في الرابع من آب 2005 وقبل الساعة الخامسة بقليل وفي حي مرشان في مدينة شفا عمرو العربية الجليلية، وقف "مستوطن" يهودي يميني حاقد يرتدي بزة الجيش "الاسرائيلي" ويحمل سلاحه، وبدل أن ينزل من الحافلة التي أقلته إلى شفا عمرو، أشهر سلاحه فجأة وأخذ يطلق النار بشكل محكم فقتل سائق الحافلة أولا الشهيد المرحوم ميشيل بحوث ( 56 عاما) وبعده من جلس قريبا منه فسقطت الشهيدتان الشقيقتان هزار (23 عاما) ودينا (21 عاما) عادل تركي مضرجتين بدمائهما الربيعية، وكان الشهيد الرابع المرحوم نادر حايك ( 52 عاما)، وأصيب عدد من ركاب الحافلة إصابات منها البليغ ومنها الخفيف، فأصيبت شابة برصاصة في وجهها استدعت المكوث في المستشفى أياما عدة أجريت لها خلالها عملية جراحية، وأصيبت فتاة أخرى بحروق في يديها عندما تصدت للقاتل وأبعدت البندقية عن وجهها، كما أصيب شاب ثالث تعارك مع القاتل وانتزع منه سلاحه، ولو لم تتم السيطرة على القاتل لكانت حصيلة جريمته أكبر حجما وأكثر عددا، لكن يقظة بعض الركاب وأهل الحي حالت دون وقوع مأساة مهولة في شفا عمرو.

وعندما انتقل الخبر إلى الأهالي انتقال النار في الهشيم تجمع العشرات بل المئات من أهالي المدينة وكان معظمهم قد عرف الشهداء أو أحدهم معرفة شخصية، ولما كان أهلنا في شفا عمرو متحابين متعاطفين لم يحتملوا منظر الجثث وقد كانت قبل لحظات أجسادا تتحرك ونفوسا تفيض حيوية، خطفها القاتل العنصري بأعصاب باردة ومن منطلق كراهية العرب واجراء حساب غير عادل مع حكومته على حساب أناس أبرياء.

وهذا الأسبوع تحل الذكرى السنوية الخامسة لهذه المجزرة المروعة الحزينة، ومع الذكرى تعود بنا الذاكرة إلى ذلك اليوم المشؤوم والى ذلك الحادث المأساوي، وتعود الأسئلة لتلح على ذاكرتنا. لماذا؟ كيف؟ مَن؟ ليس حول الجريمة فحسب، بل حول نهاية المجرم العنصري منفذ الجريمة.. ان اتهام شبان من أبناء شفا عمرو بقتل المجرم، اتهام باطل ومشكوك فيه ويستدعي أكثر من سؤال عن دور الشرطة والسلطة، ومن حقنا أن نعرف من كان له مصلحة في الإجهاز على القاتل واخفاء معالم الجريمة؟

ان سقوط الشهداء واتهام الشبان قضيتان في قضية واحدة. فالمجرم العنصري لم يعرف ميشيل ونادر وهزار ودينا معرفة شخصية، ولم يدقق في بطاقات هوياتهم، وكان يمكن أن يقتل أي راكب آخر في الحافلة، أو أي من سكان الحي الذي توقفت فيه الحافلة، أو أي من "المتهمين" من قبل السلطة، أفلا يجدر بمن يواجه القاتل وجها لوجه أن يدافع عن نفسه، وهذا أقل ما يمكن أن يفعله؟
ولا زلنا نذكر الحجيج الذي قام به وزراء حكومة (اسرائيل) إلى شفا عمرو لتقديم التعازي لعائلات الشهداء وأهالي المدينة، في محاولة لاحتواء الحدث وضمان عدم تصعيد الموقف، واطلقوا الوعود وتحدثوا بألسنة عذبة، لكن وقبل أن تجف دموع ذوي الشهداء، لحس المسؤولون وعودهم وعادوا الى طبيعتهم وتنكروا لكل ما قالوه وكأنهم ندموا لهذا العمل، وقلبوا الوقائع وبات أهالي شفا عمرو بنظرهم هم المجرمون والقتلة، والقاتل المأفون تحول الى ضحية، وهل تحتمل هذه الحالة تأطيرها في مقولة "شر البلية ما يضحك"؟!

وأثبتت هذه الجريمة العنصرية النكراء وسلوك الأجهزة الحاكمة مرة أخرى، أن "دولة" (اسرائيل) تعامل مواطنيها العرب الذين يحملون هويتها ويعتبرون مواطنين فيها على أنهم أعداءها، وأنها لا تميز عند ساعة الاختبار بين مسلم ومسيحي ودرزي كما تحاول زرع الأوهام حول هذه النقطة وخاصة في المواسم الانتخابية وتوزيع الوظائف الرخيصة، وتوقعنا أن تعيد هذه الجريمة بعض ضعاف النفوس أو بعض المضللين وبعض اليائسين الى جادة الصواب ويعود اليهم يقينهم أنهم أبناء شعب واحد، فالسلطة لا تفرق بينهم وأي لعبة في هذا الإطار يجب ألاّ تنطلي على الشفا عمريين، لكن للأسف تبين وبسرعة أن الشفا عمريين لم يكتسبوا جهاز مناعة ضد آفة الطائفية والعائلية وكل ما يمكن أن يبعدهم عهن بعض ويشتت وحدتهم المطلوبة، ولهذا لا يمكن اتهام اللجنة الشعبية أنها هي المسؤولة عن التقصير في العمل وتحميلها مسؤولية العجز في الدفاع عن أبناء شفا عمرو المتهمين، فالشفا عمريون جميعا وعلى تعدد انتماءاتهم شركاء في هذا الوضع وليس اللجنة الشعبية لوحدها، وهذا الوضع الجديد سهّل على أصحاب الشأن أن يشتتوا قوانا ويضربوا وحدتنا التي تجلت يوم الجريمة، وبالتالي الاستفراد بعدد من الشباب وتحويلهم الى "ضحية" لهذه الوقفة البطولية، وأقل ما يمكن أن يقدمه الشفا عمريون أن يعودوا الى وقفتهم الوحدوية الحقيقية وعندها فقط يرغمون السلطة بالتراجع عن اتهاماتها الباطلة لأبنائنا، كما أرغمت القيادات السياسية العليا على القدوم الى شفا عمرو لمواساة أهاليها قبل خمس سنوات.

فلسطين المحتلة عام 48/ الجليل – شفا عمرو: zeiadshlewet@hotmail.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك