هل حقاً مشكلة لبنان هي تلك الطائفية والمذهبية البغيضتان، وهل معرفة قاتل الحريري هي المشكلة؟
في البدء نقول ذاك ما زرعه الغرب الإمبريالي وعمل على تثبيته في العقول، فأخذ يردده أتباعهم؟
الحقيقة تتضح من خلال فهم طبيعة الإمبرياليات في هذا العالم وكيف تؤدلج مشاريعها الاستعمارية لتفرض وتسوق نفسها بين دول العالم وشعوبه مستغلة أبشع وسائل التعمية والتضليل والخداع والتزييف، وهي تجد سلعاً بشرية تعرض نفسها للبيع وتكون موالية لها وتبعيتها لها مطلقة.

إن الحقيقة الساطعة هي أن هناك عربياً وطنياً غيوراً على وطنه واستقلاله وعزته وكرامته، مرتبطاً بشعبه وآلامه وآماله، وبحكم فطرته أو وعيه يرفض كل ادعاءات وبربوغندا تلك الإمبرياليات.. وهناك عربي رخيص تافه ولديه الاستعداد للارتباط بالإمبريالية الغربية وعلى رأسها أمريكا والصهيونية فيصير خائناً وعميلاً.. مجرد خادم، عبد للأعداء الغرباء مقابل المال، المال لا غير، فيتنكر ويجحد أهله ووطنه وتاريخه وثقافته وتراثه وقيمه... ويتجرد من عروبته ولا يبالي بوطنه ولا بشعبه ولا بكرامته ولا عزته.. ويرمي كل شيء خلف ظهره دون أي مبالاة أو شعور بالذنب، مقابل المال الذي هو الرب الحقيقي له!

إنه جوهر الموضوع دون تزييف أو مساحيق أو أقنعة.. ليس في لبنان فقط وإنما في كل الوطن العربي. والذين يدعون غير ذلك يكذبون ويدجلون!
إنه فقدان الوعي والشرف والكرامة.. والذي لم يبدأ الآن فقد بدأ منذ أن بدأت الإمبرياليات الغربية تطأ وطننا العربي – إن لم نرد أن نعود إلى عمق أعماق التاريخ وتاريخ الصغار في كل زمان ومكان- ولن نبتعد كثيراً في عمق التاريخ الاستعماري، ويكفي أن نذكر بنابليون (العظيم!!!) وأسلوبه الرخيص البراغماتي الميكافيلي للتقرب إلى المصريين المسلمين، وكيف بدأت ولادة العرب التغريبيين في مصر ولبنان ثم في غيرهما من الوطن العربي الجريح!!

لقد فهم واستوعب الاستعمار الغربي عبر مستشرقيه البنية الفكرية والثقافية والنفسية والروحية للمجتمعات العربية، فبحث من خلال دراسات أولئك المستشرقين الموظفين في وزارات خارجياته واستخباراته ليعرف من أين تؤكل كتف ذاك البلد وذاك الشعب..
وقد نجح المستعمر في خلق أو جذب مثقفين لينظروا له ويجعلوه قبلتهم المقدسة ليس في العلوم والنهضة والتطور فحسب، وإنما في كل شيء، وبتقليد أعمى، وتزييف الحقائق، بل والتحول عند بعض التغريبيين إلى صفع تاريخ وطنهم وتراثه وثقافته، والسخرية من كل شيء يمت إلى شرقهم العربي.

ولمن يقول أولئك مثقفون وواعون نقول إن الثقافة كفعل حضاري تعيد صياغة الإنسان المثقف ليكون واعياً صادقاً مع نفسه ومرتبطاً وملتزماً بوطنه وشعبه وقضاياه، ولا تعيد صياغته ليصير عدواً لوطنه وشعبه.. فهل سأل أي من أولئك المدعي الثقافة هل الثقافة في الغرب دعت الغربيين لبيع وخيانة أوطانهم وشعوبهم والتنكر لهم؟!

إن الغرف من صحن فضلات الإمبرياليات الغربية والصهيونية، لن تجعل المغترف إنساناً قيمياً ولا راقياً ولا واعياً ولا جنتلماناً أو سوبرماناً.. وسيبقى وبحسب تصنيفات أسياده الإمبرياليين في غرفة العبيد والخدم! والغرب الإمبريالي تبنى أولئك ليس لانتماءاتهم الدينية أو الطائفية.. وليس لنخبويتهم، ولكن لأنهم هم زحفوا ليلعقوا غبار أحذيته وباعوا أنفسهم رخيصة له، وأقسموا له بالطاعة العمياء وبأنهم مستعدون لتلبية كل طلباته وتنفيذ أجنداته بحرفيتها!

الثقافة هي التزام قبل كل شيء وموقف، أن نكون لأهلنا وشعبنا ووطننا ولا يعني هذا أن نتخلى عن أنفسنا – ليطمئن الليبراليون ودعاة الحرية والوجوديون- فنحن جزء من الآخرين وما نكافحه من أجل الآخرين هو لنا أيضاً، وما يميز وعي الإنسان هو قدرته على فهم موقعه في هذه الحياة وجدليتها في الصراعات القائمة!
الثقافة الحقة والحضارة الحقة ملك للبشرية جمعاء وهي حصيلة ثقافات الشعوب وحضاراتها عبر التاريخ، وهي إن لم تستهدف البشرية كلها وقيمها وتعمل على بناء مجتمعات سليمة ومعافاة وخالية من الأمراض ومتطورة، وتسودها العدالة والمساواة والحرية والكرامة، وتلغي استلاب الإنسان واستغلاله ونهبه وانتهاك قدسيته.. لا قيمة لها!

والآن أين موضع مدعي الطائفية والمذهبية، والمتغربين التغريبيين سواء في لبنان أو في وطننا العربي في هذا الفهم للثقافة والعلاقة ليس بالغرب العلم والثقافة الهادفة، وإنما بالغرب الإمبريالي المحتقر والمقزم للشعوب وللعالم خارج غربيته؟!

إن القضية سياسية محضة وإلا كيف نفسر الانقسام ضمن ما يسمى الطوائف والمذاهب حول القضية السياسية والوطنية كالموقف من المقاومة، أو الاتهامات الظنية القادمة.. هل الطائفة السنية طائفتان دينياً، أو وطنياً (سياسياً)، وكذلك الشيعة أو الدروز أو المسيحيين بتعدادات تسمياتهم المذهبية المتعددة؟

سؤال واحد يضعنا أمام الحقيقة وكل التفرعات الدينية بل والعرقية والإثنية المصطنعة تاريخياً: المسلم السني والشيعي والدرزي والعلوي والمعتدل والمتطرف وو.. وكذلك المسيحي الكاثوليكي والماروني والأرثوذكسي والبروتستانتي....... والأرمني والكردي والأمازيغي...
هل هو مع الوطن والشعب أم مع أمريكا والصهاينة؟ هل هو تعصب للطائفة أو للحزب والبرامج الحزبية وتطلعاتها وارتباطاتها وأهداف قادتها من وراء الكواليس؟
علماً بأنه مع الطرفين المتناقضين نجد من كل الطوائف والمذاهب ولا ننسى العلمنة والماركسية والليبرالية واللادينية، فعلى أي أساس نقول القضية قضية طائفية؟

وليست حكاية قميص الحريري إلا ضمن تلك الآلية؛ القضية هي قضية الوطن، قضية المقاومة والتحرير ورفض الكيان الصهيوني والسيادة الإمبريالية الأمريكية مقابل الخيانة والعمالة، الارتباط بطبقات الشعب المسحوق والمقهور والفقير والمذل والمهان مقابل الارتباط بطبقة أولي النعمة المرتبطين بالرأسمالية المتوحشة التي ولدت الإمبريالية والصهيونية.
هو الاختيار بين الوطن والخيانة، الإيمان بالقيم أو بالدولار. الإيمان بالإنسان وحريته الملتزمة وكرامته أو القبول بدور العبد والخادم والذليل التابع بلا كرامة وبلا شرف ولا ضمير.

وهذا وحده يفسر مواقف فريق 14 شباط بكل تنويعاتها ومطالبها وادعاءاتها المزيفة ومن بينها قميص الحريري، لأنهم يعملون على تنفيذ إملاءات وخدمة مصالح سيدتهم الإمبريالية الأمريكية والصهيونية في لبنان، كما هو الحال مع فِرَق أخرى في طول الوطن العربي وعرضه.

وأخيراً لا بد من تهنئة سعد الحريري على غيرة وإخلاص فريقه لمعرفة قاتل أبيه عبر تلك المحكمة الدولية، ولا سيما جعجع وأمين وسامي الجميل وشمعون والسنيورة والبطرك وغيرهم، ومن وراء الحدود أيضاً نتنياهو وباراك وليبرمان وأشكنازي.. وأخيراً أمريكا وفرنسا وإيطاليا.. فالجرح عميق جداً من انتصاري عام 2000 وعام 2006!!

jameel@falestiny.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك