العربية الإسلامية الأصيلة، وجذورها الحضارية، والقلق المتزايد لديها حول الوضع الراهن للأمة العربية، ومصيرها ومستقبلها، وأمنها القومي، ودورها الإقليمي والدولي، وقضاياها الأساسية وفي مقدمتها قضية الصراع العربي الصهيوني.. كل ذلك، في تقديري، يدفع الأمة دفعاً إلى تغيير حقيقي وكبير، أصبح حتمياً؛ ما يجعلني وأمثالي على ثقة أن المستقبل خلال السنوات القادمة سيكون بإذن الله لصالح أمتنا، رغم المشهد الراهن المثقل بالمرارة والآلام والهموم. ويعزز ذلك أن هذه المنطقة، كما تشهد حقائق التاريخ، كانت تنجح دائماً وفي نهاية المطاف في استعادة زمام المبادرة، وهزيمة القوى والحملات الأجنبية الغازية والمعتدية.
* من خلال قراءتكم لمسار المشروع الصهيوني وما آل إليه واقعه الراهن.. كيف تنظرون إلى مستقبل هذا المشروع؟ أيتقدم وصولاً إلى تحقيق "إسرائيل الكبرى"؟ أم يتقهقر وينكفئ؟
- معطيات الواقع تعزز القناعة بأن المشروع الصهيوني لا مستقبل له في المنطقة. هناك تراجع حقيقي لهذا المشروع الذي كان التوسع أحد خصائصه المهمة، وهو اليوم لم يعد قادراً على مواصلة التوسع. وما بناء الجدار (رغم إدراك تداعياته السلبية على الشعب الفلسطيني)، والانسحاب من جنوب لبنان ومن قطاع غزة، إلا أمثلة عملية على هذا التراجع والانكفاء.
"إسرائيل" التي كانت تشن الحروب على من حولها، وتنتصر فيها بسهولة، وتتمكن من نقل المعركة إلى أرض العدو، بات عمقها ساحة أساسية للحروب وتداعياتها، وللمقاومة الفلسطينية حين كانت تضرب في كل مكان فيه، وهي حالة قابلة للتكرار. وما تسمى "الجبهة الإسرائيلية الداخلية" باتت مهددة في كل حرب أو مواجهة، وتدفع ثمن مغامرات قيادتها.
فضلاً عن ذلك فإن الجيل الصهيوني الحاكم اليوم في "إسرائيل"، وعلى مستوى كثير من قياداته العسكرية والسياسية والأمنية، لم يعد يملك قدرات الجيل الأول الذي بنى هذا الكيان، ولا إرادة القتال التي كانت لديه، فضلاً عن استشراء حالة الفساد في الطبقة الحاكمة، وتزايد حالات الانتحار والتهرب من الخدمة العسكرية، وتراجع أداء مؤسساتها الأمنية.
منذ عام 1967 لم تكسب "إسرائيل" حرباً حقيقية، إلا اجتياحها لمدينة بيروت عام 1982. وهذا مؤشر مهم على تراجع قدرة المشروع الصهيوني، وأنه لا مستقبل له. وبتقديري أن مشروع "إسرائيل الكبرى" انتهى؛ لأن العدو الصهيوني ببساطة لم يعد قادراً على تحقيقه، وأن "إسرائيل" ماضية في نفس المسار الذي انتهت إليه دولة جنوب أفريقيا العنصرية، وهي قناعة تتزايد حتى عند كثير من السياسيين والمراقبين المحايدين.
بعد أكثر من 60 عاماً على قيام هذا الكيان، وعندما يكون السؤال لدى الشارع "الإسرائيلي" ليس عن أمن "إسرائيل" فحسب، وإنما عن مستقبلها ومصيرها، فهذا تطور مهم وخطير. وعندما يشك المجتمع "الإسرائيلي" في أساس وجوده، وفي مستقبله، وفي جدوى مشروعه، يكون العدّ العكسي قد بدأ بإذن الله.
ليس كافياً أن نقول هذا الكلام، ولكن المطلوب أن نبني عليه. ونحن لا ندعو بهذا الكلام إلى الاستهانة بقوة الكيان الصهيوني وقدراته؛ فالعاقل هو الذي لا يستهين بعدوه، فلا يزال هذا الكيان يملك كثيراً من عناصر القوة. ولكن هذه القراءة والرؤية الواقعية المستندة إلى كثير من الحقائق والمؤشرات، ينبغي أن تدفعنا إلى عدم الخضوع للتهديدات "الإسرائيلية"، ولا إلى شروطها للتسوية السياسية، وأن تدفعنا إلى عدم التعامل مع المشروع الصهيوني كأنه قدر مقدور لا مفرّ منه. البديل عن سياسة الخضوع أو حالة العجز والانتظار والغرق في مستنقع المفاوضات والتسوية الآسن، هو استمرار المواجهة مع الكيان الصهيوني ضمن الإمكانات والخيارات المتاحة، والخيار الحقيقي المتاح هو المقاومة، والشعب الفلسطيني قادر بإذن الله على مواصلة المقاومة، لكنه يحتاج إلى إسناد الأمة ومشاركتها ودعمها.
* بدأ الجدل يدور لدى العديد من الأطراف الدولية، حول ألا تزال "إسرائيل" تشكل ذخراً إستراتيجيّاً يحقق المصالح الغربية في المنطقة أم لا.. برأيكم هل ثمة فرصة لأن تعيد بعض الأطراف الدولية النظر بجدوى مواصلة دعمها غير المحدود للكيان الصهيوني؟
- أحد جوانب القوة عند "إسرائيل" كان قدرتها على تسويق نفسها عند الغرب باعتبارها جزءاً من الحضارة الغربية وامتداداً لها؛ تحمل قيمها ونمط حياتها ونظامها السياسي الديمقراطي للحكم. كما كانت تقدم نفسها وتستدر عطف الغرب عليها باعتبارها ضحية للنازية. اليوم "إسرائيل" لم تعد كذلك؛ خاصة بعد "تقرير غولدستون"، وبعد جرائمها في الحرب على غزة، ومن قبل في لبنان، وبعد جريمتها بحق "أسطول الحرية"؛ حيث طالت اعتداءاتها مئات الرعايا من عشرات الدول بما فيها دول غربية. اليوم "إسرائيل" أصبحت تعيش حالة من انكشاف صورتها، واهتزاز المبرر الأخلاقي الذي كانت تزعمه وتروِّجه سابقاً. "إسرائيل" تسقط أخلاقياً وينكشف وجهها الحقيقي القبيح، وهذا تطور مهم للغاية.
حالة الاحتضان الغربي لـ"إسرائيل" تعرضت لهزة كبيرة، خاصة لدى شعوب الغرب ونخبه؛ وذلك بفعل جرائمها المتفاقمة في بشاعتها، وبفعل الصمود الفلسطيني الذي كشفها على حقيقتها، وأبرز عدالة القضية الفلسطينية ووجهها الإنساني. بينما المفاوضات معها تؤدي إلى تجميل صورتها؛ لأنها تستخدمها كعلاقات عامة. وحين تخسر "إسرائيل" محضنها الدولي فإنها تلحق بنفسها خسارة فادحة؛ لأنها ليست نبتاً طبيعيّاً في المنطقة، إنما تعيش على دعم المجتمع الدولي، وبخاصة الغربي. من ناحية أخرى، العقل الغربي يمجد القوة ويعشقها، ويبني عليها سياساته. واليوم لم يعد الكيان الصهيوني يظهر أمام الغرب بمظهر القادر على فرض ما يريد في المنطقة، وهذا يعني أن ثقة الغرب بقدرة هذا الكيان على فرض خياراته على المنطقة بالقوة تتراجع. وهذا بلا شك يهّ صورة "إسرائيل" لدى الغرب ودورها الوظيفي، ومن حيث كونها استثماراً رابحاً له، بل باتت عبئاً عليه، وباتت كلَفها كبيرة، وهذا سيؤثر بالتدريج في تعاطي الغرب مع المشروع الصهيوني في المستقبل.
كل هذه العوامل تظهر شيخوخة مبكرة لهذا المشروع. والشيخوخة عادة عندما تظهر مبكراً في أي جسم، فإنها تدل على وجود خلل ذاتي في أساس التكوين أو في عوامل المناعة الذاتية، كما تدل على وجود بيئة محيطة رافضة له فرضت عليه هذه الشيخوخة. ودون أدنى ريب أن الصمود الفلسطيني ومقاومته، وصمود الأمة ودعمها، والمواجهات المتواصلة مع هذا المشروع، وعدم الخضوع لإرادته، هو ما جعله ينكشف وتظهر عوراته؛ لذلك شاخ المشروع مبكراً، ولم يعد قادراً على القيام بنفس المغامرات السابقة، وتحقيق ذات النجاحات التي حققها في الماضي.
باختصار، المشروع الصهيوني، ككل مشاريع الاحتلال و"الاستيطان" والعدوان عبر التاريخ، لا شرعية له، ومن ثم لا مستقبل له؛ لأنه غريب عن منطقتنا، ولا يحمل مقومات البقاء، وستجري عليه ذات السنة التي جرت على المشاريع المشابهة له من قبل. ونحن أمة عظيمة؛ تعتز بنفسها ودينها وأرضها وتاريخها وحضارتها وهويتها، وتعتبر فلسطين والقدس قلبها النابض، ودليل حياتها وبقائها؛ لذلك لن تصبر على الكيان الصهيوني طويلاً، وستهزمه كما هزمت الحملات الصليبية والزحف المغولي من قبل بإذن الله.
﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 140) صدق الله العظيم.
palestine-info.info