الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
مواقف سياسية
حجم الخط: + -
مركزية المقاومة في بناء الهوية الوطنية الفلسطينية
|
18 - 11 - 2010
عبد الإله المنصوري |
شكلت الجولة الأولى من اللقاء التشاوري العربي بشأن فلسطين المنعقد ببيروت أيام 23 و24 سبتمبر الماضي إطاراً ملائماً لاجتماع عدد كبير من الفاعلين في الساحة العربية، باختلاف مواقعهم واهتماماتهم، لمناقشة الوضع الفلسطيني الراهن وأزماته المختلفة، وهو اللقاء الذي بلور الكثير من التوصيات التي ستجد طريقها للتنفيذ عبر إطار يهتم بالدفاع عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني سيتم الإعلان عنه رسميا قبل نهاية شهر نوفمبر الجاري.
وقد شكل الحديث عن المقاومة مدخلاً من المداخل الرئيسية لمقاربة القضية الفلسطينية، خاصة على ضوء المآلات المحزنة لتجارب المفاوضات مع الاحتلال منذ اتفاقية أوسلو سيئة الذكر. فما هو موقع المقاومة داخل المشروع التحرري الفلسطيني؟ وكيف شكلت جوهراً أساسياً في بناء الوعي الفلسطيني وتأسيس هويته الوطنية؟ وما هي تجلياتها داخل هذا البناء؟
في تعريف الهوية:
تمثل الهوية، في تعريفها البسيط، مجموع السمات المميزة لشعب من الشعوب، متمثلة في اللغة والعادات والتقاليد والثقافة والمواقف المشتركة بصدد القضايا المصيرية. وغالبا ما ترتبط الهوية في هذا المستوى بالوعي بالذات. لكنها في أحيان أخرى قد ترتبط باستحضار الآخر باعتباره نقيضاً للأنا (أو للذات). وهو ما ينطبق على تجربة تشكل الهوية الوطنية الفلسطينية بالأساس؛ إذ بالرغم من وجود الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية، على الأقل، منذ خمسة آلاف سنة، فإن حديثه عن هويته الوطنية لم يتبلور إلا بفعل صدمة قاسية جسدتها مخططات الاحتلال الأجنبي الذي أخذ في البداية شكل انتداب بريطاني قبل أن ينتهي مشروعاً صهيونياً قائماً على أساس اجتثاث شعب من أرضه وإحلال جماعات من "المستوطنين" الذين تم غرسهم في هذه الأرض بقوة الحديد والنار بعد جلبهم من مناطق العالم الأربع، والعمل بمقتضى ذلك على إبادة الشعب الفلسطيني اجتثاثاً وطرداً وتشريداً وتقتيلاً لإزالته من الخريطة نفياً لفلسطين ومحاولة لتثبيت كيان عنصري استيطاني يحمل اسم "إسرائيل" يشكل في النهاية جزءاً من النسيج الاستعماري الغربي الذي انطلق لغزو العالم منذ القرن الخامس عشر للميلاد.
وبالرغم من معاناة الشعب الفلسطيني أيام الاستعمار البريطاني فإن معاناته أمام المشروع "الاستيطاني" الصهيوني غير قابلة للمقارنة بما سبق بحكم خصوصية الاحتلال الصهيوني مقارنة بمشاريع الاحتلال الأخرى التي عرفها العالم (رغم وجود نظائر له في تاريخ الاستعمار مثل تجربة جنوب إفريقيا وزيمبابوي التي كانت تحمل اسم روديسيا والجزائر).
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتحدث عن خصوصية تبلور الوعي بالهوية الوطنية الفلسطينية، وهي مسألة مرتبطة بخصوصية ما تعرض له الشعب الفلسطيني من صدمة تدمير نسيجه الاجتماعي ودفعه إلى النزوح عن أرضه بسبب ما تعرض له من مجازر استهدفت إنهاء وجوده فيها. وهو الوعي الذي تبلور من جهة أخرى على شكل فعل مقاوم يتصدى لفعل النفي الذي تعرض له ولا يزال من طرف المشروع الصهيوني.
في خصوصية الهوية الفلسطينية:
إذا كان لكل شعب من الشعوب خصائصه المميزة له التي تجعل منه شعباً في مقابل شعب آخر، وهي ميزة تنطبق على الشعب العربي الفلسطيني مثل ما تنطبق على أي شعب آخر، فإن للفلسطينيين خصوصية تشكل قيمة مضافة لهويتهم الوطنية، وتتمثل في أن تبلورها ارتبط بمواجهة نكبة تعرضوا لها من طرف مشروع للغزو الأجنبي استهدفهم في وجودهم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي (الحضاري والإنساني بشكل عام)، كما أن هذه الهوية تشكلت في خضم صراع مرير خاضه هذا الشعب لإثبات وجوده في هذه المعركة القاسية وغير المتكافئة مما جعل من المقاومة التي عرفتها فلسطين منذ زرع أول "مستوطنة" يهودية فيها عام 1882 ومروراً بثوراتها المعروفة في النصف الأول من القرن العشرين وانتهاء بأهم إنجاز للثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح في ستينيات القرن الماضي، وهي الثورة التي أكدت الوجود الواقعي للشعب الفلسطيني في مواجهة إرادة المشروع الإمبريالي الدولي التي أرادت أن تجعل من وطنه أرضاً خلاء بلا شعب ليتم تسليمها لشعب افتراضي ليس له أرض هو هذا التجمع "الاستيطاني" القائم على أساس إبادة الشعب الفلسطيني وإلغائه من الوجود. لذا كانت الهوية الفلسطينية النقيض الموضوعي للهوية الصهيونية القائمة على الاحتلال والتشريد والتدمير باعتبارها أداة لتكبيل المنطقة وضمان استمرار الهيمنة عليها وتكريس تبعيتها للمركز الرأسمالي.
وإذا كانت الهوية الوطنية لمعظم الشعوب تبلورت على شكل دول مثل ما هو عليه الحال في الدول القومية الحديثة فإن نظيرتها الفلسطينية تبلورت على شكل مقاومة مناضلة لإثبات الوجود في مواجهة إرادة الاجتثاث والنفي، مما يجعل منها هوية نضالية في جوهرها، تصبح مهددة بالإلغاء إذا تخلت عن هذا الجوهر النضالي، وهو ما يؤكد خطورة التسويات ذات النفس الانهزامي على الهوية الوطنية الفلسطينية خاصة وأنها تتعامل مع الفلسطينيين كوحدات بشرية معزولة (أراضي 48 ونظيرتها 67، الضفة وغزة والقدس، مناطق أ، ب، ج في الضفة، داخل الجدار خارجه، توطين اللاجئين عبر العالم...)، ناهيك عن الشرط الصهيوني والدولي الدائم بضرورة إلغاء المقاومة قبل الشروع في أي خطة للتسوية. لذا ينبغي التأكيد على أن عملية الاستمرار في المقاومة والكفاح من أجل استرجاع الأرض وتحرير الإنسان جزء أساسي من عملية الوعي بالهوية الوطنية الفلسطينية وشرطها الجوهري الذي لا ينفصل عنها.
الهوية الوطنية الفلسطينية ودوائر الانتماء:
إذا كان الوعي بالهوية الوطنية الفلسطينية قد ارتبط بوعي المقاومة أساساً، اعتباراً لكونه فعل تجسيد لإرادة تتطلع إلى إثبات الوجود التاريخي في مواجهة إرادة للإلغاء والنفي، فإن هذا الوعي المقاوم لن يكون قادرا على الفعل من دون وعي لخطورة المشروع النقيض المسلح بآخر ما أنتجته التقنية، وقبل ذلك بإرادة قوية للقوى المتحكمة في الساحة الدولية على تثبيت الكيان الصهيوني كحقيقة واقعية لا يرقى إليها الشك، على أرض فلسطين، وهو ما يحتاج إلى وضع استراتيجية تقوم على فهم موازين القوى واستثمار كل الأوراق التي يمتلكها الطرف الفلسطيني في هذه المواجهة الشرسة؛ وفي هذا السياق نفهم كيف ينبغي ترتيب العلاقة بين دوائر الانتماء داخل الهوية الفلسطينية بين ما هو وطني وما هو قومي، حيث يشكل الوطن العربي الكبير العمق الاستراتيجي للوطن الفلسطيني قوة وإرادة وموارد طبيعية وبشرية لمواجهة ما يغدقه المركز الامبريالي على قاعدته الحربية المسماة "إسرائيل" والتي تشكل بؤرة عدوان على محيطها العربي التي تقوم بدور وظيفي لإخضاعه وضمان استمرار تبعيته بقوة الحديد والنار. كما تشكل دائرة الانتماء إطاراً جامعاً للديانات والمذاهب التي تتعايش داخل الوطن العربي (وفي القلب منه فلسطين) مما يبعدنا عن شبح التخندق الطائفي والتعصب الديني والمذهبي، كما تشكل في نفس الوقت إطاراً جامعاً للدفاع عن الرموز العربية في فلسطين (مسيحية كانت أم إسلامية) وفي هذا السياق نفهم حديث الشهيد غسان كنفاني حين كلامه عن الأخطاء الثلاثة في تدبير الملف الفلسطيني، حيث تحدث عن نجاح الأعداء في إفراغ القضية من بعدها القومي وفصلها عن عمقها العربي عبر اختزالها في دائرة وطنية ضيقة. وتشكل الدائرة الإسلامية كذالك إطاراً داعماً يوفر للقضية ملاذاً ونصيراً ومقدرات لا تعد ولا تحصى. كما تشكل الدائرة الإنسانية والأممية إطارا لضمان دعم أحرار العالم لقضيتنا العادلة سواء لدى شعوب الجنوب (في القارات الثلاث: إفريقيا، آسيا وأمريكا الجنوبية) أو لدى شرفاء الغرب الأوروبي والأمريكي الذين ينتصرون للحق العربي في فلسطين ويواجهون أخطاء مؤسساتهم وحكوماتهم الداعمة من دون تحفظ لجرائم الكيان الصهيوني والحامية له من تبعات المساءلة والعقاب.
في تجليات الهوية الوطنية الفلسطينية:
إذا كانت الهوية الفلسطينية تشكل الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، فإنها تتجلى في تراثه المشترك وثقافته وممارساته الاجتماعية التي يحرص الفلسطينيون على توارثها أباً عن جد وكابراً عن كابر، سواء في تراثهم الشفوي أو لباسهم وعاداتهم وتقاليدهم، أو عبر ما أبدعه ثلة من الكتاب والمبدعين فكراً وأدباً...
ونظراً لأهمية الأدب في الحفاظ على ذاكرة شعب من الشعوب، خاصة إذا كان هذا الشعب هو الشعب الفلسطيني، فإن مساهمة مبدعيه كانت أساسية في مواجهة مسلسل الإلغاء والإبادة، وفي هذا السياق يمكننا أن نفهم كيف شكلت مساهمات شخصيات مثل محمود درويش وإدوارد سعيد وغسان كنفاني وعزمي بشارة ... إطاراً ملائماً لطرح الأسئلة الوجودية الأساسية على الإنسان الفلسطيني وعلى العالم، أسئلة الولادة والموت والرحلة والمنفى والمقاومة والمصير المعلق في هذا العالم.
لقد شكلت إبداعات هؤلاء (فكراً وشعراً ورواية...) قراءة وافية لتراجيديا الحياة الفلسطينية من خلال حياة وتجارب شخصيات فلسطينية وعربية مختلفة. وهكذا نجد الشهيد كنفاني مثلاً في روايته "ما تبقى لكم" يبرز تحدي الإنسان (الفلسطيني) للشروط المذلة المفروضة عليه، موضحاً أن خلاص الإنسان ينبثق من داخله، من قدرته على المواجهة واتخاذ قراره بنفسه لصنع قدره ومصيره، وكأنه يتنبأ منذ حوالي أربعة عقود بالمآل المأساوي لقضية شعبه إذا استسلم لمقالب الأعداء وتخلى عن إرادة المقاومة والفعل في التاريخ.
إنها إرادة الحياة التي ينبغي أن تلهم كل مضطهد ومظلوم في هذا العالم الذي يشكل الفلسطيني نموذجه الحي، هذا الشعب الذي لا يشكل الدم الرابط المصيري بين أعضائه، بل الفعل والانتماء إلى الأسئلة المصيرية نفسها؛ أسئلة الوجود والرفض والمقاومة التي تحول الشعب الفلسطيني إلى حقيقة واقعية موجودة في مواجهة إرادة الإلغاء والمحو والإبادة التي تشكل حافزاً للشعب الفلسطيني على التحدي، وفي ذلك سر الهوية الوطنية الفلسطينية المخصوص، هذا السر الذي سقته أنهار من الدماء وتضحيات لها أول وليس لها آخر، إنها دماء وتضحيات صانعة للحياة والبقاء في مواجهة إرادة الموت والإفناء التي يحملها الغازي الغريب الذي سيبقى مجرد عابر في كلام عابر على أرض لن يرثها حتماً إلا رجال أحرار صالحون كانوا بالمقاومة وبها سيستمرون في صراعهم الوجودي مع العنصرية والإرهاب الصهيوني.
(كاتب مغربي)
(صحيفة القدس العربي اللندنية)
المركز الفلسطيني للإعلام: palestine-info.info