الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
قضايا عربية
حجم الخط: + -
خواطر وأفكار في الذكرى الـ58 لثورة 23 يوليو (2/ 2)
|
30 - 07 - 2010
زياد شليوط |
عبد الناصر يرفض التوريث:
تمتع القائد و"الريّس" جمال عبد الناصر بشعبية، قلما تمتع بها قادة وزعماء لدى شعوبهم، وشعبية عبد الناصر تجاوزت الحدود المصرية لتمتد من "الخليج الثائر الى المحيط الهادر" تهتف كلها بصوت واحد "لبّيك عبد الناصر"، ليس من خلال نتائج انتخابات مزورة، انما باستفتاءات شعبية تلقائية وعفوية تجلت في المسيرات والمهرجانات والمظاهرات، وتأكد ذلك في مسيرات الحداد الرمزية التي انطلقت في كل مدينة وقرية ومخيم، وأي تجمع سكاني عربي، في أعقاب الرحيل المفاجئ للزعيم، مما وضع حدا للأقاويل المشككة في مظاهرات التأييد للقائد يومي 9 و10 يونيو 1967، وأكد على شعبية عبد الناصر المطلقة ومحبة الناس اللا محدودة له.
وكان يمكن لعبد الناصر أن يستغل تلك الشعبية ويجعل من ابنه البكر المهندس خالد، مقربا منه سياسيا وأن يجد له منصبا في الاتحاد الاشتراكي العربي، وأن يمهد له الطريق ليرث السلطة من بعده، وما كان أحد ليعترض على ذلك أو يسائله في قرار كهذا، حيث كان يمكن أن يشكل ذلك ضمانة لاستمرار الفكر الناصري في الحكم، وما شهدته بيروت بعيد وفاة عبد الناصر وقدوم نجله خالد اليها إلا مثالا على ذلك، حيث خرجت المدينة عن بكرة أبيها تستقبل خالد وتهتف بحياته وباسم عبد الناصر، بشكل لم تخرج فيه لاستقبال زعماء ورؤساء أو ملوك على هذا النحو، مما يثبت محبة الناس العفوية والأكيدة لعبد الناصر وطريقه وسياسته. لكن عبد الناصر رفض هذا النهج، بل أبعد أبناءه عن السياسة ومركز اتخاذ القرارات في الدولة، وأصر أن يعيش أبناؤه كما يعيش أي مواطن مصري دون اعتبار لمركز والدهم، وعندما عينت الدكتورة هدى عبد الناصر للعمل في مكتب الرئاسة فان ذلك لم يكن لصلة القرابة، انما لكفاءتها وبعد توصيات من شخصيات عديدة لقبولها في العمل.
لقد أثبت عبد الناصر أن الديمقراطية ليست بالكلام انما بالعمل، حيث رفض أن يملي ارادته أو رغبته الشخصية على الشعب. أما ما يفعله بعض مدعي الديمقراطية اليوم انما يناقض ما ينادون به تماما، وتوريث الحكم ظاهرة تتجدد في العصر الحديث، كان قد رفضها وانتقدها الدكتور طه حسين في منتصف القرن الماضي، وقال فيها " فأنت لا تستطيع أن تكفل الحزم والعزم والحلم والذكاء والكفاية والصلاح والاستقامة للأجنة في بطون أمهاتها، فكيف اذن ضمنت لهذا الجنين قبل أو يولد وبعد أن يولد الملك والاستئثار بأمر شعب كامل، لا لشيء إلا لأنه ينحدر من أسرة بعينها؟"
عبد الناصر حي في فلسطين:
كثيرون حاولوا زرع اليأس في نفوس من استمروا في طريق عبد الناصر والحفاظ على تراثه وأفكاره، وكثيرون شككوا في استمرار الخط القومي بعد رحيل عبد الناصر، وقد تجاهلوا قوله وتأكيده لنا أن القومية العربية وجدت قبل عبد الناصر وستبقى بعد عبد الناصر. صحيح أن عبد الناصر بقيادته وشعبيته أعطى دفعة قوية لا مثيل لها في النصف الثاني من القرن العشرين لمسيرة القومية العربية، لكن صحيح أيضا أن القومية لا تموت مع موت أي زعيم أو قائد وان أصابها الضعف أو النكوص.
ومن دخل الى مخيم "الهوية العاشر"، الأسبوع الماضي، الذي نظمه التجمع الوطني الديمقراطي، وشاهد صور القائد العربي الخالد جمال عبد الناصر الى جانب قادة قوميين آخرين، ويقرأ شعار المخيم "ارفع رأسك يا أخي" تلك المقولة الخالدة للزعيم الخالد بعيد قيام ثورة 23 يوليو، ويسمع ويشاهد ما يتلقاه أبناء الشبيبة الصغار، لن يخامره الشك بعد في استمرار طريق القومية العربية وتواصل الأجيال مع تلك الأفكار وروادها ومنهم وخاصة عبد الناصر، الذي أثبت في مماته لخصومه قبل محبيه أنه عصي على النسيان والتغييب.
عبد الناصر في الخليج العربي:
في مطلع شبابنا كنا نسمع أغاني الثورة المصرية، التي نقلت لنا مبادئ وأهداف الثورة في تحقيق الوحدة العربية ونشر القومية العربية، وتحقيق الاستقلال الوطني للأقطار العربية المستعبدة أو المسلوبة إرادتها، وكان هتاف "من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر لبيك عبد الناصر" ترافقنا في ذاكرتنا نعتز بها ونفاخر دون أن نفهمها على حقيقتها أو نفهم أبعادها. فقد نشأنا ونحن نسمع ونعرف أن مواقف الأنظمة العربية "الرجعية" أو المتهادنة مع الاستعمار والموالية للنظام الغربي وعلى رأسه بريطانيا وفرنسا وفيما بعد الولايات المتحدة، كانت على عداء كبير للقائد العربي جمال عبد الناصر ولثورته ومواقفه الجريئة والمتصدية لسياسة الغرب الاستعماري، وخاصة أنظمة الخليج العربي وفي مقدمتها النظام الملكي السعودي. هذا الأمر جعلنا نعتقد ساذجين أن الخليج خنوع ومعاد للناصرية، ومما ساهم في ترسيخ هذه الأفكار المغلوطة وتحولها إلى أفكار مسبقة عن الخليج، ما عرفناه عن معاداة أنظمة الخليج لكل ما هو تقدمي سياسيا واجتماعيا، وتصادمها مع الأنظمة التي عدت من الأنظمة "التقدمية" وخاصة النظام الجمهوري العراقي، وتواصل الخلافات بينهم وكلنا يعرف العداء المتواصل بين العراق والكويت، والتجاء الأخيرة إلى الولايات المتحدة لحمايتها، فمهما تبلغ الخلافات العربية الداخلية فلم نتصور أن نلجأ لقوى استعمارية لإعادة الحقوق إلى هذا الطرف العربي أو ذاك، خاصة وأن مثل هذا الأمر ما كان ليحدث في ظل وجود عبد الناصر على رأس الأمة العربية، فالخلاف العراقي- الكويتي الأول وضع عبد الناصر له حدا، بينما الخلاف الأخير لم يكن للعرب أي تأثير على حله، انما كانت مساهمتهم في توسيع رقعة الخلاف وانضمام معظم الأنظمة العربية الى الحلف الغربي ضد العراق.
لهذا كله شدني كتاب "تأثير الفكر الناصري على الخليج العربي 1952-1971" والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، شدني اليه من النظرة الأولى، شدني لأعرف كيف كان للفكر الناصري ولعبد الناصر شخصيا تأثير على الخليج العرب، وهل كان له تأثير ايجابي حقيقي أم أنه مجرد شعار؟ وكم كانت دهشتي كبيرة كلما أوغلت في قراءة الكتاب/ الدراسة الريادية التي نفذها الباحث نور الدين بن الحبيب حجلاوي، وتبين لي حجم التأييد الشعبي وأحيانا الرسمي في دول وامارات الخليج العربي لعبد الناصر وسياسته، وتأكدت فعلا صدق وأمانة الشعار القائل "من الخليج الثائر..."
فلسطين المحتلة عام 48/ الجليل – شفا عمرو: zeiadshlewet@hotmail.com