تسميات خاطئة
التطبيع غيرُ المباشر مع العدو الصهيوني في المصطلحات والمفاهيم السياسية والإعلامية

جميل خرطبيل


إن السياسة الصهيونية زرعت في العقول فكرة اغتصاب فلسطين وإقامة كيانها عليها، قبل أن تزرعها على أرض الواقع لأكثر من مئة سنة. ولا ننسى العهد القديم وما زرعه في العقول منذ أن خطته أصابع عزرا. وما تبناه الفكر الصهيوني المسيحي لتثبيتها في الوجدان الأوروبي خلال مئات السنين.

لقد وعت الصهيونية العالمية دور الإعلام بكافة أنواعه المقروءة والمسموعة والمرئية فعملت على السيطرة على هذا الإعلام في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية واستطاعت إلى حد كبير غسل دماغ الغربي.

وذاك الدور يلعبه الإعلام العربي المشبوه ليعود المواطن العربي على تقبل تلك المصطلحات والمفاهيم كأمر طبيعي، مزيفاً حقيقة الاستعمار الصهيوني وحقوق شعبنا..

وهو في تزييفه لوعي العربي باستخدامه المصطلحات والمفاهيم المضللة والمشوهة للنضال الفلسطيني وحقوقه، إنما يخدم الصهيونية والإمبريالية الأمريكية!

إذاً زرعُ الفكرة في العقول وجعلُها أمراً مستساغاً وعادياً سابقٌ لزرعها على أرض الواقع، فتطبيع العقول والآذان والوجدان مع الأفكار نظرياً سابق على التطبيع العملي. ومن ذاك المنطلق نقول إن تطبيع العقل والأذن والوجدان الفلسطيني والعربي مع العدو الصهيوني تمهيد لما يليه، ويمكن تقسيمه إلى تطبيع مباشر وتطبيع غير مباشر:

فالتطبيع المباشر يكون بدءاً من إقامة العلاقات الاقتصادية كالتبادل التجاري والسياحي وانتهاء بالاعتراف بشرعية اغتصاب فلسطين وإسقاط حق الشعب الفلسطيني، وإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة.

أما التطبيع غير المباشر فيكون بدءاً من استخدام المصطلحات السياسية والإعلامية التي تثبت الاغتصاب الواقع على الأرض والإنسان الفلسطيني، وانتهاء بالتحول إلى التطبيع المباشر.

ولا نعني هنا أن كل من يستخدم تلك المصطلحات الخاطئة بأنه يعترف بالكيان الصهيوني، بل على العكس فهناك من يستخدمها وهو مؤمن إيماناً مطلقاً بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، لكنه لا يدرك خطورة استخدام تلك المصطلحات في تثبيت واقعية الوجود الصهيوني، وما تلعبه من دور في أجيالنا بما ترسخه في أذهانهم وتعود آذانهم على سماعه.

وما نراه ونسمعه في عالم السياسة والإعلام العربيين هو نوع من التطبيع الذي يتستر تحت مظلة مزيفة تتكئ إلى الواقعية حتى تعتاد الأذن العربية ولا سيما الفلسطينية على ذاك الواقع، ويصير طبيعياً في ذاكرتها ووجدانها مما يعني غسل الدماغ الفلسطيني والعربي من ثوابته الوطنية.

صحيح بأن الكيان الصهيوني موجود على أرض فلسطين بقوة السلاح والإرهاب، ولكن هذا لا يعني للمثقف الفلسطيني والعربي أن يمنح العدو المغتصب الاستعماري، الاعتراف والشرعية في خطاباته وكتاباته.

فالمثقف الفلسطيني والكاتب مسؤولان قبل غيرهما عن تصويب المصطلحات الخاطئة والمؤلمة وكذلك المفاهيم الشائعة في الخطاب السياسي والإعلامي. ونشر المصطلح السياسي الصحيح بدءاً من كتاباتنا الفلسطينية وانتهاء بالكتابات العربية.

وخلفية ذاك الطرح تستند إلى ما جاء في الميثاق الوطني الفلسطيني وميثاق الشرف لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين:

( - الالتزام بالميثاق الوطني الفلسطيني برنامجاً لتحرير كامل تراب فلسطين، وهو أساس المرجعية الوطنية.

- تحرير فلسطين يقع أساساً على عاتق كل فلسطيني وعربي، وواجب وطني وقومي وديني وإنساني.

- الالتزام بميثاق الشرف الذي أقره المؤتمر الثامن عشر للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب في عمان (في كانون الأول 1992). وتبنى منطلقات وأهداف "اللجنة العربية لمقاومة الاستسلام والتطبيع" التابعة للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب.

- عدم الالتزام بأي اتفاق عقد أو سيعقد مع العدو الصهيوني يعترف بشرعية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، أو لأي جزء منها أو لأية أرض عربية.

- الدفاع عن الهوية الوطنية في مواجهة كل مشاريع التوطين والتهجير والتذويب والإلغاء.

- الدفاع عن الهوية القومية الجامعة، والثقافة العربية، والذود عن الفصائل والقيم والأخلاق الإنسانية والدينية، واعتبار الثقافة العربية ثقافة الانفتاح والتفاعل الحضاري والإنساني والرافضة لأية هيمنة أو تبعية.

- الاعتزاز بتاريخنا الحضاري القومي. ومواجهة كل أشكال التزوير والافتراء والتهديد التي تتعرض لهويتنا وثقافتنا القومية وتاريخنا وحضارتنا العريقة) "انتهى".

وهنا سنستعرض بعض المسميات الشائعة والمفاهيم، وبديلها الدقيق لنتلمس مكامن التطبيع المجانيّ الذي نخدم من خلاله العدو الصهيوني غير منتبهين إلى الخطورة التي تحدثنا عنها:

- بدلاً من فلسطين المحتلة أو ما يسمى بالكيان "الإسرائيلي"، الكيان الصهيوني، كيان العدو، يستخدمون كلمة (إسرائيل). وبدلاً من الحديث عن الاستعمار الصهيوني في فلسطين، أو فلسطين المحتلة، يتحدثون عن الدولة (الإسرائيلية)، لطي حقيقة الكيان الصهيوني وحقيقة استعماره لفلسطين، وكيف قام على حساب الشعب الفلسطيني.. وهذا الأمر هدفه أن يصير الكيان حقيقة في وجدان الإنسان العربي، بعد فرضه الاستعماري على أرض الواقع، مما يؤدي إلى غسل الدماغ العربي، ليسلم بالوجود الاستعماري كبديهة شرعية وقانونية وتاريخية!!

- بدلاً من مستعمرة كمستعمرة "تل أبيب" يستخدمون كلمة مستوطنة.. واستخدام كلمة المستوطنات بدلاً من كلمة مستعمرات خطأ.. ولكل مصطلح دلالته التي لا تخفى، فالمستعمرة تعني اغتصاب الأرض واحتلالها بالقوة وترحيل صاحب الأرض بطرده أو قتله، وتهديم ممتلكاته، وبناء منشآت جديدة مكانها.. وهذه المدلولات لا تتضمنها كلمة مستوطنة، والتي لا تعني أكثر من اتخاذ مكان ما كوطن دونما أي ضرر بالآخر.

وكان خطأ تاريخياً ترجمة كلمة (Colony) بالمستعمرة، وفعل (Colonize) استعمر، والذي اشتق من الجذر عمر وما له من مدلولات إيجابية. ولعل كلمة الغازي المعتدي المحتل والمغتصب أقرب إلى مصطلح كولونيالي.

إلا أن المعاجم العربية الحديثة تداركت ذاك التناقض فحُمّل الفعل دلالات جديدة، ففي المعجم الوسيط يرد استعمرت دولةٌ دولةً أخرى: (فرضت عليها سيادتها واستغلتها)، والمستعمرة: (المستعمرة: إقليم يحكمه أجنبي يتوطنه أو يكتفى باستغلاله اقتصادياً أو عسكرياً. "مج")، وهذا المدلول الجديد من إقرار مجمع اللغة العربية.

فمصطلح مستعمر في المعاجم العربية الحديثة حمل الدلالة الجديدة، ولكن يجب أن تتضمن أيضاً الدلالات المتعددة في السياسية كالمحتل المغتصب والناهب للأرض، إلغاء الطرف الآخر، القمع والإرهاب..

وكذلك عوضاً عن مستوطن يجب أن نستخدم مستعمر ضمن الدلالة تلك. وعوضاً عن المواطنين اليهود، أو الشعب اليهودي: المستعمرون الصهاينة، التجمع اليهودي المستعمر.

- استخدام مصطلح "الشعب اليهودي": لا يوجد شيء اسمه الشعب اليهودي ولا القومية اليهودية، فاليهودي هو المنتمي للديانة اليهودية. أما الإثنية أو العرق أو الجنسية أو القومية فهي بحسب الدولة التي ينتمي إليها، وجاء منها هو أو أهله إلى فلسطين كمستعمرين!

وهناك من يربط بين اليهود الحاليين ويهود التاريخ، ويربط بين اليهود جميعاً مع بني إسرائيل "التسمية التوراتية". إن اليهود الحاليين سواء أكانوا شرقيين أم غربيين، لا ينتمون إلى يهود التاريخ مطلقاً لا من الناحية الجنسية أو العرقية أو الإثنية. كما أن اليهود القدماء لا ينتمون إلى بني إسرائيل الذين انقرضوا تاريخياً.

والخلط بين يهود الحاضر والماضي وربطهم ببني إسرائيل/ يعقوب، يعني أنهم من سلالة إثنية واحدة نقية وصافية عبر التاريخ ولأكثر من أربعة آلاف سنة.. وهذا الكلام غير العلمي لم يقله أحد سوى النازية والصهيونية، فيأتي بعض كتابنا أو مؤرخينا من يثبت ذلك من منطلق نية حسنة بأن اليهود هكذا هم في أخلاقهم طوال تاريخهم، بدلاً من أن يوضح بأن من يتبنى الديانة اليهودية سيحمل أفكارها العنصرية والاستعمارية واللا أخلاقية، وسيحمل أفكارها المنفعية والوصولية اقتداء بأسفار العهد القديم التي صاغها مؤلفو التوراة.

- السلام: وهو في الحقيقة استسلام، وهنا نسمع ونقرأ عن مصطلحين الأول السلام العادل والآخر السلام المتوازن. فهل هناك في الشرعية الدولية، سلام عادل؟

إن قرار التقسيم صنعته الإمبرياليات الغربية والأمريكية، وقرار التقسيم لم يكن عادلاً بل كان أقذر جريمة ارتكبت في التاريخ وتاريخ الأمم المتحدة! وعلى الرغم من ذلك استبدل بواقع آخر صنعته المسماة (إسرائيل) على أرض الواقع، وصار القرار 242 و338 اللذان يعطيان الصهاينة حوالي 80 % من أرض فلسطين، هو البديل في المفهوم الدولي، بدلاً من قرار التقسيم الذي يعطي الصهاينة أكثر من خمسين بالمئة من فلسطين (54 % للدولة اليهودية، و45 % للدولة العربية و1 % منطقة دولية - القدس)!

أما السلام المتوازن فهو يتكئ على شعار الواقعية والإمكانات. إن ذريعة الظروف الذاتية والموضوعية، تطمس حقيقة العلاقة الجدلية بينهما، فهل عملنا على تطوير الظروف الذاتية؟

لقد جاء في الميثاق الوطني، المادة (9):

[الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك إستراتيجية وليس تكتيكاً. ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمَه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدماً نحو الثورة الشعبية المسلحة، لتحرير وطنه والعودة إليه، وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه].

فماذا فعلت المقاومة الفلسطينية بهذا الاتجاه، وماذا مارست على أرض الواقع لترجمته، وكيف قيمنا (قومنا) تجربة الثورة بعد الخروج من عمان، ثم من بيروت وقد حملت القيادة في جعبتها فكرة الاعتراف بالعدو وإسقاط البندقية؟! ثم حددت قيادة المنظمة بوصلتها الوحيدة منذ إعلان الدولة في مؤتمر المجلس الوطني في الجزائر عام 88 وكل ذاك كان البدايات الممهدة لأوسلو!!

لا سلام مع العدو، والبديل هو العودة لميثاقنا الوطني فهو وحده يحقق العدالة.

- الإرهاب: لن نطيل في هذا المصطلح الذي صارت حقيقته واضحة لكل ذي عقل وضمير، فهو مطية للمشاريع الأمريكية الصهيونية، وتشويه لنضال الشعوب ومكافحة الاستعمار وأطماعه، فهو يضع الكفاح الوطني وحق الشعوب في مقاومة الاستعمار.. في سلة واحدة مع الجرائم المدنية!!

- ازدواجية المعايير: إن العنصرية الغربية ترعرعت على مفاهيم نيتشه عن السوبرمان والنخبة، ومفاهيم الدارونية الاجتماعية والسياسية والطبقية؛ فالحياة كما يرون صراع والبقاء فيها للأقوى والأفضل. وبالتالي هم النخبة وهم السادة، وبقية شعوب العالم عبيد في الدرك الأسفل ولا قيمة لهم ولا لوجودهم. والصهاينة ينتمون إلى الغرب وعقليته ومفاهيمه مما يعني أن تكون المواقف الغربية لصالح الصهاينة وأن تكون المكاييل متنوعة، حيث لا يمكن لتلك العقلية العنصرية أن تنظر للعبيد والحيوانات (بمفاهيمهم) نظرتها إلى أبناء جلدتهم الأسياد مثلهم، ولا يمكن أن تكون حيادية في الصراع بين عبيد وسادة لأنها إلى جانب السادة حتماً!! وكل ما يخالف تلك الصورة خداع وتضليل ومراوغة أمام ظروف تَفرض عليهم أحياناً نوعاً من الديبلوماسية، ولكن في الأمور الحاسمة إن مس العبد مصالح السادة، أو لم يستجب لمطالب السادة أو إن طالب بأن يساوي نفسه بالسادة، يكشفون عن الوجه الحقيقي دون حياء أو خجل، لأنه لا قيمة للقيم أو المثل أو الإنسانية أو العدل في عالم التمييز والعنصرية والبراغماتية... وفي دوربان رفضوا الاعتذار عن استعباد القارة السوداء لأنهم كانوا يؤمنون بحقهم في استعباد من هم دونهم!!

لذلك يجب استخدام مصطلح العنصرية الغربية في ازدواجية المعايير.

وسنستعرض بشكل سريع تسميات وتعابير خاطئة أخرى وتصويبها، علماً بأن هناك العشرات من تلك التسميات الخاطئة الشائعة:

- يجب استخدام تعبير النزاع العربي الصهيوني عوضاً عن النزاع الفلسطيني "الإسرائيلي".

- رفض وصف كفاح الشعب الفلسطيني بالإرهاب أو التشدد، أو العنف الفلسطيني.

- رفض تسمية الوطنيين الشرفاء المتمسكين بالثوابت، بالمتشددين أو المتخشبين أو المتشنجين.. ومن المستغرب أن تندرج التسمية السلبية على مخيمات غزة فتسمى بمعاقل المتشددين!!

- استخدام تعبير أراض مصادرة ومستولى عليها عوضاً عن مناطق عسكرية مغلقة (كما يطلق عليها الصهاينة).

- القدس كلها محتلة (شرقيها وغربيها) ولا معنى للقول القدس الشرقية المحتلة أو الغربية المحتلة!

- ونقول المختطفون والمعتقلون عوضاً عن الأسرى، لأن الأسير لا يكون إلا في الحرب!!

- ولنؤكد على استخدام مصطلح عملية استشهادية أو فدائية، ومن المخجل تسميتها بعملية انتحارية أو تفجيرية لتصغير شأنها! وبناء على ذلك نستخدم كلمة استشهاد عوضاً عن مصرع أو مقتل أو سقوط. وشهيد عوضاً عن قتيل..

- ونقول اغتيالات سياسية وجرائم عوضاً عن قتل مستهدف أو ضرب المتشددين أو الإرهابيين أو المطلوبين.

- ونقول وزارة الحرب (والاعتداء) عوضاً عن وزارة الدفاع، وجيش العدو/ الاستعمار الصهيوني/ عوضاً عن جيش الدفاع "الإسرائيلي".

- ونستخدم تعبير عملية اعتداء واقتحام واجتياح قام بها العدو الصهيوني عوضاً عن عملية عسكرية.

- إعطاء نقاط التفتيش الصهيونية معناها الدقيق فهي حواجز لمحاصرة شعبنا وإذلاله ومراقبته..

- ولنقل محاصرة المدن والقرى عوضاً عن حظر التجول في المدن والقرى..

- ولنقل الطرق العنصرية المخصصة للصهاينة فقط، عوضاً عن الطرق الالتفافية.

- ولنقل مُهجَّر ومهجرين عوضاً عن لاجئ ولاجئين، لأن المُهجَّر هو الذي أرغم على الهجرة قسراً، بينما كلمة لاجئ لا تحمل ذاك المدلول إلا بصفة له، وإلا فهي لا تحمله!

- الخروج من تصنيفات اليمين واليسار والاعتدال، فكلهم مع المشروع الاستعماري على أرضنا وحسابنا، وكل يهودي على أرض فلسطين هو مستعمر عنصري لا أخلاق له ولا مبادئ!

- الخروج من مقولة الدعم الإمبريالي الأمريكي والغربي للاستعمار الصهيوني والانحياز؛ لأنه لا يمكن أن تكون الإمبرياليات الغربية والأمريكية غير ذلك، وما الكيان الصهيوني إلا قاعدة عسكرية لحماية مصالح الإمبرياليات الغربية!

- وبعضهم يقول إن جوهر الصراع العربي الصهيوني هو قضية اللاجئين الفلسطينيين! وهذا تزييف للحقيقة فجوهر الصراع هو احتلال فلسطين، وقضية المُهجرين هي نتيجة للاحتلال والاستعمار والقهر والطرد.. وليست هي السبب في الصراع أي ليست هي الجوهر!

وفي الإعلام التلفزيوني نلاحظ كيف يستخدم التعابير المسيئة لقضيتنا ونضال شعبنا، لصالح التطبيع مع العدو الصهيوني:

- ولنبدأ بخارطة فلسطين التي يعرضونها ولا سيما في الأخبار وكيف تشير إلى الأراضي المحتلة عام 48 باسم (إسرائيل)، لتثبت التسمية والخارطة كحقيقة في الوجدان العربي ولتمحو حقيقتها بأنها أرض مستعمرة، هكذا وبكل صفاقة تعترف للعدو بأن ذاك الجزء المقتطع والمغتصب من فلسطين بقوة السلاح صار معترفاً به وشرعياً للعدو المستعمر، فكيف يمنحونه صك الملكية الشرعية!؟

- العمليات الاستشهادية البطلة إن تجاوز الإعلام تسميتها بالعمليات الانتحارية يسميها عمليات عسكرية وشتان بين التسميتين.. ومنهم من يستخدم كلمة فدائية ليبعد مصطلح الاستشهادية وما لها من دلالة لا ترضي الأمريكان والصهاينة.. وقد سمعنا عن بعض الأنظمة الذين دفعوا بعض المرتزقة من الفقهاء ليفتوا ببطلانها دينياً، تلبية لمطلب الأمريكان والصهاينة!

- دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم يسميه البعض العنف الفلسطيني، أو الحرب الدائرة بين الفلسطينيين والقوات (الإسرائيلية) أو الجيش (الإسرائيلي).. متجاهلين بذلك حقيقة الاستعمار الصهيوني.. وما الشعب الفلسطيني إلا ضحية يدافع عن حياته وحقوقه ضد الجريمة التي ترعاها الإمبريالية الأمريكية سياسياً وعسكرياً ومالياً، وتغمض الأنظمة العربية النظر عنها.. كما أن الشعب الفلسطيني لا يمتلك جيشاً يواجه جيش العدو المدجج بالسلاح، بل هي مقاومة شعبية ضد المستعمر!

- يتحدثون عن الاعتداءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني وكأنما هي ردود أفعال انتقامية لهجمات فلسطينية. وهنا تمنح الأقنية العدو الصهيوني البراءة، فهو المسالم ولكن اعتداء الفلسطينيين، تدفعه للدفاع عن نفسه، وبالتالي المشكلة تكمن في الفلسطيني، الذي يتحرش (بالإسرائيليين) الوادعين المؤمنين بالسلام والتعايش الإنساني مع الآخر!

- تصوير ما يجري دائماً ضمن صورة سلبية: الفلسطينيون هم الخاسرون أما القوات الصهيونية فهي الرابحة. وهنا رسالة واضحة للشعب الفلسطيني لإحباطه، فكأنما لسان الحال يقول: لا فائدة من النضال وعليك أيها الفلسطيني أن تستسلم للأمر الواقع وأن ترضى بالمشاريع المطروحة، وهذا وإن لم يلب طموحاتك فهو أفضل من لا شيء.. وهنا لا يكتفي الإعلام المشبوه بتجاهل حق المقاومة في الكفاح والنضال لتدافع عن شعبها، بل يتجاهل ما تصنعه المقاومة والعمليات الاستشهادية في كيان العدو من قلب للمعادلة، وتدهور في حياته الوجودية والأمنية وانعكاس ذلك على حالته النفسية وعلى المشروع الاستعماري كله!

- استضافة مسؤولين من الكيان الصهيوني في الفضائيات العربية: تفرض الأقنية العربية على المستمع العربي التأقلم والتعود على وجود شيء اسمه (الإسرائيلي)، والحكومة (الإسرائيلية).. أي تقبل الكيان كحقيقة معترف بها عربياً.. والأنكى من هذا أن تسمع المجرمين الصهاينة وهم يهاجمون الفلسطينيين ويتوعدونهم، ويدعون بأنهم يريدون السلام والعلاقات الطيبة مع الجيران، ولكن الفلسطينيين هم الأشرار!! وبمعنى آخر تتحول تلك الاستضافة لتصير منبراً للمستعمرين الصهاينة في الأقنية العربية.. وقد سمعنا بعض المطلوبين من قبل محاكم الجزاء والعدل في العالم - إن طبقت القوانين الإنسانية- يصف شارون (عندما كان رئيساً للوزراء ويمارس الإرهاب على شعبنا في الضفة والقطاع) بتشرشل بالنسبة لأوروبا في حربه ضد النازية على إحدى المحطات العربية! وهذا يعني بالضبط أن الشعب الفلسطيني نازي، وشارون هو المدافع عن اليهود من تلك النازية!

وهنا نلاحظ تفاهة القول بالديمقراطية والرأي الآخر، لأن المحطات عربية وليست محايدة في الصراع العربي الصهيوني، لكنها تخلت عن عروبتها ودينها.. وهذه الاستضافة ممكنة لمحطة أوروبية - مثلاً- تستمع فيها للطرفين، وليس لمحطة تتدعي العروبة.. وعلى كل فلتحدثنا تلك المحطات المشبوهة والمخادعة، عن حقيقة حكامها والارتباطات بأمريكا والصهاينة تحت شعار الحرية والديمقراطية والرأي الآخر!!

- تصوير الصراع العربي ضد الاستعمار الصهيوني - وهو قضية وجود للأمة العربية وليس قضية نزاع حدودي- وكأنما هو خلاف فلسطيني (إسرائيلي) وبالتالي تروج للحلول المطروحة، وكأنما هي الحلول السحرية، التي تؤدي إلى حل الخلاف!! وهنا مهمة تلك الأقنية ليس مجرد ترويج البضاعة الأمريكية الصهيونية في الشارع العربي، وإنما إخراج القضية الفلسطينية من إطارها العربي، والإسلامي المسيحي، وحصرها بين الفلسطينيين و(الإسرائيليين)!

- تبث أحياناً بعض المحطات برامج دينية تتحدث عن أنبياء (إسرائيل)، تؤكد من خلالها تاريخ الأنبياء على أرض فلسطين، علماً بأنه لم يثبت تاريخياً وآثارياً وجودهم على أرض فلسطين. فالمؤرخون العرب القدماء، والحديثون والمستعمرون والمستشرقون اعتمدوا على أسفار العهد القديم ومن ضمنها التوراة، برواية تلك الأخبار. وهي أي الأسفار والتوراة ساقطة علمياً وأخلاقياً وتاريخياً وجغرافياً!!

والمثير للعجب أنهم لا يذكرون الآثاريين المعاصرين ومنهم يهود كفنكلشتاين وهيرتزوغ.. الذين ينفون تلك الأساطير، حيث لم يعثروا على دليل آثاري واحد يثبت صحتها على أرض فلسطين بما في ذلك مملكة داوود وسليمان!

إن هناك نقاطاً أخرى كثيرة إلا أن ما ذكر يعطي صورة عما تقوم به المحطات الفضائية العربية خدمة لأمريكا وللكيان الصهيوني المستعمر، وتحت عناوين براقة كالحرية والديمقراطية والاستماع إلى وجهة نظر الطرف الآخر، ناسية أنها عربية وأن القضية تعنيها تماماً، وليست حيادية في الأمر، إلا في حالة إعلانها عن هويتها الجديدة!!

إن القضية ليست مجرد ذكر الخبر، ولكن كيف يصاغ وطريقة إذاعته، والإطار الذي يوضع فيه ضمن السياق، والأبعاد الموحية لملحقات الخبر والتعليقات الإضافية..

والمتتبع للإعلام في الفضائيات العربية، يجد خيطاً يجمع بينها وهو يعبر عن توجه سياسي مدروس بعناية. والشعب العربي المغلوب على أمره ولا حول له ولا قوة، يعرف حقيقة الأنظمة وارتباطاتها وحقيقة الإعلام المعبر عن توجهات أسياد تلك الأنظمة..

ولنتصور جميعاً كيف سيكون الوضع لو أن الجميع يقول فلسطين المحتلة عام 48 ماذا يمكن أن تخلق من تغيير في الأذن العربية، والأجيال وما يمكن أن تخلقه من حالة نفسية عند الصهيوني من وجوده اللا شرعي، من وجوده الاستعماري، من وجوده الذي لن يُعترف به..

وأخيراً لن نتحدث عن المواقع العربية والفلسطينية على شبكة الإنترنت فهي أداة من أدوات الميديا والأخطاء تتكرر فيها ولا تخرج عما ذكرناه.

لذلك نطالب جميع المثقفين بالعمل على جمع ما يمكن من تلك المصطلحات والمفاهيم الخاطئة والمسيئة ونشرها في كل مكان ضمن كراس أو كتيب، لنثبت حقيقة الصراع الصهيوني العربي، ولتثبيت حق الشعب الفلسطيني في وطنه وأرضه، وتثبيت حقنا في تحرير فلسطين كل فلسطين.

فالمثقف والكاتب مطالبان باستخدام المصطلحات الصحيحة والمعبرة عن مدلولها الدقيق وتمحيص كل مصطلح أو مفهوم يرد في أية وسيلة إعلامية بهدف تصويبه والعمل على نشر ما هو صحيح وتنبيه الآخرين له.