كثر حديث بعض قادة حركة حماس في الآونة الأخيرة عن موضوع استفتاء الشعب الفلسطيني حول أي اتفاق مع الكيان الصهيوني والالتزام بما يرضى به الشعب من حلول.. أي استفتاء الشعب الفلسطيني حول الحل التسووي الذي يرتضيه مع العدو الصهيوني، وهذا يعني ضمنياً بالضبط الاعتراف بالعدو الصهيوني، والتنازل عن أكثر من 80 % من أرض فلسطين للعدو مقابل دويلة مسخ على ما يتبقى من أرض فلسطين المحتلة عام 67.

وتدعي حماس أنها الديموقراطية التي ستلتزم بنتائجها، وكأنما تقول أنا أرفض الاعتراف بالكيان الصهيوني ولكن إن كان رأي غالبية الشعب الفلسطيني يقبل الاعتراف به فأنا – ولكوني أؤمن بالديموقراطية- لن أعارض خياراته. فهل هذا هو مفهوم الديموقراطية التي تطرحها حماس؟ وهل هذا هو الثمن الذي تطرحه ليكون المدخل للدهليز الغربي والأمريكي؟!

الوطن مقدس ولا يخضع للاستفتاء مطلقاً، والثوابت لا تكون ثوابت إن خضعت للمساومة أو التصويت أو الاستفتاء؛ مما يعني أن مجرد التفكير أو طرح الفكرة مرفوض مطلقاً، وهو لا يقل فظاعة عمن يطرح مباشرة الاعتراف بالعدو والتنازل عن جزء من ترابه سواء بناء على قرار التقسيم 181 عام 47، أو الواقع الذي صنعه الكيان في حربه عام 48 واحتلال حوالي 25 % زيادة عما ورد في قرار التقسيم. أو ما استولى عليه زيادة فوق الزيادة بعد عام 67 ثم بعد غطاء أوسلو (المجيدة)!!

فلسطين عربية بقسميها المحتلين عام 48 وعام 67، ويجب تحريرها من النهر إلى البحر، ولا حق للصهاينة اليهود "الإسرائيليين" بذرة رمل من فلسطين، فهم غرباء مستعمرون لا يمتون بأية صلة لفلسطين لا قديماً ولا حديثاً. ولندع موضوع الخرافات التوراتية جانباً فقد أثبت علماء الآثار اليهود قبل العرب والمسلمين كذبها وزيفها! واليهود لا علاقة لهم ببني إسرائيل مطلقاً. ولندع أيضاً هنا كتب مؤرخينا القدماء الذين شوهوا التاريخ بما نقلوه من اليهوديات إلى تاريخ فلسطين القديم والتفاسير القرآنية.

ولربما في خضم إستراتيجية وأيديولوجيا الإمبرياليات والصهاينة في كي الذاكرة وتطبيع النسيان، أن بعضنا نسي أو تناسى، أن الكيان الصهيوني هو قاعدة استعمارية أقامها الغرب الإمبريالي على أرض وطننا العربي لمنعنا من الوحدة والنهوض والتقدم والرقي، ولنبقى عبيداً له وخدماً يستغل خيراتنا ويجعلنا مجرد سوق لمنتجاته، وليس هذا فحسب وإنما لتكون نقطة انطلاق نحو ما يسمونه "الشرق الأوسط" الكبير!

فهل نخضع الوطن لاستفتاء في قبول القاعدة الاستعمارية التي ليس هدفها فلسطين فقط وإنما المنطقة كلها وها هي قد وصلت إلى شمال العراق وجنوب السودان.. ومؤامراتها تحاك ليلاً نهاراً في فلسطين والدول العربية والإسلامية في إفريقيا وآسيا..
فهل تظنون أن القضية هي مجرد رقعة جغرافية فقط؟! إن جشع الإمبرياليات (والصهيونية جزء منها) لا حدود له، وليتنا نراجع كلمات زعيم المقاومة والتحرير ونتعلم منه كيف نواجه الصهاينة والإمبريالية الأمريكية بحسم وإرادة وعزيمة لا تفتر ولا تتردد، ولا نفتح أي حوار معها، أو أية قناة تدخلنا في متاهات وأنفاق، تؤدي إلى تصفية ما بقي من القضية.

فلسطين يا حماس ملك لشعبنا منذ آلاف السنين، وملك لشعبنا الحاضر ولأجيالنا التي سترثه من بعدنا، فكيف ستستفتين الراحلين والمعاصرين والذين لم يأتوا بعد ليتنازلوا عن وطنهم، وهل يحق للمعاصر أن يلغي الحق التاريخي المفتوح لشعبنا حتى نهاية الوجود؟

هذا إن لم نقل ما هو أعقد وهو أن فلسطين عربية وللعرب حق فيها كما للفلسطينيين، فكيف ستستفتينهم وهناك من غير المعاصرين وهم القدماء الذين رحلوا وفي قلوبهم فلسطين والذين عاصروا النكبة وتمزقت قلوبهم ولكنهم كانوا متيقنين من التحرير، ثم الذين سيأتون ولهم الحقوق نفسها؟
ولا ننسى حصة البعد الإسلامي في فلسطين سواء الماضين أم المعاصرين أم اللاحقين!!

إن فلسطين ليست ملكاً للفلسطيني وحده بل هي ملك أيضاً للشعب العربي والشعوب الإسلامية والإنسانية.. فالاستفتاء هنا تفاهة لا أقل من ذلك!

إن مجرد التفوه بتسوية سلمية مع المستعمر الصهيوني هو خيانة للقضية ولشعبها ولتاريخها، فلا لغة مع المستعمر إلا لغة الثورة حتى التحرير الشامل والكامل.

لقد انتقدت القوى الوطنية الجذرية (التي تقف إلى جانبك على أرضية الميثاق القومي الوطني والمصداقية والإخلاص)، والإسلامية كحزب التحرير والجهاد طرحك يا حماس لفكرة الاستفتاء، أليس هؤلاء غيورين على الوطن، فلم لم تلتفتي إلى نصحهم وإرشادهم وهم على حق وموقفك خاطئ. والديموقراطية الحقيقية هي في التشاور مع رفاق الثوابت والسلاح أولاً وأخيراً، وهذا من صلب ما يجمعك مع القوى الإسلامية القائمة على قاعدة وشاورهم في الأمر!

إننا ما زلنا نثق بك يا حماس ونثق أن ما طرحه البعض هو كبوة جواد أصيل، فالثوري الحقيقي لا يساوم ولا يلين ولا يفكر بأية تسوية أو مفاوضات مع العدو إلا بمفاوضات خروجه ورحيله من فلسطين كلها إلى الدول التي جاء منها غازياً مستعمراً. وما نتمناه ونأمله هو التراجع عن تلك الأطروحة وأن يبقى موقفك سليماً معافى تجاه رفض المساومة والتزلف للغرب الإمبريالي، وأن تعلني التزامك بموقفك المبدئي الوارد في ميثاقك وهو تحرير فلسطين بكاملها من النهر إلى البحر، والتخلي عن مشروع الدويلة المسخ؛ فما طرحته الحركة أيام الشهيد مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين، كان في ظروف مختلفة جذرياً تنهال الضربات عليها من كل صوب، وتلك المرحلة كانت قبل نصريّ خروج الاحتلال من القطاع تحت ضربات المقاومة وما خلفته من أوجاع للعدو الصهيوني، وحرب تموز التاريخية التي يجب معها دفن كل الحلول التسووية والعودة إلى الالتزام بإستراتيجية التحرير الكامل من النهر إلى البحر ورفض الاعتراف بالكيان الصهيوني والتخلي عن ذرة رمل من وطننا.

jameel@falestiny.com



للأعلى ↑↑

المشاركة في التعليق ( لا يظهر التعليق مباشرة، حتى نقرأه، فنأمل الالتزام بأصول التعليق والنقد، حتى لا نضطر إلى عدم نشره )

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك