الصفحة الرئيسية | شروط النشر | من نحن | اتصل بنا
النقل من الموقع مسموح بشرط ذكر اسم المؤلف والمصدر
بعض الحقوق محفوظة ©موقع فلسطيني 2002-2009
لأفضل مشاهدة الرجاء استخدام متصفح Firefox
|
دراسات
حجم الخط: + -
احتلال العقل لمحو الإرادة
|
04 - 01 - 2011
محمد علي الحلبي |
...........
..............
يستعمل مصطلح العقل في وصف الوظائف العليا للدماغ البشري، والتي يكون الإنسان فيها واعياً مثل: التفكير، الجدل، الذاكرة، الذكاء، وحتى الانفعال العاطفي...........
.......................
ولأهمية العقل، فمن مكامنه تتفجر ينابيع الحياة لذا أطلق عليه العرب مسميات عدة كان منها: اللبّ، ولبّ الشيء: أفضله، الأرب، الججى، النهى، الحول، والحجر، ولو أمعنا النظر فيها ووقفنا عند معانيها لوجدنا أنها رادعة ومُبعدة، بل وحاجرة عن الزلل والخطأ، وفي القرآن الكريم وردت مشتقات هذه الكلمة 49 مرّة، وكان نصيب تنوعات كلمة – اللبّ 19 - مرّة، أما مشتقات- النُهى- فقد وصل تعدادها إلى 56 مرّة، والرسول العربي صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة" والإمام علي بن طالب رضي الله عنه يقول:
ليس الجمال بأثواب تزيننا/ إن الجمال جمال العقل والأدب
وقيمة العقل متجذرة في الفكر العربي، فالشاعر الجاهلي "صخر الغي " المجهول تاريخ الولادة والوفاة، وفي بيت شعر له يقول:
فيخبره بأن العقل عندي جُراز/ لا أفلّ... لا أفلّ... ولا أنيث
الُجُراز: السيف الحادّ، وأفلّ: العدم، الأنيث: اللبن السهل.
كما أن الشاعرة الجاهلية"هند بنت الخس "تضع العقل في سُلم أولوياتها عندما تنتابها مشاعر الحبّ،فتقول:
وليس الفتى عندي بشيء أعده/ إذا كان ذا مال من العقل مفلس
............
...............
والعقل دائم الهيم والولع بالمعارف... يبحث عن روائعها... يرتع في أرجاء الوجود زاده في رحلته حرية لا تنتهي ، إنما جذوره تبقى مغروسة في تراث أمته، وإلى هذه الحقيقة تنبهت قوى الشرّ، وراحت تعمل وترسم استراتيجياتها في محاولات لاعتقال العقل، ووضعه في قمقم يصعب عليه الخروج منه، ولقد تنبّه الكاتب "محمد الجزائري" لهذه الجريمة فوضع كتابه تحت عنوان (احتلال العقل) كاشفاً في مقدمته عن مؤامرة جديدة لأعداء البشرية،وأعداء أمتنا العربية،فيقول: "يريدوننا أن ننغمر بالصعوبات لا أن نعالج الصعوبات "ملمحاً إلى تحالف متين بين قوى التآمر على الإنسان العربي، وقوى محلية تخدمها معتمدة منهج القمع السلطوي، بل ومطوّرة له، فهو يرى أن "العبودية قابعة في البرلمانات، ومجالس الشعب، وحتى الشورى تعبّر جميعها عن عكس ما أوجدت له أصلا ً".
وفي عودة تحليلية لواقعنا المعاصر، فاعتقال أصحاب الرأي المعارضين أضحى طبيعياً لدى الأنظمة الشمولية، ولأن السجون ضاقت أحياناً بالمعتقلين، و فضائح ونكبات رافقت هذا السلوك غير السوّي فقد تفتقت "عبقريات" عن أساليب جديدة لإبقاء العقول في أطر صعبٌ الانفلات منها، ومن هذا المنطلق المدمر يقول الدكتور "رفعت سيد أحمد": "إن احتلال العقل باقٍ من حيث اهتمام الاستراتيجيين الغربيين مباشرة، كامتداد لما يسمى وظيفة العلم والعلماء" و "مايركو بلاند" وهو من أشهر رجال المخابرات الأمريكية الذين عملوا في "الشرق الأوسط" في فترة الخمسينات من القرن الماضي سجّل في كتابه (لعبة الأمم) "إن مدرسة أميركية واحدة،أو جامعة تستطيع أن تؤدي بنجاح الخدمات التي يمكن أن يؤديها لواء أمريكي محمول جواً،لكن من دون رصاص، أو إصابات" ومن هذه المنطلقات وُضعت أسس الاحتلالات الجديدة للفكر بدلاً من الاحتلالات السابقة العسكرية، والاقتصادية لأنها أقل كلفة، وأطول ديمومة، ولا تتسبب بردّات فعل سريعة لذا تعددت المدارس الأمريكية، وتعددت معها مراكز الأبحاث المعنية في اختصاصاتها بالتعمق في دراسة وتطوير أساليب الاحتلال وفق مناهج مبتكرة ومتطورة منها ما هو موجود في أمريكا، ومنها ما أُوجد له مكان على الأرض العربية، وحتى مراكز الأبحاث "الإسرائيلية" تواجد بعضها في أقطار عربية، ومراكز البحث الأمريكية المعنية بهذا المجال يمكن تعداد أهمها:
- مؤسسة "روكفلر" بدأت العمل منذ الحرب العالمية الثانية.
- مؤسسة"فورد فونديشن" وهي تعمل في منطقتنا منذ عام 1952.
- مؤسسة "رائد" القديمة، برز نشاطها في سبعينات القرن الماضي،وفي التسعينات منه توجهت إلى دراسة حالة العراق،وقدمت تقريرها عن "عراق عام 2002 " وكان ذلك قبل الاحتلال أعدّه "غرا هام فلوكر" جاء فيه "هل سيبقى العراق موحداً حتى عام 2002؟"... وقد نُشر التقرير في جريدة (القبس الكويتية) على حلقات بدءاً من 25/3/1993.
- جامعة"جورج تاون "قامت في تشرين الثاني 1985 بعمل مسح شامل في 12 قرية مصرية بالاشتراك مع كلية الآداب بجامعة الزقازيق كغطاء لها.
- وهناك العديد من المراكز المرتبطة مباشرة بوكالة المخابرات أهمها معهد "بروكلي" للدراسات الدولية.
وعلى الأرض العربية تواجدت مراكز بحثية، تركزت اهتماماتها على معرفة الأوضاع الاجتماعية، وبُناها الهيكلية من أجل استغلالها في إثارة الاضطرابات.
لقد أنشأت (إسرائيل) عام 1982 في القاهرة "المركز الأكاديمي "الإسرائيلي"" تولى رئاسته "شيمون شامير" ثم "وابورح" وهما من الباحثين الصهاينة ، اللذين تلقيا تدريباً خاصاً لدى الموساد، ومن الأبحاث التي أنجزها المركز: الأصول العرقية للمجتمع المصري- كيفية تفتيت مصر طائفياً- تأثير الإسلام على العقل العربي - ، والتعاون قائم بدرجات كبيرة بين الجهات البحثية الأمريكية والصهيونية في هذا المجال وفي مجالات عدة ، فالمركز الثقافي الأمريكي في القاهرة ساعد باحثين "إسرائيليين" على إعداد دراسات منها: الجماعات الإسلامية في مصر، والبروفسور "ناداف سفرات" وهو يهودي من أصل أمريكي الجنسية والمسؤول عن مركز "الشرق الأوسط" في جامعة "هارفارد" أعدّ بحثين:
السعودية كمجتمع متفجر- السلام والسياسة في العالم المعاصر، وفي الكويت يتواجد "معهد الكويت للأبحاث والدراسات" وهو غطاء لأكبر وكر أمريكي يقوم بدراسات وأعمال خاصة بالولايات المتحدة إضافة إلى حماية أمن (لإسرائيل)... تدفع الكويت رواتب أولئك "الخبراء الأجانب" ومثل هذا المعهد "مركز بحوث التنمية والتخطيط التكنولوجي بجامعة القاهرة". المرجع: كتاب (احتلال العقول).
لذلك ليس غريباً أن تكون الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في مصر متردية، فـ50% من المصريين محصورين بين خط الفقر وتحته.... وللإحاطة بالعقل العربي وتكبيله، ومنعه من التواجد على ساحات النضال بكل أنواعها الفكرية والجهادية عَمد جميع المتآمرين وباتفاق تام إلى إتباع منهجين:
الأول: إبعاد العقول الناشئة عن إرثها الثقافي.
الثاني: الابتكار والتنويع في إبداعات التيئيس لخلق شعور بالعجز يتنامى مع تنامي مظاهر الخلل والتردي، وصولا لفقدان الأمل في حلها.... وهي الحالة النفسية التي تعيشها الأغلبية من شعبنا العربي، ومنذ أكثر من عقد بدأت المحاولات الجادة لمحو جزء أساسي من تراث الأمة الثقافي رمز الشخصية العربية، والعنوان الهام من عناوين وجودها لتكوين جيل بعيد البعد كله عن ماضي أمته،وقيمه الدينية والعربية.
لقد بادرت أقطار عربية عدّة لتغيير مناهجها الدراسية حاذفة منها كل ما يمّت إلى العطاءات العربية، بل عُمد أحياناً إلى تخريب وتزوير لبعض الوقائع القديمة، وعن ذلك يقول الدكتور "جمال عبد الهادي" وفي ندوة له نشرت مجلة "البيان" ما دار فيها: "ألغي في مصر التاريخ الإسلامي من المرحلة الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب، فبينما كان التاريخ الفرعوني يُدرّس في 75 صفحة في المراحل الإعدادية فقد أصبح يُدرّس في المراحل الثلاث في 317 صفحة على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يُدرّس في المراحل الثلاث في 307 صفحات لتختزل جميعها في مرحلة واحدة هي الإعدادية إلى 32 صفحة، وبينما نجد عصر النبوة يُدرّس كله في 10 صفحات نجد أن تاريخ الملك "مينا" وحده يُدرّس في تسع صفحات، أما السيرة النبوية فيبدو وكأنها تعرض سيرة شخص من عامة الناس لا سيرة أعظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث حُذفت مواطن العظمة ونماذج القدوة فضلا ًعن التشويه المتعمد لكثير من الوقائع التاريخية مثل ما يُساق من شبهات حول الخلفاء من لهو، ومجون، ووصمهم بالعنصرية، كما وحُذفت أية جملة، أو كلمة تحيي روح الانتماء للإسلام، والاعتزاز به".
والمعروف أن الأقطار التي غيّرت مناهجها حذفت الآيات القرآنية التي تحض على الجهاد في وجه الأعداء، وحذفت ما جاء عن اليهود وجرائمهم القديمة.
إنها محاولات بائسة لاقتلاع الجذور الفكرية من منبتها، لكن المُتابع يلاحظ أن انتشار العبادات ومظاهرها تتمسك بها أكثر، وأكثر الأجيال الجديدة، وأمكنة العبادة بدأت تمتلئ بهم لا بكبار السنّ فقط.
لقد تنوعت أساليب التيئيس في زمن ران اليأس فيه بعد كثرة المآسي من محاولات تقسيم الوطن، وإثارة النعرات الإثنية والطائفية تحت مسميات عدة كان منها "الشرق الأوسط الجديد"، ونظرية الفوضى الخلاقة لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة.... ولأجهزة الإعلام الرسمية على تنوعها دور في هذه الجريمة، فهي في المديح والثناء، وترتيل الكلام المنمق حول ذوي الشأن، والتغني بهم وبمآثرهم غير المتوفرة بل غير الموجودة بينما غُيبت وعن سابق قصد وإصرار الأغنية الوطنية، وأبيات شعر قالها سدنة الكلمة وأربابها في بعث مشاعر الأمة المرددة لها، والعاملة من أجلها.
لقد أزالوا من الذاكرة قصائد، وقصائد، وحتى أبيات كان فيها العشق للوطن من أعلى مراتب الحبّ، وحاولوا أن يُنسوا الجميع ما قاله الشاعر "إبراهيم طوقان" من أهل نابلس عاش بين 1905-1941:
وطني وإن القلب يا/ وطني بحبك مرتهن
وتتعدد الطرق، فلقد راح النقد للأوضاع المتردية يُسمح به،فهناك ندوات ومسلسلات تتعرض وبشكل صريح للعيوب ومظاهرها، ويرتاح المسؤولون والمواطنون لمشاهدتها، فأصحاب القرار يرون فيها مسحة من الحرية، ويأمرون بتكرارها،وتحديث لمشاهدها وهم يُضمرون عدم الأخذ بها والاستجابة لها حتى تبقى المسيرة الخاطئة وفيها كل الخطايا مستمرة، أما المواطن فيرتاح لها آنيا ، لكن وأمام تكرارها و تعدادها على مرّ الزمان ولا حل لها يُصاب بنوبة يأس جديدة واكتئاب مقنعاً نفسه بفقدان الأمل.
وأكبر الجرائم ترداد التعابير القادمة إلينا من الغير والمفروضة علينا،وتحوير لمفاهيمها -كالإرهاب- وتصنيف الدفاع عن الوطن ضد المحتلين في لائحته.... وأكرم به من إرهاب .
و من جرائم اللعب بالعقول، وفي المجال السياسي عدم نسيان الجرعات التي تُقدم تباعاً للمواطن العربي لتجعله يخرج من ثوبه، وفي حالة من الهذيان والجنون ، كان شعار الأرض مقابل السلام، ثم صار السلام مقابل السلام، وبعدها الأمن مقابل السلام، وأخيراً وصل الشعار إلى الحضيض: "المستوطنات" من أجل السلام، وآخر وأبشع أوجه المؤامرة الوضع المعيشي المتردي في جميع الأقطار العربية، وعدم توفر النوايا الصادقة لإيجاد الحلول للتنمية القومية، ولا حتى القطرية منها ، وترك الفساد لتتوسع دوائره ليحد بل ليعيق مشاريع التنمية ، والغاية من كل ذلك تتجمع في جعل خلق الله يلتهون في البحث عن لقمة العيش، ولا شيء غيرها فلها جلّ اهتماماتهم.
لكن عقولا عربية استطاعت الإفلات من الاعتقال ففي إحصائية لجامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية تشير الى أن الوطن العربي يساهم ب 31% من هجرة الكفاءات العلمية من الدول النامية منهم 50% أطباء 23% مهندسين 10% علماء وأن 54% من الدارسين في الخارج لا يعودون الى بلدانهم وثلاث دول غربية هي أمريكا وكندا وبريطانيا تتصيد 75% من المهاجرين العرب ، ويصدع الذهن تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام 2002 يقول فيه أن أكثر من مليون خبير واختصاصي عربي من حملة الشهادات العليا أو الفنيين المهرة من المهاجرين ، وخسارة هذه العقول يضاف إليها خسارة 200 مليار دولار لقاء نفقات دراستهم في بلدانهم .
الأمة العربية تتعرض لأبشع أنواع الاحتلالات، والغرض تشويه وإلغاء إرثها الثقافي وتفتيتها، وترحيلها إلى زوايا التاريخ المنسية، لكن المقاومات بكل أنواعها العسكرية والشعبية، وصرخات الاحتجاج في الشوارع، وكلمات الحق التي تُقال خير أمل لحيارى اليوم بأيامهم القادمة، فأبناء الأمة امتلأت بهم الشوارع في العديد من العواصم والمدن يطالبون برفع الغبن عنهم وتحسين ظروفهم الحياتية متحدين سلطات الذل والخنوع بالتمسك بحرياتهم ، فالوطن يبنيه الجميع.
halabi33@scs-net.org